الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
جزء صفحة
خَبَرُ ابْنِ جَامِعٍ فِي مَجْلِسِ الرَّشِيدِ حَدَّثَنَا أَبُو النَّضْرِ الْعُقَيْلِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ نُعَيْمٍ الْكَاتِبُ ، قَالَ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ ضَوْءٍ التَّيْمِيُّ قَالَ سَمِعْتُ إِسْمَاعِيلَ بْنَ جَامِعٍ السَّهْمِيَّ يَقُولُ : ضَمَّنِي الدَّهْرُ ضَمًّا شَدِيدًا بِمَكَّةَ ، فَانْتَقَلْتُ مِنْهَا بِعِيَالِي إِلَى الْمَدِينَةِ ، فَأَصْبَحْتُ يَوْمًا لَا أَمْلِكُ إِلَّا ثَلَاثَةَ دَرَاهِمَ ، فَخَرَجْتُ وَهِيَ فِي كُمِّي ، فَإِذَا بِجَارِيَةٍ حُمَيْرَاءَ عَلَى رَقَبَتِهَا جَرَّةٌ تُرِيدُ الرَّكِيَّ ، تَمْشِي بَيْنَ يَدَيَّ وَتَتَرَنَّمُ بِصَوْتٍ شَجِيٍّ تَقُولُ فِيهِ : شَكَوْنَا إِلَى أَحْبَابِنَا طُولَ لَيْلِنَا فَقَالُوا لَنَا مَا أَقْصَرَ اللَّيْلَ عِنْدَنَا وَذَلِكَ أَنَّ النَّوْمَ يَغْشَى عُيُونَهُمْ سِرَاعًا وَمَا يَغْشَى لَنَا النَّوْمُ أَعْيُنًا إِذْ مَا دَنَا اللَّيْلُ الْمُضِرُّ بِذِي الْهَوَى جَزِعْنَا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ إِذَا دَنَا فَلَوْ أَنَّهُمْ كَانُوا يُلَاقُونَ مِثْلَ مَا نُلَاقِي لَكَانُوا فِي الْمَضَاجِعِ مِثْلنَا فَوَ اللَّهِ مَا دَارَ لِي مِنْهُ حَرْفٌ وَاحِدٌ فَقُلْتُ لَهَا : يَا جَارِيَةُ مَا أَدْرِي أَوَجْهُكِ أَحْسَنُ أَمْ صَوْتُكِ أَمْ جِرْمُكِ ، فَإِنْ شِئْتِ أَعَدْتِهِ عَلَيَّ ، فَقَالَتْ : حُبًّا وَكَرَامَةً ، ثُمَّ أَسْنَدَتْ ظَهْرَهَا إِلَى جِدَارٍ كَانَ بِالْقُرْبِ مِنْهَا وَرَفَعَتْ إِحْدَى رِجْلَيْهَا فَوَضَعَتْهَا عَلَى رُكْبَتِهَا وَحَطَّتِ الْجَرَّةَ فَوَضَعَتْهَا عَلَى سَاقِهَا وَانْدَفَعَتْ تُغَنِّي بِأَحْسَنِ صَوْتٍ ، فَوَ اللَّهِ مَا دَارَ لِي مِنْهُ حَرْفٌ وَاحِدٌ ، فَقُلْتُ لَهَا : لَقَدْ أَحْسَنْتِ وَتَفَضَّلْتِ فَلَوْ شِئْتِ أَعَدْتِهِ مَرَّةً أُخْرَى ، فَقَطَّبَتْ وَكَلَحَتْ وَقَالَتْ : مَا أَعْجَبَ هَذَا ، أَحَدُكُمْ يَجِيءُ إِلَى الْجَارِيَةِ عَلَيْهَا ضَرِيبَةٌ فَيَقُولُ لَهَا : أَعِيدِي مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى فَضَرَبْتُ يَدِي إِلَى الثَّلَاثَةِ الدَّرَاهِمِ فَدَفَعْتُهَا إِلَيْهَا وَقُلْتُ لَهَا : أَقِيمِي بِهَذَا وَجْهَكِ الْيَوْمَ إِلَى أَنْ نَلْتَقِيَ ، فَأَخَذَتْهَا شِبْهَ الْمُتَكَرِّهَةِ ثُمَّ قَالَتْ : الْآنَ تُرِيدُ أَنْ تَأْخُذَ عَنِّي صَوْتًا أَحْسَبُكَ تَأْخُذُ عَلَيْهِ أَلْفَ دِينَارٍ ، وَأَلْفَ دِينَارٍ وَأَلْفَ دِينَارٍ ، ثُمَّ انْبَعَثَتْ تُغَنِّي وَأَعْمَلْتُ فِكْرِي فِي غِنَائِهَا فَدَارَ لِي الصَّوْتُ وَفَهِمْتُهُ ، وَانْصَرَفْتُ بِهِ مَسْرُورًا إِلَى مَنْزِلِي الْمُكَارِي عَلَى بَابِ الْمُحَوِّلِ ، فَدَخَلْتُ لَا أَدْرِي أَيْنَ أَتَوَجَّهُ وَلَا مَنْ أَقْصِدُ ، وَانْتَهَى بِي النَّاسُ إِلَى الْجِسْرِ ، فَعَبَرْتُ فِي مَنْ عَبَرَ حَتَّى انْتَهَوْا بِي إِلَى شَارِعِ الْمَيْدَانِ عِنْدَ دَارِ الْفَضْلِ بْنِ الرَّبِيعِ ، فَرَأَيْتُ هُنَاكَ مَسْجِدًا مُرْتَفِعًا فَقُلْتُ : هَذَا مَسْجِدُ قَوْمٍ سَرَاةٍ ، وَحَضَرَتِ الْمَغْرِبُ فَصَعِدْتُ الْمَسْجِدَ فَمَا لَبِثْتُ أَنْ جَاءَ الْمُؤَذِّنَ فَأَذَّنَ وَأَقَامَ وَصَلَّيْتُ ، وَانْصَرَفَ النَّاسُ وَأَقَمْتُ مَكَانِي إِلَى أَنْ رَجَعَ الْمُؤَذِّنُ فَأَذَّنَ وَأَقَامَ ، وَصَلَّيْتُ وَانْصَرَفَ النَّاسُ وَأَقَمْتُ مَكَانِي إِلَى أَنْ رَجَعَ الْمُؤَذِّنُ فَأَذَّنَ وَأَقَامَ ، وَصَلَّيْتُ مَعَ النَّاسِ عَلَى تَعَبٍ وَجُوعٍ ، وَانْصَرَفَ النَّاسُ وَبَقِيَ رَجُلٌ يُصَلِّي مَلِيًّا وَخَلْفَهُ جَمَاعَةٌ مِنَ الْخَدَمِ وَالْفُحُولَةِ يَنْتَظِرُونَهُ ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ صَلَاتِهِ انْصَرَفَ إِلَيَّ بِبَدَنِهِ كُلِّهِ فَقَالَ : أَحْسَبُكَ غَرِيبًا ، قُلْتُ : أَجَلْ ، قَالَ : مَتَى كُنْتَ بِهَذِهِ الْمَدِينَةِ؟ قُلْتُ : آنِفًا دَخَلْتُهَا ، وَلَيْسَ لِي بِهَا مَعْرِفَةٌ ، وَلَيْسَتْ صِنَاعَتِي مِنَ الصَّنَائِعِ الَّتِي يُمَتُّ بِهَا إِلَى أَهْلِ الْخَيْرِ ، قَالَ : وَمَا صِنَاعَتُكَ؟ قُلْتُ : الْغِنَاءُ ، فَوَثَبَ مُبَادِرًا وَوَكَلَ بِي رَجُلًا ، فَقُلْتُ لِلْمُوَكَّلِ بِي : مَنْ هَذَا؟ قَالَ : أَوَمَا تَعْرِفُهُ؟ هَذَا سَلَامٌ الْأَبْرَشُ قَالَ : وَإِذَا رَسُولٌ قَدْ جَاءَ فِي طَلَبِي ثُمَّ مَشَيْنَا حَتَّى انْتَهَى بِي إِلَى قَصْرٍ مِنْ قُصُورِ الْخِلَافَةِ وَجَعَلَ يُجَاوِزُ بِي مَقْصُورَةً بَعْدَ مَقْصُورَةٍ إِلَى أَنْ دَخَلْنَا مَقْصُورَةً فِي آخِرِ الدِّهْلِيزِ ، فَدَعَا لِي بِالطَّعَامِ ، فَأُتِيتُ بِمَائِدَةٍ عَلَيْهَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ ، فَأَقْبَلْتُ عَلَى أَكْلِي حَتَّى تَرَاجَعْتُ إِلَى نَفْسِي ، وَسَمِعْتُ رَكْضًا فِي الدِّهْلِيزِ ، فَإِذَا إِنْسَانٌ يَقُولُ : أَيْنَ الرَّجُلُ ، أَيْنَ الرَّجُلُ؟ فَقِيلَ : هَا هُوَ ذَا ، فَقَالَ يُدْعَى لَهُ بِغَسُولٍ وَطِيبٍ وَخُلْعَةٍ ، فَغَلِّفْتُ وَخُلِعَ عَلَيَّ وَأَخَذَ الرَّجُلُ بِيَدِي فَحَمَلَنِي عَلَى دَابَّةٍ وَأَتَى بِي مَنْزِلَ الْخَلِيفَةِ فَاسْتَدْلَلْتُ عَلَى ذَلِكَ بِالْحَرَسِ وَالتَّكْبِيرِ وَالنِّيرَانِ ، فَمَا زَالَ يُدْخِلُنِي مِنْ دَارٍ إِلَى دَارٍ إِلَى أَنْ دَخَلْتُ إِلَى دَارٍ قَوْرَاءَ وَإِذَا فِيهَا أُسْرَةٌ مُضَافٌ بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ ، فَلَمَّا انْتَهَيْتُ إِلَى الْأُسْرَةِ أَمَرَنِي بِالصُّعُودِ فَصَعِدْتُ ، وَإِذَا رَجُلٌ جَالِسٌ عَلَى يَمِينِهِ ثَلَاثُ جَوَارٍ فِي حُجُورِهِنَّ الْعِيدَانُ ، وَإِذَا فِي حِجْرِ الرَّجُلِ عُودٌ فَسَلَّمْتُ فَرَحَّبَ بِي وَأَمَرَنِي بِالْجُلُوسِ فَجَلَسْتُ ، وَإِذَا مَجَالِسُ خَالِيَةٌ قَدْ كَانَ فِيهَا قَوْمٌ فَقَامُوا عَنْهَا ، فَمَا لَبِثْتُ أَنْ خَرَجَ خَادِمٌ مِنْ وَرَاءِ السِّتْرِ فَقَالَ لِلرَّجُلِ : تُغْنِّهْ ، فَانْدَفَعَ يُغَنِّي بِصَوْتٍ لِي يَقُولُ فِيهِ : لَمْ تَمْشِ مَيْلًا وَلَمْ تَرْكَبْ عَلَى جَمَلِ وَلَمْ تَرَ الشَّمْسَ إِلَّا دُونَهَا الْكَلَلِ تَمْشِي الْهُوَيْنَا كَأَنَّ الشَّوْكَ يَحْبِسُهَا مَشْيَ الْيَعَافِيرِ فِي جَيْئَاتِهَا الْوَجِلِ فَوَ اللَّهِ مَا أَحْسَنَ الْغِنَاءَ ، وَلَقَدْ غَنَّى بِغَيْرِ إِصَابَةٍ وَأَوْتَارٍ مُتَنَافِرَةٍ وَدَسَاتِينَ مُخْتَلِفَةٍ ، ثُمَّ عَادَ ذَلِكَ الْخَادِمُ إِلَى الْجَارِيَةِ الَّتِي تَلِي الرَّجُلَ فَقَالَ لَهَا : تُغَنِّي فَانْبَعَثَتْ تُغَنِّي بِصَوْتٍ لِي كَانَتْ فِيهِ أَحْسَنَ حَالًا مِنَ الرَّجُلِ تَقُولُ فِيهِ : يَا دَارُ أَضْحَتْ خَلَاءً لَا أَنِيسَ بِهَا إِلَّا الظِّبَاءَ وَإِلَّا النَّاشِطَ الْفَرْدْ أَيْنَ الَّذِينَ إِذَا مَا زُرْتُهُمْ جَذَلُوا وَطَارَ عَنْ قَلْبِي التَّشْوَاقُ وَالْكَمَدْ ثُمَّ عَادَ الْخَادِمُ إِلَى الْجَارِيَةِ الثَّانِيَةِ فَقَالَ لَهَا : تُغَنِّي فَانْبَعَثَتْ تُغَنِّي بِصَوْتِ حَكَمِ الْوَادِي تَقُولُ فِيهِ : فَوَ اللَّهِ مَا أَدْرِي أَيَغْلِبُنِي الْهَوَى إِذَا جَدَّ وَشَكَّ الْبَيْنُ أَمْ أَنَا غَالِبُهُ فَإِنْ أَسْتَطِعْ أَغْلِبْ وَإِنْ يَغْلِبِ الْهَوَى فَفِي دُونِ مَا لَاقَيْتُ يَغْلِبُ صَاحِبُهُ ثُمَّ عَادَ الْخَادِمُ إِلَى الْجَارِيَةِ الثَّالِثَةِ فَقَالَ لَهَا : تُغَنِّي فَغَنَّتْ بِصَوْتٍ لِحَنِينٍ تَقُولُ فِيهِ : مَرَرْنَا عَلَى قَيْسِيَّةٍ عَامِرِيَّةٍ لَهَا بَشَرٌ صَافِي الْأَدِيمِ هَجَانِ فَقَالَتْ وَأَلْقَتْ جَانِبَ السِّجْفِ دُونَهَا مِنْ آيَةِ حَيٍّ أَوْ مِنَ الرَّجُلَانِ فَقُلْتُ لَهَا أَمَّا تَمِيمٌ فَأُسْرَتِي هَدَيْتِ وَأَمَّا صَاحِبِي فَيَمَانِي رَفِيقَانِ ضَمَّ السَّفَرُ بَيْنِي وَبَيْنَهُ وَقَدْ يَلْتَقِي الشَّتَّى فَيَأْتَلِفَانِ قَالَ فَعَادَ الْخَادِمُ إِلَى الرَّجُلِ فَقَالَ لَهُ : تُغَنِّهْ ، فَغَنَّى بِصَوْتٍ لِي شِبْهٌ فِيهِ ، وَالشِّعْرُ لِعُمَرَ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ الْغِنَاءُ لِلْغَرِيضِ يَقُولُ فِيهِ : أَمْسِ بِأَسْمَاءِ هَذَا الْقَلْبِ مَعْمُودًا إِذَا أَقُولُ صَحَا يَعْتَادُهُ عِيدًا كَأَنَّ أَحْوَرَ مِنْ غِزْلَانٍ شَيْهَمَةٍ أَعَارَهَا شَبَهًا خَدَّيْهِ وَالْجِيدَا قَامَتْ تَرَاءَى وَقَدْ جَدَّ الرَّحِيلُ بِنَا لِتَنْكَأَ الْقُرْحَ مِنْ قَلْبٍ قَدِ اصْطَلَدَا بِمَشْرِقٍ كَشُعَاعِ الشَّمْسِ بَهْجَتُهُ وَمُسْبَكِرٍ عَلَى لِبَاتِهَا سُودًا ثُمَّ عَادَ الْخَادِمُ إِلَى الْجَارِيَةِ الَّتِي تَلِيهِ فَقَالَ لَهَا : تُغَنِّي ، فَغَنَّتْ بِصَوْتٍ لِحَكَمِ الْوَادِي يَقُولُ فِيهِ : تُعِيرُنَا أَنَا قِيلَ عَدِيدَنَا فَقُلْتُ لَهَا إِنَّ الْكِرَامَ قَلِيلُ وَمَا ضَرَّنَا أَنَا قَلِيلٌ وَجَارَنَا عَزِيزٌ وَجَارُ الْأَكْثَرِينَ ذَلِيلُ وَإِنَّا لَقَوْمٌ مَا نَرَى الْقَتْلَ سُبَّةً إِذَا كَرِهَتْهُ عَامِرٌ وَسَلُولُ يُقَرِّبُ حُبُّ الْمَوْتِ آجَالَنَا لَنَا وَتَكْرَهُهُ آجَالُهُمْ فَتَطُولُ وَتَغَنَّتِ الْجَارِيَةُ الثَّانِيَةُ عِنْدَ قَوْلِ الْخَادِمِ لَهَا تُغَنِّي : وَدِدْتُكَ لَمَّا كَانَ وُدُّكَ خَالِصًا وَأَعْرَضْتُ لَمَّا صَارَ نَهْبًا مُقَسَّمًا وَلَنْ يَلْبَثَ الْحَوْضُ الْوَثِيقُ بِنَاءَهُ إِذَا كَثُرَ الْوُرَّادُ أَنْ يَتَهَدَّمَا وَتَغَنَّتِ الثَّالِثَةُ بِشِعْرِ الْخَنْسَاءِ بِنْتِ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ فِي أَخِيهَا صَخْرٍ : وَمَا كَرَّ إِلَّا كَانَ أَوَّلَ طَاعِنٍ وَلَا أَبْصَرَتْهُ الْعَيْنُ إِلَّا اقْشَعَرَّتْ فَيُدْرِكُ ثَأْرًا ثُمَّ لَمْ يَخُطَّهُ الْغِنَى فَمَثُلَ أَخِي يَوْمًا بِهِ الْعَيْنُ قَرَّتْ وَإِنْ طَلَبُوا وَتَرًا بَدَا بِتَرَاتِهِمْ وَيَضْرِبُهُمْ شَزْرًا إِذَا الْخَيْلُ وَلَّتْ فَلَسْتُ أُرْزَأُ بَعْدَهُ بِرَزِيَّةٍ فَأَذْكُرُهُ إِلَّا سَلَّتْ وَتَجَلَّتْ وَكَانَ غِنَاءُ الرَّجُلِ فِي الدَّوْرِ الثَّالِثِ : لَحَّا اللَّهُ صُعْلُوكًا يَبِيتُ وَهَمُّهُ مِنَ الدَّهْرِ أَنْ يَلْقَى لَبُوسًا وَمَطْعَمَا يَنَامُ الضُّحَى حَتَّى إِذَا نَوْمُهُ اسْتَوَى تَنَبَّهَ مَسْلُوبَ الْفُؤَادِ مُوَرَّمَا وَلَكِنَّ صُعْلُوكًا يُسَاوِرُ هَمَّهُ وَيَمْشِي عَلَى الْهَيْجَاءِ لَيْثًا مُصَمِّمَا فَذَلِكَ إِنْ يَلْقَ الْمَنِيَّةَ تَلْقَهُ كَرِيمًا وَإِنْ يَسْتَغْنِ يَوْمًا فَرُبَّمَا وَكَانَ غِنَاءُ الْجَارِيَةِ فِي الدَّوْرِ الثَّالِثِ بِشِعْرٍ لِحَاتِمٍ يَقُولُ فِيهِ : إِذَا كُنْتَ رَبًّا لِلْقَلُوصِ فَلَا تَدَعْ رَفِيقَكَ بِمَشْيٍ خَلْفَهَا غَيْرَ رَاكِبِ أَنِخْهَا فَأَرْدَفَهُ فَإِنَّ حَمَلْتُكُمَا فَذَاكَ وَإِنْ كَانَ الْعِقَابُ فَعَاقِبِ وَكَانَ غِنَاءُ الْجَارِيَةِ الثَّانِيَةِ فِي الدَّوْرِ بِشِعْرِ عَمْرِو بْنِ مَعْدِي كَرِبَ : أَلَمْ تَرَ لَمَّا ضَمَّنِي الْبَلَدُ الْقَفْرُ سَمِعْتُ نِدَاءً يُصَدِّعُ الْقَلْبَ يَا عَمْرُو أَغِثْنَا فَإِنَّا مَعْشَرٌ مُذْحِجِيَّةٌ نِزَارٌ عَلَى وَفْرٍ وَلَيْسَ لَنَا وَفْرُ وَكَانَ غِنَاءُ الثَّالِثَةِ بِشِعْرٍ لِعُمَرَ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ وَالْغِنَاءُ فِيهِ لِلْغَرِيضِ : فَلَمَّا تَلَاقَيْنَا وَسَلَّمَتْ أَشْرَقَتْ وُجُوهٌ زَهَاهَا الْحُسْنُ أَنْ تَتَقَنَّعَا تَبَالَهْنَ بِالْعِرْفَانِ لَمَّا رَأَيْنَنِي وَقُلْنَ امْرُؤٌ بَاغٍ أَكَلَ وَأَوْضَعَا فَلَمَّا تَوَاضَعْنَا الْأَحَادِيثَ قُلْنَ لِي أَخِفْتَ عَلَيْنَا أَنْ نُغَرَّ وَنُخْدَعَا قَالَ فَقُلْتُ فِي نَفْسِي : أَيَّ شَيْءٍ أَنْتَظِرُ؟ يَجِيءُ الْخَادِمُ السَّاعَةَ يُطَالِبُنِي بِمِثْلِ مَا طَالَبَ بِهِ أَصْحَابِي ، فَقُلْتُ لِلرَّجُلِ : بِأَبِي أَنْتَ خُذِ الْعُودَ إِلَيْكَ وَشُدَّ وَتَرَ كَذَا وَارْفَعِ الطَّبَقَةَ وَغَيِّرْ وَتَرَ كَذَا وَحُطَّ دِسَتَانَ كَذَا ، فَعَلِمَ مَا أُرِيدُ فَوَزَنَهُ ، فَلَمْ أَلْبَثْ أَنْ خَرَجَ الْخَادِمُ فَقَالَ لِي تُغَنِّهِ ، عَافَاكَ اللَّهُ ، فَانْبَعَثْتُ أُغَنِّي بِصَوْتِ الرَّجُلِ الْأَوَّلِ عَلَى غَيْرِ مَا غَنَّى بِهِ فَإِذَا بِنَحْوٍ مَنْ خَمْسِينَ أَوْ سِتِّينَ خَادِمًا يَحْضُرُونَ حَتَّى اسْتَنَدُوا إِلَى الْأَسِرَّةِ ثُمَّ قَالُوا : وَيْحَكَ لِمَنْ هَذَا الْغِنَاءُ؟ قُلْتُ : لِي ، فَانْصَرَفُوا عَنِّي بِتِلْكَ السُّرْعَةِ ، فَخَرَجَ إِلَيَّ الْخَادِمُ فَقَالَ : كَذَبْتَ هَذَا الْغِنَاءُ لِابْنِ جَامِعٍ ، فَسَكَتَ ، وَدَارَ الدَّوْرُ فَلَمَّا انْتَهَى إِلَيَّ خَرَجَ الْخَادِمُ فَقَالَ تُغَنِّهْ ، فَقُلْتُ لِلْجَارِيَةِ الَّتِي تَلِي الرَّجُلَ : خُذِي الْعُودَ فَانْبَعَثْتُ أُغَنِّي صَوْتَهَا ، فَخَرَجَتِ الْجَمَاعَةُ مِنَ الْخَدَمِ فَقَالُوا : وَيْحَكَ لِمَنْ هَذَا؟ فَقُلْتُ : لِي ، فَمَضَوْا وَرَجَعَ الْخَادِمُ فَقَالَ لِي : كَذَبْتَ ، هَذَا لِابْنِ جَامِعٍ . فَأَمْسَكْتُ عَنْهُ وَدَارَ الدَّوْرُ ، فَلَمَّا بَلَغَ إِلَيَّ خَرَجَ الْخَادِمُ فَقَالَ : تُغَنِّهِ ، فَقُلْتُ فِي نَفْسِي ، وَقَدْ شَرِبْتُ وَقَوِيَتْ مِنَّتِي : مَا أَنْتَظِرُ؟ فَانْدَفَعْتُ أُغَنِّي بِصَوْتٍ لَا يُعْرَفُ إِلَّا بِي : عُوجِي عَلَيَّ فَسَلِّمِي جَبْرٌ فِيمَ الْوُقُوفُ وَأَنْتُمْ سُفْرُ مَا نَلْتَقِي إِلَّا ثَلَاثَ مُنَى حَتَّى يُفَرِّقَ بَيْنَنَا النَّفَرُ قَالَ : فَتَزَلْزَلَتْ وَاللَّهِ عَلَيْهِمُ الدَّارُ ، وَخَرَجَ الْخَادِمُ فَقَالَ : وَيْحَكَ ، لِمَنْ هَذَا؟ فَقُلْتُ : لِي ، قَالَ : فَرَجَعُوا فَقَالُوا : هَذَا لِابْنِ جَامِعٍ ، فَقُلْتُ : أَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَامِعٍ ، قَالَ : فَمَا شَعَرْتُ إِلَّا وَأَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ وَجَعْفَرُ بْنُ يَحْيَى قَدْ أَقْبَلَا مِنْ وَرَاءِ السِّتْرِ ، فَلَمَّا صَعِدَا السَّرِيرَ وَثَبْتُ عَلَى قَدَمِي ، فَابْتَدَأَنِي أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ فَقَالَ : ابْنُ جَامِعٍ؟ فَقُلْتُ : ابْنُ جَامِعٍ جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ، قَالَ : وَيْحَكَ مَتَى كُنْتَ فِي هَذِهِ الْمَدِينَةِ؟ قُلْتُ : آنِفًا دَخَلْتُهَا فِي الْوَقْتِ الَّذِي عَلِمَ بِي أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ قَالَ : اجْلِسْ وَيْحَكَ يَا ابْنَ جَامِعٍ ، وَجَلَسَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ وَجَعْفَرُ بْنُ يَحْيَى فِي بَعْضِ تِلْكَ الْمَجَالِسِ وَقَالَ لِي : يَا ابْنَ جَامِعٍ ، أَبْشِرْ وَأَبْسِطْ أَمَلَكَ ، فَدَعَوْتُ لَهُ دَعَوَاتٍ ثُمَّ قَالَ : غَنِّ يَا ابْنَ جَامِعٍ ، قَالَ : فَخَطَرَ بِقَلْبِي صَوْتُ الْجَارِيَةِ الْمَدِينِيَّةِ ، فَقُلْتُ لِلرَّجُلِ : أَصْلِحْ عُودَكَ وَارْفَعْ طَبَقَتَهُ ، قَالَ : فَعَلِمَ مَا أُرِيدُ فَوَزَنَ الْعُودَ وَزْنًا ، وَتَعَهَّدْتُهُ حَتَّى اسْتَقَامَتِ الْأَوْتَارُ وَأَخَذَتِ الدَّسَاتِينُ مَوَاضِعَهَا ، وَانْبَعَثْتُ أُغَنِّي بِصَوْتِ الْجَارِيَةِ الْحُمَيْرَاءِ ، فَنَظَرَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ إِلَى جَعْفَرِ بْنِ يَحْيَى فَقَالَ لَهُ : أَسَمِعْتَ كَذَا قَطُّ؟ قَالَ : لَا وَاللَّهِ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ مَا سَمِعْتُ وَلَا خَرَقَ سَمْعِي مِثْلُهُ قَطُّ ، وَلَا ظَنَنْتُ أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ خَلَقَ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ مِثْلَ مَا أَسْمَعُ ، قَالَ فَرَفَعَ الرَّشِيدُ رَأْسَهُ إِلَى خَادِمٍ بِالْقُرْبِ مِنْهُ فَقَالَ لَهُ : كِيسٌ فِيهِ أَلْفُ دِينَارٍ قَالَ : فَمَضَى الْخَادِمُ فَلَمْ يَلْبَثْ أَنْ عَادَ بِكِيسٍ فِيهِ أَلْفُ دِينَارٍ ، فَصَيَّرْتُهُ تَحْتَ فَخِذِي وَدَعَوْتُ لِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ ، فَقَالَ لِي : يَا ابْنَ جَامِعٍ رُدَّ عَلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ هَذَا الصَّوْتَ ، فَرَدَدْتُهُ وَتَزَيَّدْتُ فِي غَنَائِي وَأَعَانَنِي عَلَى ذَلِكَ اسْتِوَاءُ الْأَوْتَارِ ، قَالَ : فَنَظَرَ جَعْفَرٌ إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ فَقَالَ : يَا سَيِّدِي أَمَا تَسْمَعُهُ كَيْفَ يَتَزَايَدُ فِي الْغِنَاءِ؟ هَذَا خِلَافُ الَّذِي سَمِعْنَا أَوَّلًا ، عَلَى أَنَّ الْأَمْرَ فِيهِ وَاحِدٌ ، قَالَ : فَرَفَعَ الرَّشِيدُ رَأْسَهُ إِلَى الْخَادِمِ فَقَالَ : كِيسٌ فِيهِ أَلْفُ دِينَارٍ ، فَمَضَى الْخَادِمُ وَجَاءَ بِكِيسٍ فِيهِ أَلْفُ دِينَارٍ فَرَمَى بِهِ إِلَيَّ فَصَيَّرْتُهُ تَحْتَ فَخْذِي ، ثُمَّ قَالَ لِي أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ : تَغَنَّ مَا حَضَرَكَ ، فَأَقْبَلْتُ أَقْصِدُ إِلَى الصَّوْتِ بَعْدَ الصَّوْتِ مِمَّا كَانَ يَبْلُغُنِي أَنَّهُ يَشْتَرِي عَلَيْهِ الْجَوَارِيَ فَأُغَنِّيهِ ، فَلَمْ أَزَلْ أَفْعَلُ ذَلِكَ إِلَى أَنْ عَسْعَسَ اللَّيْلُ ، فَقَالَ : يَا إِسْمَاعِيلُ قَدْ أَتْعَبْنَاكَ فِي هَذِهِ اللَّيْلَةِ لِسُرُورِي بِغَنَائِكَ ، فَتُعِيدُ عَلَيَّ الصَّوْتَ الَّذِي تَغَنَّيْتَ بِهِ أَوَّلًا يَعْنِي صَوْتَ الْجَارِيَةِ فَغَنَّيْتُهُ إِيَّاهُ ، فَرَفَعَ رَأْسَهُ إِلَى الْخَادِمِ فَقَالَ : كِيسٌ فِيهِ أَلْفُ دِينَارٍ ، وَذَكَرْتُ قَوْلَ الْجَارِيَةِ : إِنِّي أَحْسَبُكَ تَأْخُذُ عَلَيْهِ أَلْفَ دِينَارٍ وَأَلْفَ دِينَارٍ وَأَلْفَ دِينَارٍ ، فَكَانَ مِنِّي شِبْهُ التَّبَسُّمِ ، وَلَحَظَنِي مِنْ بَيْنِ الشَّمْعِ فَقَالَ لِي : مِمَّ تَبَسَّمْتَ؟ قَالَ : فَجَثَوْتُ عَلَى رُكْبَتَيَّ ثُمَّ قُلْتُ : يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ الصِّدْقُ مَنْجَاةٌ ، فَقَالَ لِي بِانْتِهَارٍ : قُلْ ، فَحَدَّثْتُهُ حَدِيثَ الْجَارِيَةِ فَقَالَ : صَدَقَتْ قَدْ يَكُونُ هَذَا وَأَعْجَبُ مِنْهُ؛ ثُمَّ قَالَ لِي : انْصَرِفْ مُوَدِّعًا ، فَقُمْتُ لَا أَدْرِي إِلَى أَيْنَ أَنْفُذُ ذَلِكَ الْوَقْتَ ، فَمَا هُوَ إِلَّا أَنْ نَزَلْتُ مِنَ الْأَسِرَّةِ حَتَّى وَثَبَ إِلَيَّ غَفِيرَانِ مِنَ الْفَرَّاشِينَ ، فَأَخَذَ أَحَدُهُمَا بِيَدِي الْيُمْنَى وَالْآخَرُ بِالْيُسْرَى وَمَضَيَا بِي لَا أَدْرِي أَيْنَ يَتَوَجَّهَانِ بِي ، حَتَّى وَقَفَا بِي عَلَى بَابِ دَارِي هَذِهِ ، فَإِذَا أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ قَدْ أَمَرَ سَلَامًا فَابْتَاعَ لِي هَذِهِ الدَّارَ وَحَوَّلَ أَهْلَهَا ، وَحُشِيَتْ بِالْفُرُشِ وَالْوَصَائِفِ وَالْوُصَفَاءِ وَالطَّعَامِ وَالشَّرَابِ ، وَدَفَعَ إِلَيَّ أَحَدُهُمَا إِضْبَارَةَ مَفَاتِيحَ وَقَالَ لِي : ادْخُلْ بَارَكَ اللَّهُ لَكَ فِيهَا ، وَهَذَا مِفْتَاحُ بَيْتِ كَذَا ، وَهَذَا مِفْتَاحُ بَيْتِ مَالِكَ ، وَهَذَا مِفْتَاحُ سُبْرَةِ الْجَوَارِي ، وَهَذَا مِفْتَاحُ بَيْتِ فَرْشِكَ وَآنِيَتِكَ ، وَأَوْقِفْنِي عَلَى مَا أَرَدْتَ ، فَأَصْبَحْتُ وَأَنَا مِنْ مَيَاسِيرِ أَهْلِ بَغْدَادَ ، وَدَخَلْتُهَا وَأَنَا أَفْقَرُ أَهْلِهَا ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ . تَعْلِيقَاتٌ عَلَى بَعْضِ مَا جَاءَ فِي هَذَا الْخَبَرِ قَالَ الْقَاضِي رَحِمَهُ اللَّهُ : قَوْلُ الشَّاعِرِ فِي هَذَا الْخَبَرِ الْيَعَافِيرُ الْيَعَافِيرُ جَمْعُ يَعْفُورٍ وَهِيَ الَّتِي يَضْرِبُ لَوْنُهَا إِلَى الْحُمْرَةِ مِنَ الْوَحْشِ ، وَهِيَ الْمُعَفَّرَةُ ، وَيُقَالُ لِلتُّرَابِ أَعْفَرُ كَمَا قَالَ أَبُو كَبِيرٍ الْهُذلِيُّ : يَا لَهْفَ نَفْسِي كَانَ جِدَّةُ خَالِدٍ وَبَيَاضُ وَجْهِكَ لِلتُّرَابِ الْأَعْفَرِ وَقَالَ الشَّاعِرُ : وَبَلْدَةٍ لَيْسَ بِهَا أَنِيسٌ إِلَّا الْيَعَافِيرُ وَإِلَّا الْعِيسُ وَالْعِيسُ : الْبِيضُ . وَقَوْلُهُ فِي الشِّعْرِ الَّذِي يَلِيهِ وَإِلَّا النَّاشِطُ الْفَرْدُ النَّاشِطُ : الثَّوْرُ الْوَحْشِيُّ قَالَ الشَّاعِرُ : وَاسْتَقْبَلَتْ ظُعُنَهُمْ لَمَّا احْزَأَلَّ بِهِمْ مَعَ الضُّحَى نَاشِطٌ مِنْ دَاعِيَاتٍ دَدْ وَقَوْلُ عُمَرَ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ : وَقُلْنَ امْرُؤٌ بَاغٍ أَكَلَ وَأَوْضَعَا الْبَاغِيَ هَاهُنَا طَالَبَ ضَالَّةً وَنَاشَدَهَا؛ أَكَلَ يَعْنِي أَنَّ رِكَابَهُ كَلَّتْ مِنْ سَيْرِهِ عَلَيْهَا وَقَوْلُهُ : أَوَضَعَا يَعْنِي أَنَّهُ أَسْرَعَ بِهَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ وَمِنَ الْإِيضَاعِ قَوْلُ دُرَيْدِ بْنِ الصِّمَّةِ : يَا لَيْتَنِي فِيهَا جِذْعٌ أَخَبُّ فِيهَا وَأَضَعْ الْخَبَبُ وَالْإِيضَاعُ ضَرْبَانِ مِنَ السَّيْرِ السَّرِيعِ . وَقَوْلُ الرَّشِيدِ لِابْنِ جَامِعٍ : أَبْنُ جَامِعٍ وَجْهُ الْكَلَامِ فِيهِ فَتْحُ الْهَمْزَةِ ، وَذَلِكَ أَنَّ الْأَلِفَ فِي ابْنِ جَامِعٍ أَلِفُ وَصْلٍ وَإِنَّمَا جِيءَ بِهَا فِي الْخَبَرِ لِسُكُونِ الْبَاءِ وَأَنَّهُ لَا يَبْدَأُ بِسَاكِنٍ فَإِذَا دَخَلَتْ عَلَيْهَا الْهَمْزَةُ لِلِاسْتِفْهَامِ سَقَطَتْ كَمَا قَالَ ابْنُ قَيْسِ الرُّقَيَّاتِ : فَقَالَتِ ابْنُ قَيْسٍ ذَا وَبَعْضُ الشَّيْبِ يُعْجِبُهَا قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا وَقَالَ عِزَّ ذِكْرُهُ : أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ وَقَدْ رُوِيَ لَنَا بَيْتُ ذِي الرُّمَّةِ عَلَى وَجْهَيْنِ : اسْتُحْدِثَ الرَّكْبُ مِنْ أَشْيَاعِهِمْ خَبَرًا أَمْ رَاجَعَ الْقَلْبَ مِنْ أَطْرَابِهِ طَرَبُ بِالْوَصْلِ وَالْقَطْعِ عَلَى مَا بَيَّنَّا اكْتِفَاءً بِدَلَالَةِ قَوْلِهِ : أَمْ رَاجَعَ الْقَلْبَ مِنْ أَطْرَابِهِ طَرَبُ ، كَمَا قَالَ امْرُؤ الْقَيْسِ : تَرُوحُ مِنَ الْحَيِّ أَمْ تَبْتَكِرْ وَمَاذَا يَضُرُّكَ لَوْ تَنْتَظِرْ وَقَوْلُ ابْنِ جَامِعٍ : إِلَى أَنْ عَسْعَسَ اللَّيْلُ يُقَالُ عَسْعَسَ اللَّيْلُ إِذَا أَقْبَلَ وَعَسْعَسَ إِذْ وَلَّى ، وَقِيلَ هُوَ مِنَ الْأَضْدَادِ ، وَقَالَ اللَّهُ جَلَّ ذِكْرُهُ : وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ قِيلَ فِيهِ الْقَوْلَانِ اللَّذَانِ ذَكَرْنَا ، وَقَالَ الشَّاعِرُ : عَسْعَسَ حَتَّى لَوْ يَشَاءُ ادْنَى كَانَ لَهُ مِنْ ضَوْئِهِ مُقْتَبَسُ قِيلَ فِي قَوْلِهِ : ادْنَى قَوْلَانِ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ افْتَعَلَ مِنَ الدُّنُوِّ ، وَأَصْلُهُ ادْتَنَا ، وَقِيلَ بَلْ هُوَ اذْدَنَا وَأَصْلُهُ أَنْ يُقَطَّعَ فَيُقَالَ : لَوْ يَشَاءُ اذْدِنَا ، وَلَكِنَّهُ تَرَكَ الْهَمْزَ فِي الشِّعْرِ لِإِقَامَةِ وَزْنِهِ ، وَقَدْ جَاءَ مِثْلُهُ فِي الشِّعْرِ كَقَوْلِ الطِّرِمَّاحِ بْنِ حَكِيمٍ : أَلَا أَيُّهَا اللَّيْلُ الطَّوِيلُ أَلَا أَصْبِحْ سَرِيعًا وَمَا الْإِصْبَاحُ فِيكَ بِأَصْلَحِ وَأَصْلُهُ أَلَا أَصْبِحْ لِأَنَّهُ رُبَاعِيٌّ مِنْ أَصْبَحَ يُصْبِحُ ، فَعَلَى هَذَا الْوَجْهِ أَكْثَرُ مَا رُوِيَ فِي هَذَا الْبَيْتِ ، وَقَدْ رَوَاهُ بَعْضُهُمْ أَلَا أَيُّهَا اللَّيْلُ الَّذِي طَالَ أَصْبَحَ فَأَتَى بِهِ عَلَى أَصْلِهِ .

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية