الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                  معلومات الكتاب

                  منهاج السنة النبوية في نقض كلام الشيعة القدرية

                  ابن تيمية - أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني

                  جزء صفحة
                  وَأَمَّا لَفْظُ " الْجِسْمِ " سَبَقَ كَلَامُ ابْنُ تَيْمِيَّةَ عَنْ مَعَانِي الْجِسْمِ 2 \ 134 وَمَا بَعْدَهَا ، 2 \ 198 وَمَا بَعْدَهَا . فَإِنَّ الْجِسْمَ عِنْدَ أَهْلِ اللُّغَةِ كَمَا ذَكَرَهُ الْأَصْمَعِيُّ وَأَبُو زَيْدٍ وَغَيْرُهُمَا هُوَ الْجَسَدُ وَالْبَدَنُ فِي " الصِّحَاحِ " لِلْجَوْهَرِيِّ : " قَالَ أَبُو زَيْدٍ : الْجِسْمُ : الْجَسَدُ ، وَكَذَلِكَ الْجُسْمَانُ وَالْجُثْمَانُ . وَقَالَ الْأَصْمَعِيُّ : الْجِسْمُ وَالْجُسْمَانُ الْجَسَدُ وَالْجُثْمَانُ الشَّخْصُ " . ، وَقَالَ تَعَالَى : وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ [ سُورَةُ الْمُنَافِقُونَ : 4 ] ، وَقَالَ تَعَالَى وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ [ سُورَةُ الْبَقَرَةِ : 247 ] ، فَهُوَ يَدُلُّ فِي اللُّغَةِ عَلَى مَعْنَى الْكَثَافَةِ وَالْغِلَظِ كَلَفْظِ الْجَسَدِ ، ثُمَّ قَدْ يُرَادُ بِهِ نَفْسُ الْغَلِيظِ ، وَقَدْ يُرَادُ بِهِ غِلَظُهُ ، فَيُقَالُ : لِهَذَا الثَّوْبِ جِسْمٌ أَيْ غِلَظٌ وَكَثَافَةٌ ، وَيُقَالُ : هَذَا أَجْسَمُ مِنْ هَذَا أَيْ أَغْلَظُ وَأَكْثَفُ . فِي اللِّسَانِ : " وَرَجُلٌ جُسْمَانِيٌّ وَجُثْمَانِيٌّ إِذَا كَانَ ضَخْمَ الْجُثَّةِ . . وَقَدْ جَسُمَ الشَّيْءُ أَيْ عَظُمَ . . وَالْأَجْسَمُ الْأَضْخَمُ . ثُمَّ صَارَ لَفْظُ " الْجِسْمِ " فِي اصْطِلَاحِ أَهْلِ الْكَلَامِ أَعَمَّ مِنْ ذَلِكَ ، فَيُسَمُّونَ الْهَوَاءَ وَغَيْرَهُ مِنَ الْأُمُورِ اللَّطِيفَةِ ع : مِنَ الْأُمُورِ اللَّفْظِيَّةِ ، وَهُوَ تَحْرِيفٌ . جِسْمًا ، وَإِنْ كَانَتِ الْعَرَبُ لَا تُسَمِّي هَذَا جِسْمًا ، وَبَيْنَهُمْ نِزَاعٌ فِيمَا يُسَمَّى جِسْمًا : هَلْ هُوَ مُرَكَّبٌ مِنَ الْجَوَاهِرِ الْمُنْفَرِدَةِ الَّتِي لَا يَتَمَيَّزُ مِنْهَا شَيْءٌ عَنْ شَيْءٍ : إِمَّا جَوَاهِرُ مُتَنَاهِيَةٌ ( 6 كَمَا يَقُولُهُ أَكْثَرُ الْقَائِلِينَ بِالْجَوْهَرِ الْفَرْدِ ، وَإِمَّا غَيْرُ مُتَنَاهِيَةٍ 6 ) : ( 6 - 6 ) سَاقِطٌ مِنْ ( ب ) ، ( أ ) . كَمَا يَقُولُهُ ت ، أ : كَمَا يَقُولُ . : النَّظَّامُ سَبَقَ الْكَلَامَ عَنِ النَّظَّامِ 1 \ 404 . وَتَكَلَّمَ ابْنُ تَيْمِيَّةَ مِنْ قَبْلُ أَكْثَرَ مِنْ مَرَّةٍ عَنِ الْجَوَاهِرِ الْفَرْدَةِ أَوِ الْأَجْزَاءِ الَّتِي لَا تَتَجَزَّأُ وَنَاقَشَ أَقْوَالَ مُثْبِتِيهَا وَنُفَاتِهَا . انْظُرْ مَثَلًا : 1 \ 414 ، 2 \ 134 - 139 ، 208 - 209 . ، وَالْتَزَمَ الطَّفْرَةَ الْمَعْرُوفَةَ بِطَفْرَةِ النَّظَّامِ أَدَّى إِنْكَارُ النَّظَّامِ لِلْجَوَاهِرِ الْفَرْدَةِ وَقَوْلُهُ بِأَنَّهَا تَتَجَزَّأُ إِلَى مَا لَا نِهَايَةَ إِلَى قَوْلِهِ بِالطَّفْرَةِ ، وَذَلِكَ أَنَّ خُصُومَهُ اعْتَرَضُوا عَلَيْهِ بِقَوْلِهِمْ : إِذَا مَشَتْ نَمْلَةٌ عَلَى صَخْرَةٍ مِنْ طَرَفٍ إِلَى طَرَفٍ فَإِنَّهَا تَكُونُ قَدْ قَطَعَتْ مَا لَا يَتَنَاهَى ، فَكَيْفَ يَقْطَعُ مَا يَتَنَاهَى مَا لَا يَتَنَاهَى ؟ فَقَالَ النَّظَّامُ إِنَّ النَّمْلَةَ تَقْطَعُ بَعْضَ الصَّخْرَةِ بِالْمَشْيِ وَبَعْضَهَا بِالطَّفْرَةِ ، أَيْ إِنَّهَا تَنْتَقِلُ مِنَ الْمَكَانِ الْأَوَّلِ إِلَى الثَّانِي سَيْرًا ثُمَّ تَطْفِرُ مِنَ الْمَكَانِ الثَّانِي إِلَى الرَّابِعِ أَوِ الْخَامِسِ . وَانْظُرِ : الْمَقَالَاتِ لِلْأَشْعَرِيِّ 2 \ 18 - 19 ; الْمِلَلَ وَالنِّحَلَ 1 \ 57 - 58 ; الْفَرْقَ بَيْنَ الْفِرَقِ ، ص 85 ; التَّبْصِيرَ فِي الدِّينِ ، ص 43 ، الدُّكْتُورَ مُحَمَّد عَبْد الْهَادِي أَبُو رِيدَةَ : إِبْرَاهِيمَ بْنَ سَيَّارٍ النَّظَّامَ ; ص 129 - 131 . ، أَوْ هُوَ مُرَكَّبٌ مِنَ الْمَادَّةِ وَالصُّورَةِ كَمَا يَقُولُهُ مَنْ يَقُولُهُ مِنَ الْمُتَفَلْسِفَةِ ، أَوْ لَيْسَ مُرَكَّبًا لَا مِنْ هَذَا وَلَا مِنْ هَذَا كَمَا يَقُولُهُ أَكْثَرُ النَّاسِ ، وَهُوَ قَوْلُ الْهِشَامِيَّةِ وَالْكُلَّابِيَّةِ بَعْدَ كَلِمَةِ " وَالْكُلَّابِيَّةِ " فِي ( ع ) : وَالنَّصْرِيَّةِ ، وَرَجَّحْتُ أَنْ تَكُونَ زِيَادَةً مِنَ النَّاسِخِ ، وَانْظُرْ مَا سَبَقَ 2 \ 137 . وَالنَّجَّارِيَّةِ وَالضِّرَارِيَّةِ وَكَثِيرٍ مِنَ الْكَرَّامِيَّةِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ ، وَكَثِيرٌ مِنَ الْكُتُبِ لَيْسَ فِيهَا إِلَّا الْقَوْلَانِ الْأَوَّلَانِ . وَالصَّوَابُ أَنَّهُ لَيْسَ مُرَكَّبًا لَا مِنْ هَذَا وَلَا مِنْ هَذَا ، كَمَا قَدْ بُسِطَ فِي مَوْضِعِهِ . وَيَنْبَنِي عَلَى هَذَا أَنَّ مَا يُحْدِثُهُ اللَّهُ مِنَ الْحَيَوَانِ ب ، أ : الْحَيَوَانَاتِ . وَالنَّبَاتِ وَالْمَعَادِنِ فَإِنَّهَا أَعْيَانٌ يَخْلُقُهَا اللَّهُ تَعَالَى عَلَى قَوْلِ نُفَاةِ الْجَوْهَرِ الْفَرْدِ ، وَعَلَى قَوْلِ مُثْبِتِيهِ ب ، أ : مُثْبِتَتِهِ . إِنَّمَا يُحْدِثُ أَعْرَاضًا وَصِفَاتٍ ع ، أ : وَصِفَاتًا . ، وَإِلَّا فَالْجَوَاهِرُ بَاقِيَةٌ وَلَكِنِ اخْتَلَفَ تَرْكِيبُهَا ، وَيَنْبَنِي عَلَى ذَلِكَ الِاسْتِحَالَةُ . فَمُثْبِتَةُ الْجَوْهَرِ الْفَرْدِ يَقُولُونَ : لَا تَسْتَحِيلُ حَقِيقَةٌ إِلَى حَقِيقَةٍ أُخْرَى ، وَلَا تَنْقَلِبُ الْأَجْنَاسُ ، بَلِ الْجَوَاهِرُ يُغَيِّرُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ تَرْكِيبَهَا وَهِيَ بَاقِيَةٌ ، وَالْأَكْثَرُونَ يَقُولُونَ بِاسْتِحَالَةِ بَعْضِ الْأَجْسَامِ إِلَى بَعْضٍ ، وَانْقِلَابِ جِنْسٍ إِلَى جِنْسٍ ، وَحَقِيقَةٍ إِلَى حَقِيقَةٍ ، كَمَا تَنْقَلِبُ النُّطْفَةُ إِلَى عَلَقَةٍ ، وَالْعَلَقَةُ ( إِلَى ) مَا بَيْنَ الْقَوْسَيْنِ فِي ( ع ) فَقَطْ . مُضْغَةٍ ، وَالْمُضْغَةُ عِظَامًا ، وَكَمَا يَنْقَلِبُ الطِّينُ الَّذِي خَلَقَ ( اللَّهُ ) مَا بَيْنَ الْقَوْسَيْنِ فِي ( ع ) فَقَطْ . مِنْهُ آدَمَ لَحْمًا وَدَمًا وَعِظَامًا ، وَكَمَا تَنْقَلِبُ الْمَادَّةُ الَّتِي تُخْلَقُ مِنْهَا الْفَاكِهَةُ ثَمَرًا ب ، أ : تَمْرًا . وَنَحْوَ ذَلِكَ ، وَهَذَا قَوْلُ الْفُقَهَاءِ وَالْأَطِبَّاءِ وَأَكْثَرِ الْعُقَلَاءِ . وَكَذَلِكَ يَنْبَنِي عَلَى هَذَا تَمَاثُلُ الْأَجْسَامِ ، فَأُولَئِكَ يَقُولُونَ : الْأَجْسَامُ مُرَكَّبَةٌ مِنَ الْجَوَاهِرِ ، وَهِيَ مُتَمَاثِلَةٌ ، فَالْأَجْسَامُ مُتَمَاثِلَةٌ . وَالْأَكْثَرُونَ يَقُولُونَ : بَلِ الْأَجْسَامُ مُخْتَلِفَةُ الْحَقَائِقِ ، وَلَيْسَتْ حَقِيقَةُ التُّرَابِ حَقِيقَةَ النَّارِ ، وَلَا حَقِيقَةُ النَّارِ حَقِيقَةَ الْهَوَاءِ . وَهَذِهِ الْمَسَائِلُ مَسَائِلُ عَقْلِيَّةٌ لِبَسْطِهَا مَوْضِعٌ آخَرُ ، وَالْمَقْصُودُ هُنَا بَيَانُ مَنْشَأِ النِّزَاعِ فِي مُسَمَّى الْجِسْمِ . وَالنُّظَّارُ كُلُّهُمْ مُتَّفِقُونَ أ : يَخْتَلِفُونَ . - فِيمَا أَعْلَمُ - عَلَى أَنَّ الْجِسْمَ يُشَارُ إِلَيْهِ ، وَإِنِ اخْتَلَفُوا فِي كَوْنِهِ مُرَكَّبًا مِنَ الْأَجْزَاءِ الْمُنْفَرِدَةِ ، أَوْ مِنَ الْمَادَّةِ وَالصُّورَةِ ، أَوْ لَا مِنْ هَذَا وَلَا مِنْ هَذَا . وَقَدْ تَنَازَعَ الْعُقَلَاءُ أَيْضًا : هَلْ يُمْكِنُ وُجُودُ مَوْجُودٍ قَائِمٍ بِنَفْسِهِ لَا يُشَارُ إِلَيْهِ وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يُرَى ، عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ ؛ فَقِيلَ : لَا يُمْكِنُ ذَلِكَ بَلْ هُوَ مُمْتَنِعٌ ، وَقِيلَ : بَلْ هُوَ مُمْتَنِعٌ فِي الْمُحْدَثَاتِ الْمُمْكِنَةِ الَّتِي تَقْبَلُ الْوُجُودَ وَالْعَدَمَ دُونَ الْوَاجِبِ ، وَقِيلَ : بَلْ ذَلِكَ مُمْكِنٌ فِي الْمُمْكِنِ وَالْوَاجِبِ ، وَهَذَا قَوْلُ بَعْضِ الْفَلَاسِفَةِ ( 1 وَمَنْ وَافَقَهُمْ مِنْ أَهْلِ الْمِلَلِ ، 1 ) : ( 1 - 1 ) سَاقِطٌ مِنْ ( ع ) . ( 2 مَا عَلِمْتُ بِهِ قَائِلًا مِنْ أَهْلِ الْمِلَلِ إِلَّا مَنْ أَخَذَهُ عَنْ هَؤُلَاءِ الْفَلَاسِفَةِ 2 ) . : ( 2 - 2 ) سَاقِطٌ مِنْ ( ب ) ، ( أ ) . وَمُثْبِتُو ذَلِكَ يُسَمُّونَهَا الْمُجَرَّدَاتِ وَالْمُفَارَقَاتِ ، وَأَكْثَرُ الْعُقَلَاءِ يَقُولُونَ : إِنَّمَا وُجُودُ هَذِهِ فِي الْأَذْهَانِ لَا فِي الْأَعْيَانِ ، وَإِنَّمَا يَثْبُتُ مِنْ ذَلِكَ وُجُودُ نَفْسِ الْإِنْسَانِ الَّتِي تُفَارِقُ بَدَنَهُ وَتَتَجَرَّدُ عَنْهُ . وَأَمَّا الْمَلَائِكَةُ الَّتِي أَخْبَرَتْ بِهَا الرُّسُلَ فَالْمُتَفَلْسِفَةُ الْمُنْتَسِبُونَ إِلَى الْمُسْلِمِينَ يَقُولُونَ : هِيَ الْعُقُولُ وَالنُّفُوسُ الْمُجَرَّدَاتُ وَهِيَ الْجَوَاهِرُ الْعَقْلِيَّةُ .

                  ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                  الخدمات العلمية