الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                            جزء صفحة
                                                                                                                                            ( 5492 ) فَصْلٌ : فَإِنْ شَرَطَ عَلَيْهِ التَّحْلِيلَ قَبْلَ الْعَقْدِ ، وَلَمْ يَذْكُرْهُ فِي الْعَقْدِ وَنَوَاهُ فِي الْعَقْدِ أَوْ نَوَى التَّحْلِيلَ مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ فَالنِّكَاحُ بَاطِلٌ أَيْضًا . قَالَ . إسْمَاعِيلُ بْنُ سَعِيدٍ : سَأَلْت أَحْمَدَ عَنْ الرَّجُلِ يَتَزَوَّجُ الْمَرْأَةَ ، وَفِي نَفْسِهِ أَنْ يُحَلِّلَهَا لِزَوْجِهَا الْأَوَّلِ ، وَلَمْ تَعْلَمْ الْمَرْأَةُ بِذَلِكَ . قَالَ : هُوَ مُحَلِّلٌ ، إذَا أَرَادَ بِذَلِكَ الْإِحْلَالَ ، فَهُوَ مَلْعُونٌ . وَهَذَا ظَاهِرُ قَوْلِ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَوَى نَافِعٌ ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ ، أَنَّ رَجُلًا قَالَ لَهُ : امْرَأَةٌ تَزَوَّجْتُهَا ، أُحِلُّهَا لِزَوْجِهَا ، لَمْ يَأْمُرْنِي ، وَلَمْ يَعْلَمْ . قَالَ : لَا ، إلَّا نِكَاحَ رَغْبَةٍ ، إنْ أَعْجَبَتْك أَمْسِكْهَا ، وَإِنْ كَرِهْتَهَا فَارِقْهَا قَالَ : وَإِنْ كُنَّا نَعُدُّهُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سِفَاحًا . وَقَالَ : لَا يَزَالَانِ زَانِيَيْنِ ، وَإِنْ مَكَثَا عِشْرِينَ سَنَةً ، إذَا عَلِمَ أَنَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُحِلّهَا . وَهَذَا قَوْلُ عُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ . وَجَاءَ رَجُلُ إلَى ابْنِ عَبَّاسٍ ، فَقَالَ لَهُ إنَّ عَمِّي طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثَلَاثًا ، أَيُحِلُّهَا لَهُ رَجُلٌ ؟ قَالَ : مَنْ يُخَادِعْ اللَّهَ يَخْدَعْهُ . وَهَذَا قَوْلُ الْحَسَنِ ، وَالنَّخَعِيُّ ، وَالشَّعْبِيِّ ، وَقَتَادَةَ ، وَبَكْرٍ الْمُزَنِيّ ، وَاللَّيْثِ ، وَمَالِكٍ ، وَالثَّوْرِيِّ ، وَإِسْحَاقَ ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيُّ : الْعَقْدُ صَحِيحٌ . وَذَكَرِ الْقَاضِي فِي صِحَّتِهِ وَجْهًا مِثْلَ قَوْلِهِمَا ; لِأَنَّهُ خَلَا عَنْ شَرْطٍ يُفْسِدُهُ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ نَوَى طَلَاقَهَا لِغَيْرِ الْإِحْلَالِ ، أَوْ مَا لَوْ نَوَتْ الْمَرْأَةُ ذَلِكَ ، وَلِأَنَّ الْعَقْدَ إنَّمَا يَبْطُلُ بِمَا شُرِطَ لَا بِمَا قُصِدَ ، بِدَلِيلِ مَا لَوْ اشْتَرَى عَبْدًا فَشَرَطَ أَنْ يَبِيعَهُ ، لَمْ يَصِحَّ ، وَلَوْ نَوَى ذَلِكَ ، لَمْ يَبْطُلُ وَلِأَنَّهُ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، مَا يَدُلُّ عَلَى إجَازَتِهِ . وَرَوَى أَبُو حَفْصٍ ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ ، قَالَ : قَدِمَ مَكَّةَ رَجُلٌ ، وَمَعَهُ إخْوَةٌ لَهُ صِغَارٌ ، وَعَلَيْهِ إزَارٌ ، مِنْ بَيْنَ يَدَيْهِ رُقْعَةٌ ، وَمِنْ خَلْفِهِ رُقْعَةٌ ، فَسَأَلَ عُمَرَ ، فَلَمْ يُعْطِهِ شَيْئًا ، فَبَيْنَمَا هُوَ كَذَلِكَ إذْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنَ رَجُلٍ مِنْ قُرَيْشٍ وَبَيْنَ امْرَأَتِهِ فَطَلَّقَهَا ، فَقَالَ لَهَا : هَلْ لَك أَنْ تُعْطِيَ ذَا الرُّقْعَتَيْنِ شَيْئًا ، وَيُحِلُّك لِي ؟ قَالَتْ : نَعَمْ إنْ شِئْت فَأَخْبَرُوهُ بِذَلِكَ . قَالَ : نَعَمْ ، وَتَزَوَّجَهَا ، وَدَخَلَ بِهَا . فَلَمَّا أَصْبَحَتْ أَدْخَلَتْ إخْوَتَهُ الدَّارَ . فَجَاءَ الْقُرَشِيُّ يَحُومُ حَوْلَ الدَّارِ ، وَيَقُولُ : يَا وَيْلَهُ ، غُلِبَ عَلَى امْرَأَتِهِ ، فَأَتَى عُمَرَ ، فَقَالَ : يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ، غُلِبْت عَلَى امْرَأَتِي . قَالَ : مَنْ غَلَبَك ؟ قَالَ : ذُو الرُّقْعَتَيْنِ . قَالَ : أَرْسِلُوا إلَيْهِ . فَلَمَّا جَاءَ الرَّسُولُ ، قَالَتْ لَهُ الْمَرْأَةُ : كَيْفَ مَوْضِعُك مِنْ قَوْمِك ؟ قَالَ : لَيْسَ بِمَوْضِعِي بَأْسٌ . قَالَتْ : إنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ يَقُولُ لَك : طَلِّقْ امْرَأَتَك . فَقُلْ : لَا ، وَاَللَّهِ لَا أُطَلِّقُهَا . فَإِنَّهُ لَا يُكْرِهُك . وَأَلْبَسَتْهُ حُلَّةً ، فَلَمَّا رَآهُ عُمَرُ مِنْ بَعِيدٍ قَالَ : الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي رَزَقَ ذَا الرُّقْعَتَيْنِ . فَدَخَلَ عَلَيْهِ ، فَقَالَ : أَتُطَلِّقُ امْرَأَتَك ؟ قَالَ : لَا ، وَاَللَّهِ لَا أُطَلِّقُهَا . قَالَ عُمَرُ : لَوْ طَلَّقْتَهَا لَأَوْجَعْت رَأْسَك بِالسَّوْطِ . وَرَوَاهُ سَعِيدٌ ، عَنْ هُشَيْمٍ ، عَنْ يُونُسَ بْنِ عُبَيْدٍ ، عَنْ ابْنِ سِيرِينَ نَحْوًا مِنْ هَذَا ، وَقَالَ : مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ . وَهَذَا قَدْ تَقَدَّمَ فِيهِ الشَّرْطُ عَلَى الْعَقْدِ ، وَلَمْ يَرَ بِهِ عُمَرُ بَأْسًا وَلَنَا قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { لَعَنَ اللَّهُ الْمُحَلِّلَ وَالْمُحَلَّلَ لَهُ } . وَقَوْلُ مَنْ سَمَّيْنَا مِنْ الصَّحَابَةِ ، وَلَا مُخَالِفَ لَهُمْ ، فَيَكُونُ إجْمَاعًا ، وَلِأَنَّهُ قَصَدَ بِهِ التَّحْلِيلَ ، فَلَمْ يَصِحَّ ، كَمَا لَوْ شَرَطَهُ . أَمَّا حَدِيثُ ذِي الرُّقْعَتَيْنِ ، فَقَالَ أَحْمَدُ : لَيْسَ لَهُ إسْنَادٌ ، يَعْنِي أَنَّ ابْنَ سِيرِينَ لَمْ يَذْكُرْ إسْنَادَهُ إلَى عُمَرَ . وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ : هُوَ مُرْسَلٌ . فَأَيْنَ هُوَ مِنْ الَّذِي سَمِعُوهُ يَخْطُبُ بِهِ عَلَى الْمِنْبَرِ : لَا أُوتَى بِمُحَلِّلٍ وَلَا مُحَلَّلٍ لَهُ إلَّا رَجَمْتُهُمَا . وَلِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ أَنَّ ذَا الرُّقْعَتَيْنِ قَصَدَ التَّحْلِيلَ ، وَلَا نَوَاهُ ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ ، لَمْ يَتَنَاوَلْ مَحَلَّ النِّزَاعِ .

                                                                                                                                            ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                            الخدمات العلمية