الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
معلومات الكتاب

لوامع الأنوار البهية وسواطع الأسرار الأثرية

السفاريني - محمد بن أحمد بن سالم السفاريني

جزء صفحة
( ( الْبَابُ الثَّانِي فِي الْأَفْعَالِ الْمَخْلُوقَةِ ) ) ( ( وَسَائِرُ الْأَشْيَاءِ غَيْرُ الذَّاتِ وَغَيْرُ مَا الْأَسْمَاءُ وَالصِّفَاتُ ) ) ( ( مَخْلُوقَةٌ لِرَبِّنَا مِنَ الْعَدَمِ وَضَلَّ مَنْ أَثْنَى عَلَيْهَا بِالْقِدَمِ ) ) ( ( وَرَبُّنَا يَخْلُقُ بِاخْتِيَارٍ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ وَلَا اضْطِرَارٍ ) ) ( ( لَكِنَّهُ لَا يَخْلُقُ الْخَلْقَ سُدًى كَمَا أَتَى فِي النَّصِّ فَاتْبَعِ الْهُدَى ) ) ( ( وَسَائِرُ ) ) أَيْ بَقِيَّةُ ( ( الْأَشْيَاءِ ) ) جَمْعُ شَيْءٍ ( ( غَيْرُ الذَّاتِ ) ) الْمُقَدَّسَةِ ( ( وَغَيْرُ مَا ) ) زَائِدَةٌ لِتَأْكِيدِ النَّفْيِ ( ( الْأَسْمَاءُ ) ) أَيْ غَيْرِ أَسْمَائِهِ تَعَالَى ، فَإِنَّهَا قَدِيمَةٌ كَالذَّاتِ ( ( وَ ) ) وَغَيْرُ ( ( الصِّفَاتِ ) ) الذَّاتِيَّةِ وَالْخَبَرِيَّةِ الَّتِي ثَبَتَتْ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ الْفِعْلِيَّةِ ، فَكُلُّ شَيْءٍ غَيْرُ الذَّاتِ الْعَلِيَّةِ وَأَسْمَائِهَا وَصِفَاتِهَا ( ( مَخْلُوقَةٌ لِرَبِّنَا ) ) تَبَارَكَ وَتَعَالَى ( ( مِنَ الْعَدَمِ ) ) ، مَسْبُوقَةٌ بِهِ ، وَتَبَيَّنَ لَكَ حِكْمَةُ تَعْبِيرِ النَّاظِمِ بِسَائِرٍ لِأَنَّهَا بِمَعْنَى الْبَقِيَّةِ ، قَالَ فِي الْقَامُوسِ : وَالسَّائِرُ الْبَاقِي لَا الْجَمِيعُ كَمَا تَوَهَّمَ جَمَاعَاتٌ ، أَوْ قَدْ يُسْتَعْمَلُ لَهُ ، وَمِنْهُ قَوْلُ الْأَحْوَصِ : فَجَلَّتَهَا لَنَا لُبَابَةٌ لَمَّا وَقَذَ النَّوْمُ سَائِرَ الْحُرَّاسِ . قَالَ : وَضَافَ أَعْرَابِيٌّ قَوْمًا فَأَمَرُوا الْجَارِيَةَ بِتَطْيِيبِهِ ، فَقَالَ : بَطْنِي عِطْرِي وَسَائِرِي ذَرِّي . فَكُلُّ مَا سِوَاهُ سُبْحَانَهُ بِأَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ مُحْدَثٌ مَسْبُوقٌ بِالْعَدَمِ ، وَهَذَا الْمُتَّفَقُ عَلَيْهِ عِنْدَ سَلَفِ الْأُمَّةِ وَأَئِمَّتِهَا مِنْ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَرَبُّهُ وَمَلِيكُهُ ، وَأَنَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ بِقُدْرَتِهِ وَمَشِيئَتِهِ ، وَأَنَّهُ مَا شَاءَ كَانَ ، وَمَا لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ ، فَهُوَ سُبْحَانُهُ وَتَعَالَى خَالِقُ الْمُمْكِنَاتِ الْمُحْدَثَاتِ مِنَ الْأَجْسَامِ وَالْأَعْرَاضِ الْقَائِمَةِ بِالْحَيَوَانِ وَالْجَمَادِ وَالْمَعَادِنِ وَالنَّبَاتِ وَغَيْرِهَا . وَهَذَا الَّذِي دَلَّتْ عَلَيْهِ الْكُتُبُ الْمُنَزَّلَةُ ، وَأَخْبَرَتْ بِهِ الرُّسُلُ الْمُرْسَلَةُ وَعَلَيْهِ سَلَفُ الْأُمَّةِ وَأَئِمَّتُهَا بَلْ وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْعُقَلَاءِ وَأَكَابِرُهُمْ مِنْ جَمِيعِ الطَّوَائِفِ خِلَافًا لِبَعْضِ الْفَلَاسِفَةِ ، كَأَرِسْطُو الْقَائِلِ بِقِدَمِ الْعَالَمِ ، وَخِلَافًا لِدِيمَقْرَاطِيسَ الْقَائِلِ بِقِدَمِ الْعِلَّةِ وَالنَّفْسِ وَالْهَيُولَى وَالْخَلَاءِ وَالدَّهْرِ . قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ فِي ( جَوَابِ الْمَسَائِلِ الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ ) : قَدْ نَقَلُوا عَنْ أَسَاطِينِ الْفَلَاسِفَةِ الْمُتَقَدِّمِينَ أَنَّهُمْ كَانُوا يُقِرُّونَ بِحُدُوثِ صُورَةِ الْفَلَكِ وَلَكِنَّهُمْ مُضْطَرِبُونَ فِي الْمَادَّةِ وَمُتَنَازِعُونَ فِيهَا ، نَعَمْ أَرِسْطُو وَأَتْبَاعُهُ قَائِلُونَ بِقِدَمِ صُورَتِهِ . قَالَ : وَلَيْسَ لَهُمْ دَلِيلٌ صَحِيحٌ عَلَى قِدَمِ شَيْءٍ مِنَ الْعَالَمِ أَلْبَتَّةَ ، وَلِهَذَا قَالَ : ( ( وَضَلَّ ) ) عَنِ الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ ، وَالنَّهْجِ الْبَيِّنِ الْقَوِيمِ ( ( مَنْ ) ) أَيُّ شَخْصٍ وَكُلُّ ( ( إِنْسَانٍ مِنْ كُلِّ ) ) طَائِفَةٍ مِنْ طَوَائِفِ الْعَالَمِ ( ( أَثْنَى عَلَيْهَا ) أَيْ عَلَى سَائِرِ الْأَشْيَاءِ سِوَى الذَّاتِ الْمُقَدَّسَةِ وَصِفَاتِهَا الْقَدِيمَةِ ، فَسَائِرُ مَا عَدَا ذَلِكَ مَنْ أَثْنَى عَلَى شَيْءٍ مِنْهَا ( ( بِالْقِدَمِ ) ) فَقَدْ ضَلَّ وَأَضَلَّ ، وَقَدْ أَخْبَرَ اللَّهُ فِي مُحْكَمِ الذِّكْرِ بِأَنَّهُ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ . وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ : " إِنَّ اللَّهَ قَدَّرَ مَقَادِيرَ الْخَلَائِقِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِخَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ ، وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ " أَيْ مَقَادِيرُ الْخَلَائِقِ الَّتِي خَلَقَهَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ إِلَى أَنْ يَدْخُلَ أَهْلُ الْجَنَّةِ مَنَازِلَهُمْ ، وَأَهْلُ النَّارِ مَنَازِلَهُمْ ، كَمَا فِي السُّنَنِ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ : " أَوَّلُ مَا خَلَقَ اللَّهُ الْقَلَمَ : فَقَالَ : اكْتُبْ قَالَ وَمَا أَكْتُبُ ؟ قَالَ مَا هُوَ كَائِنٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ " فَقَدْ بَيَّنَ أَنَّ الْقَلَمَ الَّذِي هُوَ أَوَّلُ الْمَخْلُوقَاتِ مِنْ هَذَا الْعَالَمِ إِنَّمَا كَتَبَ مَا هُوَ كَائِنٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ، وَهَذَا هُوَ التَّقْدِيرُ الْمَذْكُورُ فِي قَوْلِهِ قَدَّرَ مَقَادِيرَ الْخَلَائِقِ . وَفِي الصَّحِيحِ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَطَبَ أَصْحَابَهُ فَذَكَرَ بَدْءَ الْخَلْقِ حَتَّى دَخَلَ أَهْلُ الْجَنَّةِ مَنَازِلَهُمْ ، وَأَهْلُ النَّارِ مَنَازِلَهُمْ . وَقَدْ جَاءَ عَنِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ مِنَ الْآثَارِ وَالْأَخْبَارِ مِنْ هَذَا النَّهْجِ شَيْءٌ كَثِيرٌ ، وَفِي التَّوْرَاةِ مَا يُوَافِقُ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ مِنْ ذِكْرِ الْمَاءِ الَّذِي كَانَ مَخْلُوقًا قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ ، وَأَنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّمَاءَ مِنْ بُخَارِ ذَلِكَ الْمَاءِ . وَذَلِكَ الْبُخَارُ هُوَ الدُّخَانُ الْمَذْكُورُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ وَالْعَرْشُ أَيْضًا خُلِقَ قَبْلَ ذَلِكَ كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ فِي الْأَجْوِبَةِ الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ : قَدْ أَخْبَرَتِ الْكُتُبُ الْإِلَهِيَّةُ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ، فَتِلْكَ الْأَيَّامُ السِّتَّةُ مُقَدَّرَةٌ بِحَرَكَةِ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ ، فَإِنَّهُ فِيهَا خَلَقَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالْأَفْلَاكَ ، وَسَوَاءٌ كَانَتْ بِقَدْرِ هَذِهِ الْأَيَّامِ ، أَوْ كَانَ كُلُّ يَوْمٍ بِقَدْرِ أَلْفِ سَنَةٍ فَعَلَى الْقَوْلَيْنِ ، لَيْسَ مِقْدَارُ هَذِهِ الْحَرَكَاتِ مَا خُلِقَ فِيهَا ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْكُتُبَ الْإِلَهِيَّةَ ، وَالسُّنَّةَ النَّبَوِيَّةَ ، وَإِجْمَاعَ الْمُسْلِمِينَ عَلَى أَنَّ اللَّهَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ ، فَإِنَّ كُلَّ مَا سِوَى اللَّهِ مَخْلُوقٌ . قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ : وَصِفَاتُهُ تَعَالَى لَيْسَتْ خَارِجَةً عَنْ مُسَمَّى اسْمِهِ . وَتَقَدَّمَ . قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ : وَلَيْسَ بَيْنَ أَهْلِ الْمِلَلِ خِلَافٌ فِي أَنَّ الْمَلَائِكَةَ جَمِيعَهُمْ مَخْلُوقُونَ ، وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ : " خُلِقَتْ الْمَلَائِكَةُ مِنْ نُورٍ ، وَخُلِقَ إِبْلِيسُ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ ، وَخُلِقَ آدَمُ مِمَّا وُصِفَ لَكُمْ " . وَقَالَ الْإِمَامُ الْمُحَقِّقُ شَمْسُ الدِّينِ ابْنُ الْقَيِّمِ فِي كِتَابِهِ ( إِغَاثَةِ اللَّهْفَانِ ) ، وَشَيْخُهُ شَيْخُ الْإِسْلَامِ فِي ( شَرْحِ الْأَصْبَهَانِيَّةِ ) : أَوَّلُ مَنْ عُرِفَ عَنْهُ الْقَوْلُ بِقِدَمِ الْعَالَمِ أَرِسْطُو ، وَكَانَ ضَالًّا مُشْرِكًا يَعْبُدُ الْأَصْنَامَ - يَعْنِي الْمُصَوَّرَاتِ فِي هَيَاكِلِهِمْ عَلَى صُوَرِ الْكَوَاكِبِ السَّيَّارَةِ . قَالَ : وَلَهُ فِي الْهَيْئَاتِ كَلَامٌ كُلُّهُ خَطَأٌ ، قَدْ تَعَقَّبَهُ فِي الرَّدِّ عَلَيْهِ طَوَائِفُ الْمُسْلِمِينَ حَتَّى الْجَهْمِيَّةُ وَالْمُعْتَزِلَةُ وَالْقَدَرِيَّةُ وَالرَّافِضَةُ وَفَلَاسِفَةُ الْإِسْلَامِ أَنْكَرُوهُ عَلَيْهِ . قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ : قَدْ جَاءَ فِي كَلَامِهِ بِمَا يَسْخَرُ مِنْهُ الْعُقَلَاءُ ، فَأَنْكَرُ أَنْ يَكُونَ اللَّهُ تَعَالَى يَعْلَمُ شَيْئًا مِنَ الْمَوْجُودَاتِ ، وَقَرَّرَ ذَلِكَ بِأَنْ لَوْ عَلِمَ شَيْئًا لَكَمُلَ بِمَعْلُومَاتِهِ ، وَلَمْ يَكُنْ كَامِلًا فِي نَفْسِهِ ، وَبِأَنَّهُ كَانَ يَلْحَقُهُ التَّعَبُ وَالْكَلَالُ مِنْ تَصَوُّرِ الْمَعْلُومَاتِ . قَالَ الْمُحَقِّقُ ابْنُ الْقَيِّمِ - يَسْخَرُ بِهِ وَيَهْزَأُ مِنْهُ : فَهَذَا غَايَةُ عَقْدِ هَذَا الْمُعَلِّمِ وَالْأُسْتَاذِ ، وَقَدْ حَكَى عَنْهُ ذَلِكَ أَبُو الْبَرَكَاتِ الْبَغْدَادِيُّ ، فَيْلَسُوفُ الْإِسْلَامِ ، وَبَالَغَ فِي إِبْطَالِ هَذِهِ الْحُجَجِ وَرَدِّهَا . قَالَ ابْنُ الْقِيَمِ : فَحَقِيقَةُ مَا كَانَ عَلَيْهِ هَذَا الْمُعَلِّمِ لِاتِّبَاعِهِ الْكُفْرَ بِاللَّهِ ، وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ، وَدَرَجَ عَلَى أَثَرِهِ أَتْبَاعُهُ مِنَ الْمَلَاحِدَةِ مِمَّنْ يَتَسَتَّرُ بِاتِّبَاعِ الرُّسُلِ ، وَهُوَ مُنْحَلٌّ مِنْ كُلِّ مَا جَاءُوا بِهِ . قَالَ : وَأَتْبَاعُهُ يُعَظِّمُونَهُ فَوْقَ مَا يُعَظَّمُ بِهِ الْأَنْبِيَاءُ - عَلَيْهِمُ السَّلَامُ - ، وَيَرَوْنَ عَرْضَ مَا جَاءَتْ بِهِ الْأَنْبِيَاءُ عَلَى كَلَامِهِ ، فَمَا وَافَقَهُ مِنْهَا قَبِلُوهُ ، وَمَا خَالَفَهُ لَمْ يَعْبَئُوا بِهِ شَيْئًا ، وَيُسَمُّونَهُ الْمُعَلِّمَ الْأَوَّلَ ، لِأَنَّهُ أَوَّلُ مَنْ وَضَعَ لَهُمُ التَّعَالِيمَ الْمَنْطِقِيَّةَ ، وَالْمُعَلِّمُ الثَّانِيَ مِنَ الْفَلَاسِفَةِ أَبُو نَصْرٍ الْفَارَابِيُّ ، إِلَّا أَنَّهُ مِنْ فَلَاسِفَةِ الْإِسْلَامِ ، وَهُوَ الَّذِي وَضَعَ لَهُمُ التَّعَالِيمَ الصَّوْتِيَّةَ ، وَوَسَّعَ لَهُمْ فِي صِنَاعَةِ الْمَنْطِقِ وَبَسَّطَهَا ، وَشَرَحَ فَلْسَفَةَ أَرِسْطُو وَهَذَّبَهَا ، وَبَالَغَ فِي ذَلِكَ ، وَكَانَ عَلَى طَرِيقَةِ سَلَفِهِ ، وَالْمُعَلِّمُ الثَّالِثُ أَبُو عَلِيِّ بْنُ سِينَا ، فَإِنَّهُ بَالَغَ فِي تَهْذِيبِ الْفَلْسَفَةِ وَقَرَّبَهَا مِنْ شَرِيعَةِ الرُّسُلِ وَدِينِ الْإِسْلَامِ بِجُهْدِهِ وَغَايَةِ مَا أَمْكَنَهُ . قَالَ الْإِمَامُ ابْنُ الْقَيِّمِ : وَحَسْبُكَ جَهْلًا بِاللَّهِ وَأَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ وَأَفْعَالِهِ مَنْ يَقُولُ إِنَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى لَوْ عَلِمَ الْمَوْجُودَاتِ لَحِقَهُ الْكَلَالُ وَالتَّعَبُ ، وَاسْتُكْمِلَ بِغَيْرِهِ ، وَحَسْبُكَ خِذْلَانًا وَضَلَالًا وَعَمًى السَّيْرُ خَلْفَ هَؤُلَاءِ ، وَإِحْسَانُ الظَّنِّ بِهِمْ ، وَأَنَّهُمْ ذَوُو الْعُقُولِ ، وَحَسْبُكَ عَجَبًا مِنْ جَهْلِهِمْ وَضَلَالِهِمْ مَا قَالُوهُ فِي سِلْسِلَةِ الْمَوْجُودَاتِ ، وَصُدُورِ الْعَالَمِ عَنِ الْعُقُولِ الْعَشَرَةِ وَالنُّفُوسِ التِّسْعَةِ ، إِلَى أَنْ أَنْهَوْا صُدُورَ ذَلِكَ إِلَى وَاحِدٍ مِنْ كُلِّ جِهَةٍ لَا عِلْمَ لَهُ بِمَا صَدَرَ عَنْهُ ، وَلَا قُدْرَةَ لَهُ عَلَيْهِ وَلَا إِرَادَةَ ، وَأَنَّهُ لَمْ يَصْدُرْ عَنْهُ إِلَّا وَاحِدٌ . قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ : وَصَرَّحَ أَفْلَاطُونُ بِحُدُوثِ الْعَالَمِ كَمَا كَانَ عَلَيْهِ الْأَسَاطِينُ ، وَحَكَى عَنْهُ ذَلِكَ تِلْمِيذُهُ أَرِسْطُو ، وَخَالَفَهُ فِيهِ ، فَزَعَمَ أَنَّهُ قَدِيمٌ ، وَتَبِعَهُ عَلَى ذَلِكَ مَلَاحِدَةُ الْفَلَاسِفَةِ مِنَ الْمُنْتَسِبِينَ إِلَى الْمِلَلِ وَغَيْرِهِمْ . قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ - رَوَّحَ اللَّهُ رُوحَهُ - : لَيْسَ لِأَرِسْطُو وَلَا لِأَتْبَاعِهِ وَلَا غَيْرِهِمْ حُجَّةٌ وَاحِدَةٌ تَدُلُّ عَلَى قِدَمِ شَيْءٍ مِنَ الْعَالَمِ أَصْلًا ، وَقَدْ قَدَّمْنَا قَوْلَ شَيْخِ الْإِسْلَامِ وَغَيْرِهِ : إِنَّ أَوَّلَ مَنْ قَالَ بِقِدَمِ الْعَالَمِ مِنَ الْفَلَاسِفَةِ هُوَ أَرِسْطُو ، قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ : وَأَمَّا الْأَسَاطِينُ قَبْلَهُ فَلَمْ يَكُونُوا يَقُولُونَ بِقِدَمِ صُورَةِ الْفَلَكِ ، وَإِنْ كَانَ لَهُمْ فِي الْمَادَّةِ أَقْوَالٌ أُخَرُ . وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْحَقَّ الَّذِي لَا رَيْبَ فِيهِ وَلَا شَكَّ يَعْتَرِيهِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَالِقٌ لِكُلِّ مَا سِوَاهُ فَلَيْسَ مَعَهُ شَيْءٌ قَدِيمٌ بِقَدَمِهِ ، وَلَا نَفْسٌ وَلَا عَقْلٌ وَلَا غَيْرُهُمَا . قَالَ فِي ( إِغَاثَةِ اللَّهْفَانِ ) : وَالْفَلَاسِفَةُ فِرَقٌ شَتَّى لَا يُحْصِيهِمْ إِلَّا اللَّهُ ، وَأَحْصَى الْمُعْتَنُونَ بِمَقَالَاتِ النَّاسِ مِنْهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ فِرْقَةً مُخْتَلِفَةً اخْتِلَافًا كَثِيرًا ، مِنْهُمْ أَصْحَابُ الرِّوَاقِ ، وَأَصْحَابُ الظُّلَّةِ ، وَالْمَشَّاؤُونَ وَهُمْ شِيعَةُ أَرِسْطُو ، وَفَلْسَفَتُهُمْ هِيَ الدَّائِرَةُ الْيَوْمَ بَيْنَ النَّاسِ ، وَهِيَ الَّتِي يَحْكِيهَا ابْنُ سِينَا ، وَالْفَارَابِيُّ ، وَابْنُ الْخَطِيبِ ، وَغَيْرُهُمْ ، وَمِنْهُمُ الْفِيثَاغُورِيَّةُ وَالْأَفْلَاطُونِيَّةُ ، قَالَ : وَلَا نَجِدُ مِنْهُمُ اثْنَيْنِ مُتَّفِقَيْنِ عَلَى رَأْيٍ وَاحِدٍ بَلْ قَدْ تَلَاعَبَ بِهِمُ الشَّيْطَانُ كَتَلَاعُبِ الصِّبْيَانِ بِالْكُرَةِ ، قَالَ : وَبِالْجُمْلَةِ فَمَلَاحِدَتُهُمْ هُمْ أَهْلُ التَّعْطِيلِ الْمَحْضِ ، فَإِنَّهُمْ عَطَّلُوا الشَّرَائِعَ ، وَعَطَّلُوا الْمَصْنُوعَ عَنِ الصَّانِعِ ، وَعَطَّلُوا الصَّانِعَ عَنْ صِفَاتِ كَمَالِهِ ، وَعَطَّلُوا الْعَالَمَ عَنِ الْحَقِّ الَّذِي خُلِقَ لَهُ وَبِهِ ، فَعَطَّلُوهُ عَنْ مَبْدَئِهِ وَمَعَادِهِ عَنْ فَاعِلِهِ فِي غَايَتِهِ ، ثُمَّ سَرَى هَذَا الدَّاءُ مِنْهُمْ فِي الْأُمَمِ ، وَفِي فِرَقِ الْمُعَطِّلَةِ أَوَّلًا وَآخِرًا . وَلِهَذَا قَالَ : ( وَضَلَّ مَنْ أَثْنَى عَلَيْهَا بِالْقِدَمِ ) فَهَؤُلَاءِ هُمُ الضُّلَّالُ وَمَنْ نَحَا نَحْوَهُمْ مِنَ الْفِرَقِ الضَّالَّةِ ، وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ .

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية