الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
جزء صفحة
8 - ( 42 ) : وَرَوَى الثَّوْرِيُّ ، هَذَا الْخَبَرَ مُرْسَلًا غَيْرَ مُسْنَدٍ ، حَدَّثَنَا أَبُو مُوسَى مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى ، قَالَ : ثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ ، قَالَ : ثَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ ، عَنْ عَطَاءٍ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " لَا يُقَبَّحُ الْوَجْهُ ، فَإِنَّ ابْنَ آدَمَ خُلِقَ عَلَى صُورَةِ الرَّحْمَنِ " . قَالَ أَبُو بَكْرٍ : وَقَدِ افْتُتِنَ بِهَذِهِ اللَّفْظَةِ الَّتِي فِي خَبَرِ عَطَاءٍ ، عَالِمٌ مِمَّنْ لَمْ يَتَحَرَّ الْعِلْمَ ، وَتَوَهَّمُوا أَنَّ إِضَافَةَ الصُّورَةِ إِلَى الرَّحْمَنِ فِي هَذَا الْخَبَرِ مِنْ إِضَافَةِ صِفَاتِ الذَّاتِ ، فَغَلَطُوا فِي هَذَا غَلَطًا بَيِّنًا ، وَقَالُوا مَقَالَةً شَنِيعَةً مُضَاهِيَةً لِقَوْلِ الْمُشَبِّهَةِ ، أَعَاذَنَا اللَّهُ وَكُلُّ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَوْلِهِمْ . وَالَّذِي عِنْدِي - فِي تَأْوِيلِ هَذَا الْخَبَرِ - إِنْ صَحَّ مِنْ جِهَةِ النَّقْلِ مَوْصُولًا : فَإِنَّ فِي الْخَبَرِ عِلَلًا ثَلَاثًا : ، إِحْدَاهُنَّ : أَنَّ الثَّوْرِيَّ قَدْ خَالَفَ الْأَعْمَشَ فِي إِسْنَادِهِ ، فَأَرْسَلَ الثَّوْرِيُّ وَلَمْ يَقُلْ : عَنِ ابْنِ عُمَرَ . وَالثَّانِيَةُ : أَنَّ الْأَعْمَشَ مُدَلِّسٌ ، لَمْ يُذْكَرْ أَنَّهُ سَمِعَهُ مِنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ . وَالثَّالِثَةُ : أَنَّ حَبِيبَ بْنَ أَبِي ثَابِتٍ : أَيْضًا مُدَلِّسٌ ، لَمْ يُعْلَمْ أَنَّهُ سَمِعَهُ مِنْ عَطَاءٍ ، سَمِعْتُ إِسْحَاقَ بْنَ إِبْرَاهِيمَ بْنِ حَبِيبِ بْنِ الشَّهِيدِ يَقُولُ : ثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ ، عَنِ الْأَعْمَشِ قَالَ : قَالَ حَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ : لَوْ حَدَّثَنِي رَجُلٌ عَنْكَ بِحَدِيثٍ لَمْ أُبَالِ (أَنْ أَرْوِيَهُ عَنْكَ ، يُرِيدُ لَمْ أُبَالِ أَنْ أُدَلِّسَهُ . قَالَ أَبُو بَكْرٍ : وَمِثْلُ هَذَا الْخَبَرِ) ، لَا يَكَادُ يَحْتَجُّ بِهِ عُلَمَاؤُنَا مِنْ أَهْلِ الْأَثَرِ ، لَا سِيَّمَا : إِذَا كَانَ الْخَبَرُ فِي مِثْلِ هَذَا الْجِنْسِ ، فِيمَا يُوجِبُ الْعِلْمَ لَوْ ثَبَتَ ، وَلَا فِيمَا يُوجِبُ الْعَمَلَ بِمَا قَدْ يُسْتَدَلُّ عَلَى صِحَّتِهِ وَثُبُوتِهِ بِدَلَائِلَ مِنْ نَظَرٍ ، وَتَشْبِيهٍ ، وَتَمْثِيلٍ بِغَيْرِهِ مِنْ سُنَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ طَرِيقِ الْأَحْكَامِ وَالْفِقْهِ . فَإِنْ صَحَّ هَذَا الْخَبَرُ مُسْنَدًا - بِأَنْ يَكُونَ الْأَعْمَشُ قَدْ سَمِعَهُ مِنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ ، وَحَبِيبٌ قَدْ سَمِعَهُ مِنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ ، وَصَحَّ أَنَّهُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ - عَلَى مَا رَوَاهُ الْأَعْمَشُ - فَمَعْنَى هَذَا الْخَبَرِ عِنْدَنَا أَنَّ إِضَافَةَ الصُّورَةِ إِلَى الرَّحْمَنِ فِي هَذَا الْخَبَرِ ، إِنَّمَا هُوَ مِنْ إِضَافَةِ الْخَلْقِ إِلَيْهِ ؛ لِأَنَّ الْخَلْقَ يُضَافُ إِلَى الرَّحْمَنِ ، إِذِ اللَّهُ خَلَقَهُ ، وَكَذَلِكَ الصُّورَةُ تُضَافُ إِلَى الرَّحْمَنِ ، لِأَنَّ اللَّهَ صَوَّرَهَا ، أَلَمْ تَسْمَعْ قَوْلَهُ - عَزَّ وَجَلَّ - : هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ ، فَأَضَافَ اللَّهُ الْخَلْقَ إِلَى نَفْسِهِ ، إِذِ اللَّهُ تَوَلَّى خَلْقَهُ ، وَكَذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - : هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً ، فَأَضَافَ اللَّهُ النَّاقَةَ إِلَى نَفْسِهِ ، وَقَالَ : تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ ، وَقَالَ : أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا ، قَالَ : إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ . فَأَضَافَ اللَّهُ الْأَرْضَ إِلَى نَفْسِهِ ، إِذِ اللَّهُ تَوَلَّى خَلْقَهَا فَبَسَطَهَا ، وَقَالَ : فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا ، فَأَضَافَ اللَّهُ الْفِطْرَةَ إِلَى نَفْسِهِ إِذِ اللَّهُ فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا ، فَمَا أَضَافَ اللَّهُ إِلَى نَفْسِهِ عَلَى مَعْنَيَيْنِ : أَحَدُهُمَا : إِضَافَةُ الذَّاتِ . وَالْآخَرُ : إِضَافَةُ الْخَلْقِ . فَتَفَهَّمُوا هَذَيْنِ الْمَعْنَيَيْنِ ، لَا تَغَالَطُوا فَمَعْنَى الْخَبَرِ إِنْ صَحَّ مِنْ طَرِيقِ النَّقْلِ مُسْنَدًا ، فَإِنَّ ابْنَ آدَمَ : خُلِقَ عَلَى الصُّورَةِ الَّتِي خَلَقَهَا الرَّحْمَنُ ، حِينَ صَوَّرَ آدَمَ ، ثُمَّ نَفَخَ فِيهِ الرُّوحَ ، قَالَ اللَّهُ - جَلَّ وَعَلَا - : وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ هَذَا التَّأْوِيلِ .

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية