الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
معلومات الكتاب

لوامع الأنوار البهية وسواطع الأسرار الأثرية

السفاريني - محمد بن أحمد بن سالم السفاريني

جزء صفحة
( ( وَرَبُّنَا ) ) تَبَارَكَ وَتَعَالَى ( ( يَخْلُقُ ) ) مَا شَاءَ أَنْ يَخْلُقَهُ مِنْ سَائِرِ مَخْلُوقَاتِهِ ( ( بِاخْتِيَارٍ ) ) مِنْهُ فَمَذْهَبُ سَلَفِ الْأُمَّةِ وَأَئِمَّتِهَا ، أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يَزَلْ فَاعِلًا لِمَا يَشَاءُ ، وَأَنَّهُ تَقُومُ بِذَاتِهِ الْأُمُورُ الِاخْتِيَارِيَّةُ ، وَأَنَّهُ تَعَالَى لَمْ يَزَلْ مُتَّصِفًا بِصِفَاتِهِ الذَّاتِيَّةِ وَالْفِعْلِيَّةِ ، فَلَمْ يُحْدِثْ لَهُ اسْمًا مِنْ أَسْمَائِهِ وَلَا صِفَةً مِنْ صِفَاتِهِ ، فَيَخْلُقُ سُبْحَانَهُ الْمَخْلُوقَاتِ ، وَيُحْدِثُ الْحَوَادِثَ بَعْدَ أَنْ لَمْ تَكُنْ ، سَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ عَلَى مِثَالٍ سَابِقٍ أَوْ لَا ، وَالْإِبْدَاعُ إِحْدَاثُ الشَّيْءِ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ عَلَى غَيْرِ مِثَالٍ سَابِقٍ ( ( مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ ) ) مِنْهُ تَعَالَى إِلَيْهِ ، أَيْ يَخْلُقُ الْخَلْقَ لَا لِحَاجَةٍ إِلَيْهِ ( ( وَلَا اضْطِرَارٍ ) ) عَلَيْهِ فَالْحَاجَةُ الْمَصْلَحَةُ وَالْمَنْفَعَةُ ، وَالِاضْطِرَارُ الْإِلْجَاءُ وَالْإِحْوَاجُ وَالْإِلْزَامُ وَالْإِكْرَاهُ ، فَلَا حَاجَةَ بَاعِثَةٌ لَهُ سُبْحَانَهُ عَلَى خَلْقِهِ لِلْخَلْقِ ، وَلَا مُكْرَهَ لَهُ عَلَيْهِ ، بَلْ خَلَقَ الْمَخْلُوقَاتِ وَأَمَرَ بِالْمَأْمُورَاتِ لِمَحْضِ الْمَشِيئَةِ ، وَصَرْفِ الْإِرَادَةِ ، هَذَا قَوْلُ جُمْهُورِ مَنْ يُثْبِتُ الْقَدَرَ ، وَيَنْتَسِبُ إِلَى السُّنَّةِ مِنْ أَهْلِ الْكَلَامِ وَالْفِقْهِ وَغَيْرِهِمْ ، وَقَالَ بِهِ طَوَائِفُ مِنَ الْحَنْبَلِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيِّ وَأَصْحَابِهِ . وَهُوَ قَوْلُ كَثِيرٍ مِنْ نُفَاةِ الْقِيَاسِ فِي الْفِقْهِ مِنَ الظَّاهِرِيَّةِ كَابْنِ حَزْمٍ وَأَمْثَالِهِ ، وَحُجَّةُ هَذَا أَنَّهُ لَوْ خَلَقَ الْخَلْقَ لِعِلَّةٍ لَكَانَ نَاقِصًا بِدُونِهَا ، مُسْتَكْمَلًا بِهَا ، فَإِنَّهُ إِمَّا أَنْ يَكُونَ وُجُودُ تِلْكَ الْعِلَّةِ وَعَدَمُهَا بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ سَوَاءً ، أَوْ يَكُونُ وُجُودُهَا أَوْلَى بِهِ ، فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلَ امْتَنَعَ أَنْ يَفْعَلَ لِأَجْلِهَا ، وَإِنْ كَانَ الثَّانِيَ ثَبَتَ أَنَّ وُجُودَهَا أَوْلَى بِهِ ، فَيَكُونُ مُسْتَكْمَلًا بِهَا ، فَيَكُونُ قَبْلَهَا نَاقِصًا ، وَأَيْضًا فَالْعِلَّةُ إِنْ كَانَتْ قَدِيمَةً وَجَبَ قِدَمُ الْمَعْلُولِ لِأَنَّ الْعِلَّةَ الْغَائِيَّةَ وَإِنْ كَانَتْ مُتَقَدِّمَةً عَلَى الْمَعْلُولِ فِي الْعِلْمِ وَالْقَصْدِ فَهِيَ مُتَأَخِّرَةٌ فِي الْوُجُودِ عَنِ الْمَعْلُولِ كَمَا يُقَالُ - أَوَّلُ الْفِكْرَةِ آخِرُ الْعَمَلِ وَأَوَّلُ الْبُغْيَةِ آخِرُ الْمُدْرَكِ . وَيُقَالُ : إِنَّ الْعِلَّةَ الْغَائِيَّةَ - بِهَا صَارَ الْفَاعِلُ فَاعِلًا ، فَمَنْ فَعَلَ فِعْلًا لِمَطْلُوبٍ ، يَطْلُبُهُ بِذَلِكَ الْفِعْلِ ؛ كَانَ حُصُولُ الْمَطْلُوبِ بَعْدَ الْفِعْلِ ، فَإِذَا قُدِّرَ أَنَّ ذَلِكَ الْمَطْلُوبَ الَّذِي هُوَ الْعِلَّةُ قَدِيمًا ؛ كَانَ الْفِعْلُ قَدِيمًا بِطَرِيقِ الْأَوْلَى ، فَلَوْ قِيلَ : إِنَّهُ يَفْعَلُ لِعِلَّةٍ قَدِيمَةٍ لَزِمَ أَنْ لَا يَحْدُثَ شَيْءٌ مِنَ الْحَوَادِثِ ، وَهُوَ خِلَافُ الْمُشَاهَدَةِ ، وَإِنْ قِيلَ : إِنَّهُ فَعَلَ لِعِلَّةٍ حَادِثَةٍ لَزِمَ مَحْذُورَانِ . أَحَدُهُمَا : أَنْ يَكُونَ مَحَلًّا لِلْحَوَادِثِ ، فَإِنَّ الْعِلَّةَ إِنْ كَانَتْ مُنْفَصِلَةً عَنْهُ ، فَإِنْ لَمْ يَعُدْ إِلَيْهِ مِنْهَا حُكْمٌ ؛ امْتَنَعَ أَنْ يَكُونَ وُجُودُهَا أَوْلَى بِهِ مِنْ عَدَمِهَا ، وَإِنْ قُدِّرَ أَنَّهُ عَادَ إِلَيْهِ مِنْهَا حُكْمٌ ؛ كَانَ ذَلِكَ حَادِثًا ، فَتَقُومُ بِهِ الْحَوَادِثُ ، وَالْمَحْذُورُ الثَّانِي أَنَّ ذَلِكَ يَسْتَلْزِمُ التَّسَلْسُلَ مِنْ وَجْهَيْنِ ، أَحَدُهُمَا أَنَّ تِلْكَ الْعِلَّةَ الْحَادِثَةَ الْمَطْلُوبَةَ بِالْفِعْلِ هِيَ أَيْضًا مِمَّا يُحْدِثُهُ اللَّهُ - تَعَالَى - بِقُدْرَتِهِ وَمَشِيئَتِهِ ، فَإِنْ كَانَتْ لِغَيْرِ عِلَّةٍ لَزِمَ الْعَبَثُ كَمَا تَقَدَّمَ ، وَإِنْ كَانَ لِعِلَّةٍ عَادَ التَّقْسِيمُ فِيهَا ، فَإِذَا كَانَ كُلُّ مَا يُحْدِثُهُ أَحْدَثَهُ لِعِلَّةٍ ، وَالْعِلَّةُ : مَا أَحْدَثَهُ ؛ لَزِمَ تَسَلْسُلُ الْحَوَادِثِ ، الثَّانِي : أَنَّ تِلْكَ الْعِلَّةَ إِمَّا أَنْ تَكُونَ مُرَادَةً لِنَفْسِهَا ، أَوْ لِعِلَّةٍ أُخْرَى ، فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ امْتَنَعَ حُدُوثُهَا ; لِأَنَّ مَا أَرَادَهُ اللَّهُ - تَعَالَى - لِذَاتِهِ ، وَهُوَ قَادِرٌ عَلَيْهِ ؛ لَا يُؤَخِّرُ إِحْدَاثَهُ ، وَإِنْ كَانَ الثَّانِي فَالْقَوْلُ فِي ذَلِكَ الْغَيْرِ كَالْقَوْلِ فِيهَا وَيَلْزَمُ التَّسَلْسُلُ . فَهَذِهِ الْحُجَجُ مِنْ حُجَجِ مَنْ يَنْفِي تَعْلِيلَ أَفْعَالِ اللَّهِ - تَعَالَى - وَأَحْكَامِهِ . التَّقْدِيرُ الثَّانِي : قَوْلُ مَنْ يَجْعَلُ الْعِلَّةَ الْغَائِيَّةَ قَدِيمَةً كَمَا يَجْعَلُ الْعِلَّةَ الْفَاعِلِيَّةَ قَدِيمَةً ، كَمَا يَقُولُهُ الْفَلَاسِفَةُ الْقَائِلُونَ بِقِدَمِ الْعَالَمِ ، وَأَصْلُ قَوْلِ هَؤُلَاءِ أَنَّ الْمُبْدِعَ لِلْعَالَمِ - عِلَّةٌ تَامَّةٌ تَسْتَلْزِمُ مَعْلُولَهَا ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَتَأَخَّرَ عَنْهَا مَعْلُولُهَا ، وَأَعْظَمُ حُجَجِهِمْ قَوْلُهُمْ إِنَّ جَمِيعَ الْأُمُورِ الْمُعْتَبَرَةِ فِي كَوْنِهِ فَاعِلًا إِنْ كَانَتْ مَوْجُودَةً فِي الْأَزَلِ لَزِمَ وُجُودُ الْمَفْعُولِ فِي الْأَزَلِ ; لِأَنَّ الْعِلَّةَ التَّامَّةَ لَا يَتَأَخَّرُ عَنْهَا مَعْلُولُهَا ، فَإِنَّهُ لَوْ تَأَخَّرَ لَمْ تَكُنْ جَمِيعُ شُرُوطِ الْفِعْلِ وُجِدَتْ فِي الْأَزَلِ ، فَإِنَّا لَا نَعْنِي بِالْعِلَّةِ التَّامَّةِ إِلَّا مَا تَسْتَلْزِمُ الْمَعْلُولَ ، فَإِذَا قُدِّرَ أَنَّهُ تَخَلَّفَ عَنْهَا الْمَعْلُولُ ؛ لَمْ تَكُنْ تَامَّةً ، وَإِنْ لَمْ تَكُنِ الْعِلَّةُ التَّامَّةُ الَّتِي هِيَ جَمِيعُ الْأُمُورِ الْمُعْتَبَرَةِ فِي الْفِعْلِ ، وَهِيَ الْمُقْتَضَى التَّامُّ لِوُجُودِ الْفِعْلِ ، وَهِيَ جَمِيعُ شُرُوطِ الْفِعْلِ الَّتِي يَلْزَمُ مِنْ وُجُودِهَا وُجُودُ الْفِعْلِ ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ جَمِيعُهَا فِي الْأَزَلِ ؛ فَلَا بُدَّ إِذَا وُجِدَ الْمَفْعُولُ بَعْدَ ذَلِكَ - مِنْ تَجَدُّدِ سَبَبٍ حَادِثٍ ، وَإِلَّا لَزِمَ تَرْجِيحُ أَحَدِ طَرَفَيِ الْمُمْكِنِ بِلَا مُرَجِّحٍ ، وَإِذَا كَانَ هُنَاكَ سَبَبٌ حَادِثٌ فَالْقَوْلُ فِي حُدُوثِهِ كَالْقَوْلِ فِي الْحَادِثِ الْأَوَّلِ وَيَلْزَمُ التَّسَلْسُلُ . قَالُوا : فَالْقَوْلُ بِانْتِفَاءِ الْعِلَّةِ التَّامَّةِ الْمُسْتَلْزِمَةِ لِلْمَفْعُولِ يُوجِبُ إِمَّا التَّسَلْسُلَ وَإِمَّا التَّرْجِيحَ بِلَا مُرَحِّجٍ ، ثُمَّ أَكْثَرُ هَؤُلَاءِ يُثْبِتُونَ عِلَّةً غَائِيَّةً لِلْفِعْلِ ، وَهِيَ بِعَيْنِهَا الْفَاعِلَةُ ، لَكِنَّهُمْ مُتَنَاقِضُونَ ، فَإِنَّهُمْ يُثْبِتُونَ لَهُ الْعِلَّةَ الْغَائِيَّةَ ، وَيُثْبِتُونَ لِفِعْلِهِ الْعِلَّةَ الْغَائِيَّةَ ، وَيَقُولُونَ مَعَ هَذَا : لَيْسَ لَهُ إِرَادَةٌ ، بَلْ هُوَ مُوجِبٌ بِالذَّاتِ ، لَا فَاعِلٌ بِالِاخْتِيَارِ . وَقَوْلُهُمْ بَاطِلٌ مِنْ وُجُوهٍ كَثِيرَةٍ مَذْكُورَةٍ فِي مَحَالِّهَا ، مِنْهَا مَا ذَكَرَهُ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ - رَوَّحَ اللَّهُ رُوحَهُ - فِي كِتَابِهِ ( حُسْنِ الْإِرَادَةِ ) : هَذَا الْقَوْلُ يَسْتَلْزِمُ أَنْ لَا يَحْدُثَ شَيْءٌ وَأَنَّ كُلَّ مَا حَدَثَ حَدَثَ بِغَيْرِ إِحْدَاثِ مُحْدِثٍ ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ بُطْلَانَ هَذَا بَيِّنٌ - وَأَطَالَ فِي رَدِّ ذَلِكَ ، وَمِمَّا ذَكَرَ : أَنْ يُقَالَ لَهُمْ : حُدُوثُ حَادِثٍ بَعْدَ حَادِثٍ بِلَا نِهَايَةٍ ، إِمَّا أَنْ يَكُونَ مُمْكِنًا فِي الْعَقْلِ ، أَوْ مُمْتَنِعًا ، فَإِنْ كَانَ مُمْتَنِعًا لَزِمَ أَنَّ الْحَوَادِثَ جَمِيعَهَا لَهَا أَوَّلٌ كَمَا يَقُولُهُ أَهْلُ الْحَقِّ ، وَبَطَلَ قَوْلُهُمْ بِقِدَمِ حَرَكَاتِ الْأَفْلَاكِ ، وَإِنْ كَانَ مُمْكِنًا أَمْكَنَ أَنْ يَكُونَ حُدُوثُ مَا أَحْدَثَهُ اللَّهُ - تَعَالَى - كَالسَّمَاوَاتِ ، وَالْأَرْضِ مَوْقُوفٌ عَلَى حَوَادِثَ قَبْلَ ذَلِكَ كَمَا تَقُولُونَ أَنْتُمْ فِيمَا يَحْدُثَ فِي هَذَا الْعَالَمِ مِنَ الْحَيَوَانِ ، وَالنَّبَاتِ ، وَالْمَعَادِنِ ، وَالْمَطَرِ ، وَالسَّحَابِ ، وَغَيْرِ ذَلِكَ ، فَيَلْزَمُ فَسَادُ حُجَّتِكُمْ عَلَى التَّقْدِيرَيْنِ ، ثُمَّ يُقَالُ إِمَّا أَنْ تُثْبِتُوا لِمُبْدِعِ الْعَالَمِ حِكْمَةً وَغَايَةً مَطْلُوبَةً ، أَوْ لَا ، فَإِنْ لَمْ تُثْبِتُوا بَطَلَ قَوْلُكُمْ بِإِثْبَاتِ الْعِلَّةِ الْغَائِيَّةِ وَبَطَلَ مَا تَذْكُرُونَهُ مِنْ حِكْمَةِ الْبَارِي تَعَالَى فِي خَلْقِ الْحَيَوَانِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْمَخْلُوقَاتِ ، وَأَيْضًا فَالْوُجُودُ يُبْطِلُ هَذَا الْقَوْلَ ، فَإِنَّ الْحِكْمَةَ الْمَوْجُودَةَ فِي الْوُجُودِ أَمْرٌ يَفُوتُ الْعَدَّ وَالْإِحْصَاءَ ، كَإِحْدَاثِهِ سُبْحَانَهُ لِمَا يَحْدُثُ مِنْ نِعْمَتِهِ وَرَحْمَتِهِ وَقْتَ حَاجَةِ الْخَلْقِ إِلَيْهِ كَإِحْدَاثِ الْمَطَرِ وَقْتَ الشِّتَاءِ بِقَدْرِ الْحَاجَةِ وَإِحْدَاثِهِ لِلْإِنْسَانِ الْآلَاتِ الَّتِي يَحْتَاجُ إِلَيْهَا بِقَدْرِ حَاجَتِهِ . وَأَمْثَالُ ذَلِكَ مِمَّا هُوَ - كَثِيرٌ جِدًّا . وَإِنْ أَثْبَتُّمْ لَهُ تَعَالَى حِكْمَةً مَطْلُوبَةً وَهِيَ بِاصْطِلَاحِكُمُ الْعِلَّةَ الْغَائِيَّةَ لَزِمَ أَنْ تُثْبِتُوا لَهُ الْمَشِيئَةَ ، وَالْإِرَادَةَ بِالضَّرُورَةِ ، فَإِنَّ الْقَوْلَ بِأَنَّ الْفَاعِلَ فَعَلَ كَذَا لِحِكْمَةِ كَذَا بِدُونِ كَوْنِهِ مُرِيدًا لِتِلْكَ الْحِكْمَةِ الْمَطْلُوبَةِ جَمْعٌ بَيْنَ النَّقِيضَيْنِ . وَهَؤُلَاءِ الْمُتَفَلْسِفَةُ مِنْ أَكْثَرِ النَّاسِ تَنَاقُضًا ، وَلِهَذَا يَجْعَلُونَ الْعِلْمَ هُوَ الْعَالَمُ ، وَالْعِلْمَ هُوَ الْإِرَادَةُ ، وَالْإِرَادَةَ هِيَ الْقُدْرَةُ ، وَأَمْثَالَ ذَلِكَ . وَالتَّقْدِيرُ الثَّالِثُ : وَهُوَ أَنَّهُ سُبْحَانَهُ فَعَلَ الْمَفْعُولَاتِ ، وَأَمَرَ بِالْمَأْمُورَاتِ لِحِكْمَةٍ مَحْمُودَةٍ . قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ : هَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ النَّاسِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَغَيْرِهِمْ ، وَقَوْلُ طَوَائِفَ مِنْ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيِّ وَمَالِكٍ وَأَحْمَدَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ، وَقَوْلُ طَوَائِفَ مِنْ أَهْلِ الْكَلَامِ مِنَ الْمُعْتَزِلَةِ ، وَالْكَرَّامِيَّةِ ، وَالْمُرْجِئَةِ وَغَيْرِهِمْ ، وَقَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْحَدِيثِ ، وَالتَّصَوُّفِ وَأَهْلِ التَّفْسِيرِ وَأَكْثَرِ قُدَمَاءِ الْفَلَاسِفَةِ وَكَثِيرٍ مِنْ مُتَأَخِّرِيهِمْ كَأَبِي الْبَرَكَاتِ وَأَمْثَالِهِ لَكِنَّ هَؤُلَاءِ عَلَى أَقْوَالٍ ، مِنْهُمْ مَنْ قَالَ إِنَّ الْحِكْمَةَ الْمَطْلُوبَةَ مَخْلُوقَةٌ وَمُنْفَصِلَةٌ عَنْهُ تَعَالَى ، وَهُمُ الْمُعْتَزِلَةُ ، وَالشِّيعَةُ وَمَنْ وَافَقَهُمْ ، قَالُوا : الْحِكْمَةُ فِي ذَلِكَ إِحْسَانُهُ لِلْخَلْقِ ، وَالْحِكْمَةُ فِي الْأَمْرِ تَعْرِيضُ الْمُكَلَّفِينَ لِلثَّوَابِ ، قَالُوا : فِعْلُ الْإِحْسَانِ إِلَى الْغَيْرِ حَسَنٌ مَحْمُودٌ فِي الْعَقْلِ ، فَخَلَقَ الْخَلْقَ لِهَذِهِ الْحِكْمَةِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَعُودَ إِلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ حُكْمٌ وَلَا قَامَ بِهِ نَعْتٌ وَلَا فِعْلٌ ، فَقَالَ لَهُمُ النَّاسُ : أَنْتُمْ تَتَنَاقَضُونَ فِي هَذَا الْقَوْلِ ; لِأَنَّ الْإِحْسَانَ إِلَى الْغَيْرِ مَحْمُودٌ لِكَوْنِهِ يَعُودُ مِنْهُ إِلَى فَاعِلِهِ حُكْمٌ يُحْمَدُ لِأَجْلِهِ ، إِمَّا لِتَكْمِيلِ نَفْسِهِ بِذَلِكَ ، وَإِمَّا لِقَصْدِهِ الْحَمْدَ وَالثَّوَابَ بِذَلِكَ ، وَإِمَّا لِرِقَّةٍ وَأَلَمٍ يَجِدُهُ فِي نَفْسِهِ ، يَدْفَعُ بِالْإِحْسَانِ ذَلِكَ الْأَلَمَ ، وَإِمَّا لِالْتِذَاذِهِ وَسُرُورِهِ وَفَرَحِهِ بِالْإِحْسَانِ ، فَإِنَّ النَّفْسَ الْكَرِيمَةَ تَفْرَحُ وَتُسَرُّ وَتَلْتَذُّ بِالْخَيْرِ الَّذِي يَحْصُلُ مِنْهَا إِلَى غَيْرِهَا ، فَالْإِحْسَانُ إِلَى الْغَيْرِ مَحْمُودٌ لِكَوْنِ الْمُحْسِنِ يَعُودُ إِلَيْهِ مِنْ فِعْلِهِ هَذِهِ الْأُمُورُ . أَمَّا إِذَا قَدَّرَ أَنَّ وُجُودَ الْإِحْسَانِ وَعَدَمَهُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْفَاعِلِ سَوَاءٌ ؛ لَمْ يَقُلْ : إِنَّ مِثْلَ هَذَا الْفِعْلِ يَحْسُنُ مِنْهُ ، بَلْ مِثْلُ هَذَا يُعَدُّ عَبَثًا فِي عُقُولِ الْعُقَلَاءِ ، وَكُلُّ مَنْ فَعَلَ فِعْلًا لَيْسَ فِيهِ لِنَفْسِهِ لَذَّةٌ وَلَا مَصْلَحَةٌ وَلَا مَنْفَعَةٌ بِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ لَا عَاجِلَةٌ وَلَا آجِلَةٌ ، كَانَ عَبَثًا ، وَلَمْ يَكُنْ مَحْمُودًا عَلَى هَذَا ، وَأَنْتُمْ عَلَّلْتُمْ أَفْعَالَهُ تَعَالَى فِرَارًا مِنَ الْعَبَثِ فَوَقَعْتُمْ فِيهِ ، فَإِنَّ الْعَبَثَ هُوَ الْفِعْلُ الَّذِي لَا مَصْلَحَةَ وَلَا مَنْفَعَةَ وَلَا فَائِدَةَ تَعُودُ عَلَى الْفَاعِلِ ; وَلِهَذَا لَمْ يَأْمُرِ اللَّهُ - تَعَالَى - وَلَا رَسُولُهُ وَلَا أَحَدٌ مِنَ الْعُقَلَاءِ أَحَدًا بِالْإِحْسَانِ إِلَى غَيْرِهِ وَنَفْعِهِ وَنَحْوِ ذَلِكَ إِلَّا لِمَا لَهُ فِي ذَلِكَ مِنَ الْمَنْفَعَةِ ، وَالْمَصْلَحَةِ ، فَأَمْرُ الْفَاعِلِ بِفِعْلٍ لَا يَعُودُ عَلَيْهِ مِنْهُ لَذَّةٌ وَلَا سُرُورٌ وَلَا مَنْفَعَةٌ وَلَا فَرَحٌ بِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ لَا فِي الْعَاجِلِ وَلَا فِي الْآجِلِ - لَا يُسْتَحْسَنُ مِنَ الْآمِرِ . وَمِنْ ثَمَّ قَالَ ( ( لَكِنَّهُ ) ) تَعَالَى وَتَقَدَّسَ . هَذَا اسْتِدْرَاكٌ مِنْ مَفْهُومِ قَوْلِهِ إِنَّهُ يَخْلُقُ الْخَلْقَ بِالِاخْتِيَارِ ، أَيْ لَا بِالذَّاتِ خِلَافًا لِلْمُعْتَزِلَةِ وَمَنْ وَافَقَهُمْ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ إِلَيْهِ وَلَا اضْطِرَارٍ عَلَيْهِ غَيْرَ أَنَّهُ جَلَّ وَعَلَا ( ( لَا يَخْلُقُ الْخَلْقَ سُدًى ) ) أَيْ هَمَلًا بِلَا أَمْرٍ وَلَا نَهْيٍ وَلَا حِكْمَةٍ ، وَمَعْنَى السُّدَى الْمُهْمَلُ ، وَإِبِلٌ سُدًى إِذَا كَانَتْ تَرْعَى حَيْثُ شَاءَتْ بِلَا رَاعٍ ( ( كَمَا أَتَى فِي النَّصِّ ) ) الْقُرْآنِيِّ ، وَالسُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ ، وَالْآثَارِ مِمَّا هُوَ كَثِيرٌ جِدًّا أَنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى لَا يَفْعَلُ إِلَّا لِحِكْمَةٍ وَعِلْمٍ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ ، فَمَا خَلَقَ شَيْئًا وَلَا قَضَاهُ وَلَا شَرَعَهُ إِلَّا بِحِكْمَةٍ بَالِغَةٍ ، وَإِنْ تَقَاصَرَتْ عَنْهُ عُقُولُ الْبَشَرِ ( ( فَاتَّبِعِ الْهُدَى ) ) بِاقْتِفَاءِ الْمَأْثُورِ وَاتِّبَاعِ السَّلَفِ الصَّالِحِ ، وَلَا تَجْحَدْ حِكْمَتَهُ كَمَا لَا تَجْحَدْ قُدْرَتَهُ فَهُوَ الْحَكِيمُ الْقَدِيرُ . قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ - قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ - : وَنَشَأَ مِنْ هَذَا الِاخْتِلَافِ نِزَاعٌ بَيْنَ الْمُعْتَزِلَةِ وَغَيْرِهِمْ وَمَنْ وَافَقَهُمْ فِي مَسْأَلَةِ التَّحْسِينِ ، وَالتَّقْبِيحِ الْعَقْلِيِّ ، فَأَثْبَتَ ذَلِكَ الْمُعْتَزِلَةُ ، وَالْكَرَّامِيَّةُ وَغَيْرُهُمْ ، وَمَنْ وَافَقَهُمْ مِنْ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ ، وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ ، وَأَهْلِ الْحَدِيثِ وَغَيْرِهِمْ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - وَحَكَوْا ذَلِكَ عَنِ الْإِمَامِ أَبِي حَنِيفَةَ نَفْسِهِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، وَنَفَى ذَلِكَ الْأَشْعَرِيَّةُ وَمَنْ وَافَقَهُمْ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ ، وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ وَغَيْرِهِمْ ، وَاتَّفَقَ الْفَرِيقَانِ عَلَى أَنَّ الْحُسْنَ وَالْقُبْحَ إِذَا فُسِّرَ بِكَوْنِ الْفِعْلِ نَافِعًا لِلْفَاعِلِ مُلَائِمًا لَهُ ، وَكَوْنِهِ ضَارًّا لِلْفَاعِلِ مُنَافِرًا لَهُ أَنَّهُ تُمْكِنُ مَعْرِفَتُهُ بِالْعَقْلِ كَمَا يُعْرَفُ بِالشَّرْعِ ، وَظَنَّ مَنْ ظَنَّ مِنْ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ أَنَّ الْحُسْنَ وَالْقُبْحَ الْمَعْلُومَ بِالشَّرْعِ خَارِجٌ عَنْ هَذَا ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ ، بَلْ جَمِيعُ الْأَفْعَالِ الَّتِي أَوْجَبَهَا اللَّهُ - تَعَالَى - وَنَدَبَ إِلَيْهَا هِيَ نَافِعَةٌ لِفَاعِلِيهَا وَمَصْلَحَةٌ لَهُمْ ، وَجَمِيعُ الْأَفْعَالِ الَّتِي نَهَى اللَّهُ عَنْهَا هِيَ ضَارَّةٌ لِفَاعِلِيهَا وَمَفْسَدَةٌ فِي حَقِّهِمْ . وَالْحَمْدُ وَالثَّوَابُ الْمُتَرَتِّبُ عَلَى طَاعَةِ الشَّارِعِ نَافِعٌ لِلْفَاعِلِ وَمَصْلَحَةٌ لَهُ ، وَالذَّمُّ وَالْعِقَابُ الْمُتَرَتِّبُ عَلَى مَعْصِيَتِهِ ضَارٌّ لِلْفَاعِلِ مَفْسَدَةٌ لَهُ . وَالْمُعْتَزِلَةُ أَثْبَتَتِ الْحُسْنَ فِي أَفْعَالِ اللَّهِ - تَعَالَى - لَا بِمَعْنَى حُكْمٍ يَعُودُ إِلَيْهِ مِنْ أَفْعَالِهِ تَعَالَى . قَالَ الشَّيْخُ : وَمُنَازِعُوهُمْ لَمَّا اعْتَقَدُوا أَنْ لَا حُسْنَ وَلَا قُبْحَ فِي الْفِعْلِ إِلَّا مَا عَادَ إِلَى الْفَاعِلِ مِنْهُ حُكْمٌ نَفَوْا ذَلِكَ وَقَالُوا : الْقَبِيحُ فِي حَقِّ اللَّهِ - تَعَالَى - هُوَ الْمُمْتَنِعُ لِذَاتِهِ ، وَكُلُّ مَا يُقَدَّرُ مُمْكِنًا مِنَ الْأَفْعَالِ فَهُوَ الْحُسْنُ إِذْ لَا فَرْقَ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ عِنْدَهُمْ بَيْنَ مَفْعُولٍ وَمَفْعُولٍ ، وَأُولَئِكَ - يَعْنِي الْمُعْتَزِلَةَ - أَثْبَتُوا حُسْنًا وَقُبْحًا لَا يَعُودُ إِلَى الْفَاعِلِ مِنْهُ حُكْمٌ يَقُومُ بِذَاتِهِ ، وَعِنْدَهُمْ لَا يَقُومُ بِذَاتِهِ لَا وَصْفٌ وَلَا فِعْلٌ وَلَا غَيْرُ ذَلِكَ ، وَإِنْ كَانُوا قَدْ يَتَنَاقَضُونَ ، ثُمَّ أَخَذُوا يَقِيسُونَ ذَلِكَ عَلَى مَا يَحْسُنُ مِنَ الْعَبْدِ وَيَقْبُحُ ، فَجَعَلُوا يُوجِبُونَ عَلَى اللَّهِ سُبْحَانَهُ مِنْ جِنْسِ مَا يُوجِبُونَ عَلَى الْعَبْدِ وَيُحَرِّمُونَ عَلَيْهِ مَنْ جِنْسِ مَا يُحَرِّمُونَ عَلَى الْعَبْدِ وَيُسَمُّونَ ذَلِكَ الْعَدْلَ ، وَالْحِكْمَةَ ، مَعَ قُصُورِ عَقْلِهِمْ عَنْ مَعْرِفَةِ حِكْمَتِهِ ، فَلَا يُثْبِتُونَ لَهُ مَشِيئَةً عَامَّةً وَلَا قُدْرَةً تَامَّةً ، فَلَا يَجْعَلُونَهُ " عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ " ، وَلَا يَقُولُونَ : " مَا شَاءَ اللَّهُ كَانَ وَمَا لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ " ، وَلَا يُقِرُّونَ بِأَنَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ ، وَيُثْبِتُونَ لَهُ مِنَ الظُّلْمِ مَا نَزَّهَ نَفْسَهُ عَنْهُ ، فَإِنَّهُ سُبْحَانَهُ قَالَ وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا أَيْ لَا يَخَافُ أَنْ يُظْلَمَ ، فَيُحْمَلَ عَلَيْهِ سَيِّئَاتُ غَيْرِهِ ، وَلَا يُهْضَمَ مِنْ حَسَنَاتِهِ ، وَقَالَ تَعَالَى : مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ وَفِي حَدِيثِ الْبِطَاقَةِ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ وَغَيْرِهِ " لَا ظُلْمَ عَلَيْكَ الْيَوْمَ " . وَالْحَاصِلُ أَنَّ فِعْلَ اللَّهِ - تَعَالَى وَتَقَدَّسَ - وَأَمْرَهُ لَا يَكُونُ لِعِلَّةٍ فِي قَوْلٍ مَرْجُوحٍ اخْتَارَهُ كَثِيرٌ مِنْ عُلَمَائِنَا ، وَبَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ ، وَالشَّافِعِيَّةِ ، وَقَالَهُ الظَّاهِرِيَّةُ ، وَالْأَشْعَرِيَّةُ وَالْجَهْمِيَّةُ . وَالْقَوْلُ الثَّانِي : أَنَّهُمَا لِعِلَّةٍ وَحِكْمَةٍ . اخْتَارَهُ الطُّوفِيُّ ، وَهُوَ مُخْتَارُ شَيْخِ الْإِسْلَامِ ابْنِ تَيْمِيَّةَ وَابْنِ الْقَيِّمِ وَابْنِ قَاضِي الْجَبَلِ ، وَحَكَاهُ عَنْ إِجْمَاعِ السَّلَفِ وَهُوَ مَذْهَبُ الشِّيعَةِ ، وَالْمُعْتَزِلَةِ ، لَكِنَّ الْمُعْتَزِلَةَ تَقُولُ بِوُجُوبِ الصَّلَاحِ ، وَلَهُمْ فِي الْأَصْلَحِ قَوْلَانِ كَمَا يَأْتِي فِي النَّظْمِ ، وَالْمُخَالِفُونَ لَهُمْ يَقُولُونَ بِالتَّعْلِيلِ لَا عَلَى مَنْهَجِ الْمُعْتَزِلَةِ . قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ : لِأَهْلِ السُّنَّةِ فِي تَعْلِيلِ أَفْعَالِ اللَّهِ - تَعَالَى - وَأَحْكَامِهِ قَوْلَانِ ، وَالْأَكْثَرُونَ عَلَى التَّعْلِيلِ ، وَالْحِكْمَةِ ، وَهَلْ هِيَ مُنْفَصِلَةٌ عَنِ الرَّبِّ لَا تَقُومُ بِهِ ، أَوْ قَائِمَةٌ مَعَ ثُبُوتِ الْحُكْمِ الْمُنْفَصِلِ ؟ لَهُمْ فِيهِ أَيْضًا قَوْلَانِ ، وَهَلْ تَتَسَلْسَلُ الْحِكَمُ ، أَوْ لَا تَتَسَلْسَلُ ، أَوْ تَتَسَلْسَلُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ دُونَ الْمَاضِي ؟ فِيهِ أَقْوَالٌ ، قَالَ : احْتَجَّ الْمُثْبِتُونَ لِلْحِكْمَةِ ، وَالْعِلَّةِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ وَقَوْلِهِ : كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً وَقَوْلِهِ : وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ وَنَظَائِرِهَا ; وَلِأَنَّهُ تَعَالَى حَكِيمٌ شَرَعَ الْأَحْكَامَ لِحِكْمَةٍ وَمَصْلَحَةٍ لِقَوْلِهِ تَعَالَى : وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ ، وَالْإِجْمَاعُ وَاقِعٌ عَلَى اشْتِمَالِ الْأَفْعَالِ عَلَى الْحِكَمِ وَالْمَصَالِحِ جَوَازًا عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ ، وَوُجُوبًا عِنْدَ الْمُعْتَزِلَةِ ، فَيَفْعَلُ مَا يُرِيدُ بِحِكْمَتِهِ . وَتَقَدَّمَ أَنَّ النَّافِينَ لِلْحِكْمَةِ وَالْعِلَّةِ احْتَجُّوا مِمَّا احْتَجُّوا بِهِ أَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ قِدَمِ الْعِلَّةِ قِدَمُ الْمَعْلُولِ وَهُوَ مُحَالٌ ، وَمِنْ حُدُوثِهَا افْتِقَارُهَا إِلَى عِلَّةٍ أُخْرَى وَأَنَّهُ يَلْزَمُ التَّسَلْسُلُ ، قَالَ الْإِمَامُ الرَّازِيُّ : وَهُوَ مُرَادُ الْمَشَايِخِ بِقَوْلِهِمْ كُلُّ شَيْءٍ صَنَعَهُ وَلَا عِلَّةَ لِصُنْعِهِ ، وَمَا أَجَابَ بِهِ مَنْ قَالَ بِالْحِكْمَةِ وَأَنَّهَا قَدِيمَةٌ : لَا يَلْزَمُ مِنْ قِدَمِ الْعِلَّةِ قِدَمُ مَعْلُولِهَا ، كَالْإِرَادَةِ فَإِنَّهَا قَدِيمَةٌ وَمُتَعَلِّقُهَا حَادِثٌ ، وَتَقَدَّمَتِ الْإِشَارَةُ فِي أَوَّلِ الْبَحْثِ إِلَى مُحَصَّلِ هَذَا كُلِّهِ . وَالْحَاصِلُ أَنَّ شَيْخَ الْإِسْلَامِ وَجَمْعًا مِنْ تَلَامِذَتِهِ أَثْبَتُوا الْحِكْمَةَ ، وَالْعِلَّةَ فِي أَفْعَالِ الْبَارِي جَلَّ وَعَلَا وَأَقَامُوا عَلَى ذَلِكَ مِنَ الْبَرَاهِينِ مَا لَعَلَّهُ لَا يُبْقِي فِي مُخَيَّلَةِ الْفَطِينِ السَّالِمِ مِنْ رِبْقَةِ تَقْلِيدِ الْأَسَاطِينِ أَدْنَى اخْتِلَاجٍ وَأَقَلَّ تَخْمِينٍ . وَأَمَّا الْإِمَامُ الْمُحَقِّقُ شَمْسُ الدِّينِ ابْنُ الْقَيِّمِ فَقَدْ أَجْلَبَ وَأَجْنَبَ ، وَأَتَى بِمَا يُقْضَى مِنْهُ الْعَجَبُ فِي كِتَابَيْهِ ( شَرْحِ مَنَازِلِ السَّائِرِينَ ) وَ ( مِفْتَاحِ دَارِ السَّعَادَةِ ) وَغَيْرِهِمَا ، فَمِمَّا احْتَجَّ بِهِ فِي مِفْتَاحِ دَارِ السَّعَادَةِ قَوْلُهُ تَعَالَى : أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ هَذَا حُكْمٌ بِشَيْءٍ قَبِيحٍ يَتَنَزَّهُ اللَّهُ عَنْهُ فَأَنْكَرَهُ مِنْ جِهَةِ قُبْحِهِ فِي نَفْسِهِ ، لَا مِنْ جِهَةِ كَوْنِهِ أَنَّهُ لَا يَكُونُ . وَمِنْ هَذَا إِنْكَارُهُ تَعَالَى عَلَى مَنْ جَوَّزَ أَنْ يَتْرُكَ عِبَادَهُ سُدًى لَا يَأْمُرُهُمْ وَلَا يَنْهَاهُمْ وَلَا يُثِيبُهُمْ وَلَا يُعَاقِبُهُمْ - وَأَنَّ هَذَا الْحُسْبَانَ بَاطِلٌ ، وَاللَّهُ - تَعَالَى - مُتَعَالٍ عَنْهُ لِمُنَافَاتِهِ لِحِكْمَتِهِ ، فَقَالَ تَعَالَى : أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى فَأَنْكَرَ - سُبْحَانَهُ - عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ يَتْرُكُ سُدًى - إِنْكَارَ مَنْ جَعَلَ فِي الْعَقْلِ اسْتِقْبَاحَ ذَلِكَ ، وَاسْتِهْجَانَهُ ، وَأَنَّهُ لَا يَلِيقُ أَنْ يُنْسَبَ ذَلِكَ إِلَى أَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ ، وَمِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى : أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ فَنَزَّهَ نَفْسَهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى وَبَاعَدَهَا عَنْ هَذَا الْحُسْبَانِ ، وَأَنَّهُ مُتَعَالٍ عَنْهُ فَلَا يَلِيقُ بِهِ لِقُبْحِهِ وَمُنَافَاتِهِ الْحِكْمَةَ ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى إِثْبَاتِ الْمَعَادِ بِالْعَقْلِ كَمَا يَدُلُّ عَلَى إِثْبَاتِهِ بِالسَّمْعِ . ثُمَّ إِنَّ ابْنَ الْقَيِّمِ بَسَطَ الْقَوْلَ وَوَسَّعَ الْعِبَارَةَ فِي أَزْيَدَ مِنْ عَشَرَةِ كَرَارِيسَ ، ثُمَّ قَالَ : الْكَلَامُ هُنَا فِي مَقَامَيْنِ أَحَدُهُمَا فِي التَّلَازُمِ بَيْنَ الْحُسْنِ وَالْقُبْحِ الْعَقْلِيَّيْنِ وَبَيْنَ الْإِيجَابِ وَالتَّحْرِيمِ ، شَاهِدًا وَغَائِبًا ، وَالثَّانِي فِي انْتِفَاءِ اللَّازِمِ وَثُبُوتِهِ ، فَأَمَّا الْمَقَامُ الْأَوَّلُ فَلِمُثْبِتِي الْحُسْنِ وَالْقُبْحِ فِيهِ طَرِيقَانِ ، أَحَدُهُمَا ثُبُوتُ التَّلَازُمِ ، وَالْقَوْلُ بِاللَّازِمِ ، وَهَذَا الْقَوْلُ هُوَ الْمَعْرُوفُ عَنِ الْمُعْتَزِلَةِ ، وَعَلَيْهِ يُنَاظِرُونَ وَهُوَ الْقَوْلُ الَّذِي نَصَبَ خُصُومُهُمُ الْخِلَافَ مَعَهُمْ فِيهِ ، وَالْقَوْلُ الثَّانِي إِثْبَاتُ الْحُسْنِ ، وَالْقُبْحِ ، وَأَرْبَابُهُ يَقُولُونَ بِإِثْبَاتِهِ وَيُصَرِّحُونَ بِنَفْيِ الْإِيجَابِ قَبْلَ الشَّرْعِ عَلَى الْعَبْدِ ، وَيَنْفِي إِيجَابَ شَيْءٍ عَلَى اللَّهِ الْبَتَّةَ ، كَمَا صَرَّحَ بِهِ كَثِيرٌ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ ، وَالْحَنَابِلَةِ كَأَبِي الْخَطَّابِ وَغَيْرِهِ ، وَالشَّافِعِيَّةِ كَسَعْدِ بْنِ عَلِيٍّ الزَّنْجَانِيِّ الْإِمَامِ الْمَشْهُورِ وَغَيْرِهِ ، وَلِهَؤُلَاءِ فِي نَفْيِ الْإِيجَابِ الْعَقْلِيِّ فِي الْمَعْرِفَةِ بِاللَّهِ وَثُبُوتِهِ خِلَافٌ . قَالَ : فَالْأَقْوَالُ أَرْبَعَةٌ لَا مَزِيدَ عَلَيْهَا ، أَحَدُهَا : نَفْيُ الْحُسْنِ وَالْقُبْحِ وَنَفْيُ الْإِيجَابِ الْعَقْلِيِّ فِي الْعَمَلِيَّاتِ دُونَ الْعِلْمِيَّاتِ ، كَالْمَعْرِفَةِ ، وَهَذَا اخْتِيَارُ أَبِي الْخَطَّابِ وَغَيْرِهِ ، فَعَرَّفَ أَنَّهُ لَا تَلَازُمَ بَيْنَ الْحُسْنِ وَالْقُبْحِ وَبَيْنَ الْإِيجَابِ وَالتَّحْرِيمِ الْعَقْلِيَّيْنِ ، فَهَذَا أَحَدُ الْمَقَامَيْنِ .

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية