الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                            جزء صفحة
                                                                                                                                            ( 1121 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَمَنْ صَلَّى خَلْفَ مَنْ يُعْلِنُ بِبِدْعَةٍ ، أَوْ يَسْكَرُ ، أَعَادَ ) . الْإِعْلَانُ الْإِظْهَارُ ، وَهُوَ ضِدُّ الْإِسْرَارِ . فَظَاهِرُ هَذَا أَنَّ مَنْ ائْتَمَّ بِمَنْ يُظْهِرُ بِدْعَتَهُ ، وَيَتَكَلَّمُ بِهَا ، وَيَدْعُو إلَيْهَا ، أَوْ يُنَاظِرُ عَلَيْهَا ، فَعَلَيْهِ الْإِعَادَةُ . وَمَنْ لَمْ يُظْهِرْ بِدْعَتَهُ ، فَلَا إعَادَةَ عَلَى الْمُؤْتَمِّ بِهِ ، وَإِنْ كَانَ مُعْتَقِدًا لَهَا . قَالَ الْأَثْرَمُ : قُلْت لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ : الرَّافِضَةُ الَّذِينَ يَتَكَلَّمُونَ بِمَا تَعْرِفُ ؟ فَقَالَ : نَعَمْ ، آمُرُهُ أَنْ يُعِيدَ . قِيلَ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ : وَهَكَذَا أَهْلُ الْبِدَعِ كُلُّهُمْ ؟ قَالَ : لَا ، إنَّ مِنْهُمْ مَنْ يَسْكُتُ ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقِفُ وَلَا يَتَكَلَّمُ . وَقَالَ : لَا تُصَلِّ خَلْفَ أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْأَهْوَاءِ ، إذَا كَانَ دَاعِيَةً إلَى هَوَاهُ . وَقَالَ : لَا تُصَلِّ خَلْفَ الْمُرْجِئِ إذَا كَانَ دَاعِيَةً . وَتَخْصِيصُهُ الدَّاعِيَةَ ، وَمَنْ يَتَكَلَّمُ بِالْإِعَادَةِ ، دُونَ مَنْ يَقِفُ وَلَا يَتَكَلَّمُ ، يَدُلُّ عَلَى مَا قُلْنَاهُ . وَقَالَ الْقَاضِي : الْمُعْلِنُ بِالْبِدْعَةِ مَنْ يَعْتَقِدُهَا بِدَلِيلٍ ، وَغَيْرُ الْمُعْلِنِ مَنْ يَعْتَقِدُهَا تَقْلِيدًا . وَلَنَا ، أَنَّ حَقِيقَةَ الْإِعْلَانِ هُوَ الْإِظْهَارُ ، وَهُوَ ضِدُّ الْإِخْفَاءِ وَالْإِسْرَارِ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { وَيَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ } وَقَالَ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنْ إبْرَاهِيمَ : { رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ } وَلِأَنَّ الْمُظْهِرَ لِبِدْعَتِهِ لَا عُذْرَ لِلْمُصَلِّي خَلْفَهُ - لِظُهُورِ حَالِهِ - ، وَالْمُخْفِيَ لَهَا مَنْ يُصَلِّي خَلْفَهُ مَعْذُورٌ ، وَهَذَا لَهُ أَثَرٌ فِي صِحَّةِ الصَّلَاةِ ، وَلِهَذَا لَمْ تَجِبْ الْإِعَادَةُ خَلْفَ الْمُحْدِثِ وَالنَّجِسِ إذَا لَمْ يُعْلَمْ حَالُهُمَا ; لِخَفَاءِ ذَلِكَ وَمِنْهُمَا وَوَجَبَتْ عَلَى الْمُصَلِّي خَلْفَ الْكَافِرِ وَالْأُمِّيِّ ، لِظُهُورِ حَالِهِمَا غَالِبًا . وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ ، أَنَّهُ لَا يُصَلَّى خَلْفَ مُبْتَدِعٍ بِحَالٍ . قَالَ ، فِي رِوَايَةِ أَبِي الْحَارِثِ : لَا يُصَلِّي خَلْفَ مُرْجِئٍ وَلَا رَافِضِيٍّ ، وَلَا فَاسِقٍ ، إلَّا أَنْ يَخَافَهُمْ فَيُصَلِّيَ ، ثُمَّ يُعِيدَ . وَقَالَ أَبُو دَاوُد ، قَالَ أَحْمَدُ : مَتَى مَا صَلَّيْت خَلْفَ مَنْ يَقُولُ : الْقُرْآنُ مَخْلُوقٌ فَأَعِدْ . قُلْت : وَتَعْرِفُهُ . قَالَ : نَعَمْ . وَعَنْ مَالِكٍ ، أَنَّهُ لَا يُصَلَّى خَلْفَ أَهْلِ الْبِدَعِ . فَحَصَلَ مِنْ هَذَا أَنَّ مَنْ صَلَّى خَلْفَ مُبْتَدِعٍ مُعْلِنٍ بِبِدْعَتِهِ ، فَعَلَيْهِ الْإِعَادَةُ . وَمَنْ لَمْ يُعْلِنْهَا فَفِي الْإِعَادَةِ خَلْفَهُ رِوَايَتَانِ . وَأَبَاحَ الْحَسَنُ ، وَأَبُو جَعْفَرٍ ، وَالشَّافِعِيُّ الصَّلَاةَ خَلْفَ أَهْلِ الْبِدَعِ ; لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { صَلُّوا خَلْفَ مَنْ قَالَ : لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ . } رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ . وَلِأَنَّهُ رَجُلٌ صَلَاتُهُ صَحِيحَةٌ ، فَصَحَّ الِائْتِمَامُ بِهِ كَغَيْرِهِ . وَقَالَ نَافِعٌ : كَانَ ابْنُ عُمَرَ يُصَلِّي مَعَ الْخَشَبِيَّةِ وَالْخَوَارِجِ زَمَنَ ابْنِ الزُّبَيْرِ ، وَهُمْ يَقْتَتِلُونَ . فَقِيلَ لَهُ : أَتُصَلِّي مَعَ هَؤُلَاءِ ، وَمَعَ هَؤُلَاءِ ، وَبَعْضُهُمْ يَقْتُلُ بَعْضًا ؟ فَقَالَ : مَنْ قَالَ : حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ . أَجَبْتُهُ ، وَمَنْ قَالَ : حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ . أَجَبْتُهُ ، وَمَنْ قَالَ : حَيَّ عَلَى قَتْلِ أَخِيك الْمُسْلِمِ ، وَأَخْذِ مَالِهِ . قُلْت : لَا . رَوَاهُ سَعِيدٌ . وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ ، وَبَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ : مَنْ نُكَفِّرُهُ بِبِدْعَتِهِ كَاَلَّذِي يُكَذِّبُ اللَّهَ أَوْ رَسُولَهُ بِبِدْعَتِهِ ، لَا يُصَلَّى خَلْفَهُ ، وَمَنْ لَا نُكَفِّرُهُ تَصِحُّ الصَّلَاةُ خَلْفَهُ . وَلَنَا : مَا رَوَى جَابِرٌ ، قَالَ : " سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى مِنْبَرِهِ يَقُولُ : { لَا تَؤُمَّنَّ امْرَأَةٌ رَجُلًا ، وَلَا فَاجِرٌ مُؤْمِنًا ، إلَّا أَنْ يَقْهَرَهُ بِسُلْطَانٍ ، أَوْ يَخَافَ سَوْطَهُ أَوْ سَيْفَهُ } . رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ ، وَهَذَا أَخَصُّ مِنْ حَدِيثِهِمْ ، فَتَعَيَّنَ تَقْدِيمُهُ ، وَحَدِيثُهُمْ نَقُولُ بِهِ فِي الْجُمَعِ وَالْأَعْيَادِ ، وَتُعَادُ ، وَهُوَ مُطْلَقٌ ، فَالْعَمَلُ بِهِ فِي مَوْضِعٍ يُحَصِّلُ الْوَفَاءَ بِدَلَالَتِهِمْ ، وَقِيَاسِهِمْ مَنْقُوضٌ بِالْخُنْثَى وَالْأُمِّيِّ . وَيُرْوَى عَنْ حَبِيبِ بْنِ عُمَرَ الْأَنْصَارِيِّ ، عَنْ أَبِيهِ ، قَالَ : سَأَلْت وَاثِلَةَ بْنَ الْأَسْقَعِ ، قُلْت : أُصَلِّي خَلْفَ الْقَدَرِيِّ ؟ قَالَ : لَا تُصَلِّ خَلْفَهُ . ثُمَّ قَالَ : أَمَّا أَنَا لَوْ صَلَّيْت خَلْفَهُ لَأَعَدْت صَلَاتِي . رَوَاهُ الْأَثْرَمُ . وَأَمَّا قَوْلُ الْخِرَقِيِّ : " أَوْ يَسْكَرُ " . فَإِنَّهُ يَعْنِي مَنْ يَشْرَبُ مَا يُسْكِرُهُ مِنْ أَيِّ شَرَابٍ كَانَ ، فَإِنَّهُ لَا يُصَلَّى خَلْفَهُ لِفِسْقِهِ . وَإِنَّمَا خَصَّهُ بِالذِّكْرِ ، فِيمَا يُرَى مِنْ سَائِرِ الْفُسَّاقِ ، لِنَصِّ أَحْمَدَ عَلَيْهِ . قَالَ أَبُو دَاوُد : سَأَلْت أَحْمَدَ وَقِيلَ لَهُ : إذَا كَانَ الْإِمَامُ يَسْكَرُ ؟ قَالَ : لَا تُصَلِّ خَلْفَهُ أَلْبَتَّةَ . وَسَأَلَهُ رَجُلٌ ، قَالَ : صَلَّيْت خَلْفَ رَجُلٍ ، ثُمَّ عَلِمْت أَنَّهُ يَسْكَرُ ، أُعِيدُ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، أَعِدْ . قَالَ : أَيَّتُهُمَا صَلَاتِي ؟ قَالَ : الَّتِي صَلَّيْتَ وَحْدَك . وَسَأَلَهُ رَجُلٌ . قَالَ : رَأَيْت رَجُلًا سَكْرَانَ ، أُصَلِّي خَلْفَهُ ؟ قَالَ : لَا . قَالَ : فَأُصَلِّي وَحْدِي ؟ قَالَ أَيْنَ أَنْتَ ؟ فِي الْبَادِيَةِ ؟ الْمَسَاجِدُ كَثِيرَةٌ . قَالَ : أَنَا فِي حَانُوتِي . قَالَ : تَخَطَّاهُ إلَى غَيْرِهِ مِنْ الْمَسَاجِدِ . فَأَمَّا مَنْ يَشْرَبُ مِنْ النَّبِيذِ الْمُخْتَلَفِ فِيهِ مَا لَا يُسْكِرُهُ ، مُعْتَقِدًا حِلَّهُ ، فَلَا بَأْسَ بِالصَّلَاةِ خَلْفَهُ . نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ . فَقَالَ : يُصَلَّى خَلْفَ مَنْ يَشْرَبُ الْمُسْكِرَ عَلَى التَّأْوِيلِ ، نَحْنُ نَرْوِي عَنْهُمْ الْحَدِيثَ ، وَلَا نُصَلِّي خَلْفَ مَنْ يَسْكَرُ . وَكَلَامُ الْخِرَقِيِّ بِمَفْهُومِهِ يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ ، لِتَخْصِيصِهِ مَنْ سَكِرَ بِالْإِعَادَةِ خَلْفَهُ . وَفِي مَعْنَى شَارِبِ مَا يُسْكِرُ كُلُّ فَاسِقٍ ، فَلَا يُصَلَّى خَلْفَهُ . نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ . فَقَالَ : لَا تُصَلِّ خَلْفَ فَاجِرٍ وَلَا فَاسِقٍ . وَقَالَ أَبُو دَاوُد سَمِعْت أَحْمَدَ ، رَحِمَهُ اللَّهُ ، سُئِلَ عَنْ إمَامٍ ، قَالَ : أُصَلِّي بِكُمْ رَمَضَانَ بِكَذَا وَكَذَا دِرْهَمًا . قَالَ : أَسْأَلُ اللَّهَ الْعَافِيَةَ ، مَنْ يُصَلِّي خَلْفَ هَذَا ؟ وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ : لَا تُصَلُّوا خَلْفَ مَنْ لَا يُؤَدِّي الزَّكَاةَ ، وَقَالَ لَا تُصَلِّ خَلْفَ مَنْ يُشَارِطُ ، وَلَا بَأْسَ أَنْ يَدْفَعُوا إلَيْهِ مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ . وَهَذِهِ النُّصُوصُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يُصَلَّى خَلْفَ فَاسِقٍ . وَعَنْهُ رِوَايَةٌ أُخْرَى ، أَنَّ الصَّلَاةَ جَائِزَةٌ ، ذَكَرَهَا أَصْحَابُنَا . وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ; لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { صَلُّوا خَلْفَ مَنْ قَالَ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ } . وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يُصَلِّي خَلْفَ الْحَجَّاجِ ، وَالْحُسَيْنُ وَالْحَسَنُ ، وَغَيْرُهُمَا مِنْ الصَّحَابَةِ كَانُوا يُصَلُّونَ مَعَ مَرْوَانَ . وَاَلَّذِينَ كَانُوا فِي وِلَايَةِ زِيَادٍ وَابْنِهِ كَانُوا يُصَلُّونَ مَعَهُمَا . وَصَلَّوْا وَرَاءَ الْوَلِيدِ بْنِ عُقْبَةَ ، وَقَدْ شَرِبَ الْخَمْرَ وَصَلَّى الصُّبْحَ أَرْبَعًا ، وَقَالَ : أَزِيدُكُمْ . فَصَارَ هَذَا إجْمَاعًا ، وَرُوِيَ عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ : قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { كَيْفَ أَنْتَ إذَا كَانَتْ عَلَيْك أُمَرَاءُ يُؤَخِّرُونَ الصَّلَاةَ عَنْ وَقْتِهَا ؟ قَالَ : قُلْت . فَمَا تَأْمُرُنِي ؟ قَالَ : صَلِّ الصَّلَاةَ لِوَقْتِهَا ، فَإِنْ أَدْرَكْتَهَا مَعَهُمْ فَصَلِّ ، فَإِنَّهَا لَك نَافِلَةٌ } . رَوَاهُ مُسْلِمٌ . وَفِي لَفْظٍ : { فَإِنْ صَلَّيْتَ لِوَقْتِهَا كَانَتْ نَافِلَةً ، وَإِلَّا كُنْتَ قَدْ أَحْرَزْتَ صَلَاتَكَ } . وَفِي لَفْظٍ : { فَإِنْ أَدْرَكْتَ الصَّلَاةَ مَعَهُمْ فَصَلِّ ، وَلَا تَقُلْ : إنِّي قَدْ صَلَّيْت ، فَلَا أُصَلِّي } . وَفِي لَفْظٍ : " فَإِنَّهَا زِيَادَةُ خَيْرٍ " . وَهَذَا فِعْلٌ يَقْتَضِي فِسْقَهُمْ ، وَقَدْ أَمَرَهُ بِالصَّلَاةِ مَعَهُمْ ، وَقَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { صَلَاةُ الْجَمَاعَةِ تَفْضُلُ صَلَاةَ الْفَذِّ بِخَمْسٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً } عَامٌّ ، فَيَتَنَاوَلُ مَحَلَّ النِّزَاعِ ، وَلِأَنَّهُ رَجُلٌ تَصِحُّ صَلَاتُهُ لِنَفْسِهِ ، فَصَحَّ الِائْتِمَامُ بِهِ كَالْعَدْلِ . وَوَجْهُ الْأُولَى قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ : { لَا يُؤَمَّنَّ فَاجِرٌ مُؤْمِنًا ، إلَّا أَنْ يَقْهَرَهُ بِسُلْطَانِهِ أَوْ سَيْفِهِ } . وَلِأَنَّ الْإِمَامَةَ تَتَضَمَّنُ حَمْلَ الْقِرَاءَةِ ، وَلَا يُؤْمَنُ تَرْكُهُ لَهَا ، وَلَا يُؤْمَنُ تَرْكُ بَعْضِ شَرَائِطِهَا كَالطَّهَارَةِ ، وَلَيْسَ ثَمَّ أَمَارَةٌ وَلَا غَلَبَةُ ظَنٍّ يُؤَمِّنَانِ ذَلِكَ . وَالْحَدِيثُ أَجَبْنَا عَنْهُ ، وَفِعْلُ الصَّحَابَةِ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُمْ خَافُوا الضَّرَرَ بِتَرْكِ الصَّلَاةِ مَعَهُمْ ، فَقَدْ رَوَيْنَا عَنْ عَطَاءٍ ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، أَنَّهُمَا كَانَا فِي الْمَسْجِدِ ، وَالْحَجَّاجُ يَخْطُبُ ، فَصَلَّيَا بِالْإِيمَاءِ ، وَإِنَّمَا فَعَلَا ذَلِكَ لِخَوْفِهِمَا عَلَى أَنْفُسِهِمَا إنْ صَلَّيَا عَلَى وَجْهٍ يَعْلَمُ بِهِمَا . وَرَوَيْنَاهُ عَنْ قَسَامَةَ بْنِ زُهَيْرٍ . قَالَ : لَمَّا كَانَ مِنْ شَأْنِ فُلَانٍ مَا كَانَ ، قَالَ لَهُ أَبُو بَكْرٍ : تَنَحَّ عَنْ مُصَلَّانَا ، فَإِنَّا لَا نُصَلِّي خَلْفَك . وَحَدِيثُ أَبِي ذَرٍّ : يَدُلُّ عَلَى صِحَّتِهَا نَافِلَةً ، وَالنِّزَاعُ فِي الْفَرْضِ . ( 1122 ) فَصْلٌ : فَأَمَّا الْجُمَعُ وَالْأَعْيَادُ فَإِنَّهَا تُصَلَّى خَلْفَ كُلِّ بَرٍّ وَفَاجِرٍ . وَقَدْ كَانَ أَحْمَدُ يَشْهَدُهَا مَعَ الْمُعْتَزِلَةِ ، وَكَذَلِكَ الْعُلَمَاءُ الَّذِينَ فِي عَصْرِهِ . وَقَدْ رَوَيْنَا أَنَّ رَجُلًا جَاءَ مُحَمَّدَ بْنَ النَّضْرِ ، فَقَالَ لَهُ : إنَّ لِي جِيرَانًا مِنْ أَهْلِ الْأَهْوَاءِ ، لَا يَشْهَدُونَ الْجُمُعَةَ . قَالَ حَسْبُكَ ، مَا تَقُولُ فِي مَنْ رَدَّ عَلَى أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ ؟ قَالَ : رَجُلُ سَوْءٍ . قَالَ : فَإِنْ رَدَّ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ قَالَ : يُكَفَّرُ . قَالَ : فَإِنْ رَدَّ عَلَى الْعَلِيِّ الْأَعْلَى ؟ ثَمَّ غُشِيَ عَلَيْهِ ، ثُمَّ أَفَاقَ ، فَقَالَ : رَدُّوا عَلَيْهِ وَاَلَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ فَإِنَّهُ قَالَ : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ } وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّ بَنِي الْعَبَّاسِ سَيَلُونَهَا . وَلِأَنَّ هَذِهِ الصَّلَاةَ مِنْ شَعَائِرِ الْإِسْلَامِ الظَّاهِرَةِ ; وَتَلِيهَا الْأَئِمَّةُ دُونَ غَيْرِهِمْ ، فَتَرْكُهَا خَلْفَهُمْ يُفْضِي إلَى تَرْكِهَا بِالْكُلِّيَّةِ . إذَا ثَبَتَ هَذَا فَإِنَّهَا تُعَادُ خَلْفَ مَنْ يُعَادُ خَلْفَهُ غَيْرُهَا . قَالَ أَحْمَدُ : أَمَّا الْجُمُعَةُ فَيَنْبَغِي شُهُودُهَا ، فَإِنْ كَانَ الَّذِي يُصَلِّي مِنْهُمْ أَعَادَ . وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ : مَنْ أَعَادَهَا فَهُوَ مُبْتَدِعٌ . وَهَذَا يَدُلُّ بِعُمُومِهِ عَلَى أَنَّهَا لَا تُعَادُ خَلْفَ فَاسِقٍ وَلَا مُبْتَدِعٍ ; لِأَنَّهَا صَلَاةٌ أُمِرَ بِهَا ، فَلَمْ تَجِبْ إعَادَتُهَا كَسَائِرِ الصَّلَوَاتِ . ( 1123 ) فَصْلٌ : فَإِنْ كَانَ الْمُبَاشِرُ لَهَا عَدْلًا ، وَالْمُوَلِّي لَهُ غَيْرَ مَرْضِيِّ الْحَالِ لِبِدْعَتِهِ أَوْ فِسْقِهِ ، لَمْ يُعِدْهَا . نَصَّ عَلَيْهِ . وَقِيلَ لَهُ : إنَّهُمْ يَقُولُونَ إذَا كَانَ الَّذِي وَضَعَهُ يَقُولُ بِقَوْلِهِمْ فَسَدَتْ الصَّلَاةُ . قَالَ : لَسْت أَقُولُ بِهَذَا . وَلِأَنَّ صَلَاتَهُ إنَّمَا تَرْتَبِطُ بِصَلَاةِ إمَامِهِ ، فَلَا يَضُرُّ وُجُودُ مَعْنًى فِي غَيْرِهِ ، كَالْحَدَثِ أَوْ كَوْنِهِ أُمِّيًّا . وَعَنْهُ : تُعَادُ . وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ . ( 1124 ) فَصْلٌ : وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ فِسْقَ إمَامِهِ ، وَلَا بِدْعَتَهُ ، حَتَّى صَلَّى مَعَهُ ، فَإِنَّهُ يُعِيدُ . نَصَّ عَلَيْهِ . وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ : لَا إعَادَةَ عَلَيْهِ ; لِأَنَّ ذَلِكَ مِمَّا يَخْفَى ، فَأَشْبَهَ الْمُحْدِثَ وَالنَّجِسَ . وَالصَّحِيحُ أَنَّ هَذَا يُنْظَرُ فِيهِ ، فَإِنْ كَانَ مِمَّنْ يُخْفِي بِدْعَتَهُ وَفُسُوقَهُ ، صَحَّتْ الصَّلَاةُ خَلْفَهُ ، لِمَا ذَكَرْنَا فِي أَوَّلِ الْمَسْأَلَةِ ، وَإِنْ كَانَ مِمَّنْ يُظْهِرُ ذَلِكَ ، وَجَبَتْ الْإِعَادَةُ خَلْفَهُ ، عَلَى الرِّوَايَةِ الَّتِي تَقُولُ بِوُجُوبِ إعَادَتِهَا خَلْفَ الْمُبْتَدِعِ ; وَلِأَنَّهُ مَعْنًى يَمْنَعُ الِائْتِمَامَ ، فَاسْتَوَى فِيهِ الْعِلْمُ وَعَدَمُهُ ، كَمَا لَوْ كَانَ أُمِّيًّا ، وَالْحَدَثُ وَالنَّجَاسَةُ يُشْتَرَطُ خَفَاؤُهُمَا عَلَى الْإِمَامِ وَالْمَأْمُومِ مَعًا ، وَلَا يَخْفَى عَلَى الْفَاسِقِ فِسْقُ نَفْسِهِ ، وَلِأَنَّ الْإِعَادَةَ إنَّمَا تَجِبُ خَلْفَ مَنْ يُعْلِنُ بِبِدْعَتِهِ ، وَلَيْسَ ذَلِكَ فِي مَظِنَّةِ الْخَفَاءِ ، بِخِلَافِ الْحَدَثِ وَالنَّجَاسَةِ . ( 1125 ) فَصْلٌ : وَإِنْ لَمْ يُعْلَمْ حَالُهُ وَلَمْ يَظْهَرْ مِنْهُ مَا يَمْنَعُ الِائْتِمَامَ بِهِ ، فَصَلَاةُ الْمَأْمُومِ صَحِيحَةٌ . نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ ; لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي الْمُسْلِمِينَ السَّلَامَةُ . وَلَوْ صَلَّى خَلْفَ مَنْ يَشُكُّ فِي إسْلَامِهِ ، فَصَلَاتُهُ صَحِيحَةٌ ; لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ لَا يَتَقَدَّمُ لِلْإِمَامَةِ إلَّا مُسْلِمٌ .

                                                                                                                                            ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                            الخدمات العلمية