الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
جزء صفحة
وَخَالِقُنَا - جَلَّ وَعَلَا - التَّوَّابُ ، قَالَ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - : إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا رَحِيمًا ، وَقَدْ سَمَّى اللَّهُ جَمِيعَ مَنْ تَابَ مِنَ الذُّنُوبِ تَوَّابًا ، فَقَالَ : إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ ، وَمَعْقُولٌ عِنْدَ كُلِّ مُؤْمِنٍ أَنَّ هَذَا الِاسْمَ الَّذِي هُوَ اسْمُ اللَّهِ ، لَيْسَ هُوَ عَلَى مَعْنَى مَا سَمَّى اللَّهُ التَّائِبِينَ بِهِ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ إِنَّمَا أَخْبَرَ أَنَّهُ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ : أَيْ مِنَ الذُّنُوبِ ، وَالْخَطَايَا ، وَجَلَّ رَبُّنَا وَعَزَّ أَنْ يَكُونَ اسْمُ التَّوَّابِ لَهُ عَلَى الْمَعْنَى الَّذِي أَخْبَرَ أَنَّهُ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ . وَمَعْبُودُنَا - جَلَّ جَلَالُهُ - الْغَنِيُّ ، قَالَ تَعَالَى : وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ ، وَاسْمُ الْغَنِيِّ قَدْ يَقَعُ عَلَى كُلِّ مَنْ أَغْنَاهُ اللَّهُ تَعَالَى بِالْمَالِ ، قَالَ - جَلَّ وَعَلَا - ذِكْرُهُ : وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ ، وَقَالَ : إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِيَاءُ رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ ، وَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عِنْدَ بَعْثِهِ مُعَاذًا إِلَى الْيَمَنِ : " وَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللَّهَ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً ، تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ ، فَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ " . وَقَالَ ضِمَامُ بْنُ ثَعْلَبَةَ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - " آللَّهُ أَمَرَكَ أَنْ تَأْخُذَ الصَّدَقَةَ مِنْ أَغْنِيَائِنَا ، فَتَرُدَّهَا عَلَى فُقَرَائِنَا ؟ قَالَ : نَعَمْ " . وَرَبُّنَا - جَلَّ وَعَلَا - النُّورُ ، وَقَدْ سَمَّى اللَّهُ بَعْضَ خَلْقِهِ نُورًا ، فَقَالَ : مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ ، وَقَالَ : نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ ، وَقَالَ : نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا ، وَقَالَ : يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ . قَالَ أَبُو بَكْرٍ : قَدْ كُنْتُ خُبِّرْتُ مُنْذُ دَهْرٍ طَوِيلٍ ، أَنَّ بَعْضَ مَنْ كَانَ يَدَّعِي الْعِلْمَ مِمَّنْ كَانَ لَا يَفْهَمُ هَذَا الْبَابَ ، يَزْعُمُ أَنَّهُ غَيْرُ جَائِزٍ أَنْ يَقْرَأَ : اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ، وَكَانَ يَقْرَأُ : " اللَّهُ نَوَّرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ " ، فَبَعَثْتُ إِلَيْهِ بَعْضَ أَصْحَابِي وَقُلْتُ لَهُ : مَا الَّذِي تُنْكِرُ أَنْ يَكُونَ لِلَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - اسْمٌ ، يُسَمِّي اللَّهُ بِذَلِكَ الِاسْمِ بَعْضَ خَلْقِهِ ؟ ، فَقَدْ وَجَدْنَا اللَّهَ قَدْ سَمَّى بَعْضَ خَلْقِهِ ، بِأَسَامٍ هِيَ لَهُ أَسَامِي ، وَبَعَثْتُ لَهُ بَعْضَ مَا قَدْ أَمْلَيْتُهُ فِي هَذَا الْفَصْلِ ، وَقُلْتُ لِلرَّسُولِ : قُلْ لَهُ قَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالْإِسْنَادِ الَّذِي لَا يَدْفَعُهُ عَالِمٌ بِالْأَخْبَارِ مَا يُثْبِتُ أَنَّ اللَّهَ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ، قُلْتُ فِي خَبَرِ طَاوُسٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَدْعُو : " اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ أَنْتَ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ، وَمَنْ فِيهِنَّ ، وَلَكَ الْحَمْدُ أَنْتَ قَيِّمُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ " - الْحَدِيثُ بِتَمَامِهِ ، قَدْ أَمْلَيْتُهُ فِي كِتَابِ الدَّعَوَاتِ وَفِي كِتَابِ الصَّلَاةِ - أَيْضًا ، فَرَجَعَ الرَّسُولُ ، وَقَالَ : لَسْتُ أُنْكِرُ أَنْ يَكُونَ اللَّهُ - تَعَالَى - نُورًا ، كَمَا قَدْ بَلَغَنِي بَعْدُ أَنَّهُ رَجَعَ . قَالَ أَبُو بَكْرٍ : وَكُلُّ مَنْ فَهِمَ عَنِ اللَّهِ خِطَابَهُ : يَعْلَمُ أَنَّ هَذِهِ الْأَسَامِي الَّتِي هِيَ لِلَّهِ تَعَالَى أَسَامِي ، بَيَّنَ اللَّهُ ذَلِكَ فِي كِتَابِهِ وَعَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، مِمَّا قَدْ أَوْقَعَ تِلْكَ الْأَسَامِيَ عَلَى بَعْضِ الْمَخْلُوقِينَ ، لَيْسَ عَلَى مَعْنَى تَشْبِيهِ الْمَخْلُوقِ بِالْخَالِقِ ، لِأَنَّ الْأَسَامِيَ قَدْ تَتَّفِقُ وَتَخْتَلِفُ الْمَعَانِي ، فَالنُّورُ : وَإِنْ كَانَ اسْمًا لِلَّهِ ، فَقَدْ يَقَعُ اسْمُ النُّورِ عَلَى بَعْضِ الْمَخْلُوقِينَ ، فَلَيْسَ مَعْنَى النُّورِ الَّذِي هُوَ اسْمٌ لِلَّهِ فِي الْمَعْنَى مِثْلَ النُّورِ الَّذِي هُوَ خَلْقُ اللَّهِ . قَالَ اللَّهُ - جَلَّ وَعَلَا - : يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ ، وَاعْلَمْ أَيْضًا أَنَّ لِأَهْلِ الْجَنَّةِ نُورًا ، يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ ، وَقَدْ أَوْقَعَ اللَّهُ اسْمَ النُّورِ عَلَى مَعَانٍ . وَرَبُّنَا - جَلَّ وَعَلَا - الْهَادِي ، وَقَدْ سَمَّى بَعْضَ خَلْقِهِ هَادِيًا ، فَقَالَ - عَزَّ وَجَلَّ - لِنَبِيِّهِ : إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ ، فَسَمَّى نَبِيَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هَادِيًا ، وَإِنْ كَانَ الْهَادِي اسْمًا لِلَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - . وَاللَّهُ الْوَارِثُ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ ، وَقَدْ سَمَّى اللَّهُ مَنْ يَرِثُ مِنَ الْمَيِّتِ مَالَهُ (وَارِثًا) ، فَقَالَ - عَزَّ وَجَلَّ - : وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ ، فَتَفَهَّمُوا - يَا ذَوِي الْحِجَا - مَا بَيَّنْتُ فِي هَذَا الْفَضْلِ ، تَعْلَمُوا وَتَسْتَيْقِنُوا أَنَّ لِخَالِقِنَا - عَزَّ وَجَلَّ - أَسَامٍ ، قَدْ تَقَعُ تِلْكَ الْأَسَامِي عَلَى بَعْضِ خَلْقِهِ فِي اللَّفْظِ - لَا عَلَى الْمَعْنَى - ، عَلَى مَا قَدْ بَيَّنْتُ فِي هَذَا الْفَصْلِ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَلُغَةِ الْعَرَبِ ، فَإِنْ كَانَ عُلَمَاءُ الْآثَارِ - الَّذِينَ يَصِفُونَ اللَّهَ بِمَا وَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ ، (وَبِمَا جَاءَ) وَعَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُشَبِّهَةً عَلَى مَا يَزْعُمُ الْجَهْمِيَّةُ الْمُعَطِّلَةُ ، فَكُلُّ أَهْلِ الْقِبْلَةِ إِذَا قَرَؤُوا كِتَابَ اللَّهِ ، فَآمَنُوا بِهِ بِإِقْرَارٍ بِاللِّسَانِ ، وَتَصْدِيقٍ بِالْقَلْبِ ، وَسَمَّوُا اللَّهَ بِهَذِهِ الْأَسَامِي - الَّتِي خَبَّرَ اللَّهُ بِهَا أَنَّهَا لَهُ أَسَامِي - وَسَمَّوْا هَؤُلَاءِ الْمَخْلُوقِينَ بِهَذِهِ الْأَسَامِي الَّتِي سَمَّاهُمُ اللَّهُ بِهَا هُمْ مُشَبِّهَةٌ ، فَعَوْدُ مَقَالَتِهِمْ هَذِهِ تُوجِبُ أَنَّ عَلَى أَهْلِ التَّوْحِيدِ الْكُفْرَ بِالْقُرْآنِ ، وَتَرْكَ الْإِيمَانِ بِهِ ، وَتَكْذِيبَ الْقُرْآنِ بِالْقُلُوبِ ، وَالْإِنْكَارَ بِالْأَلْسُنِ ، فَأَقْذِرْ بِهَذَا مِنْ مَذْهَبٍ ، وَأَقْبِحْ بِهَذِهِ الْوُجُوهِ عِنْدَهُمْ ، عَلَيْهِمْ لَعَائِنُ اللَّهِ ، وَعَلَى مَنْ يُنْكِرُ جَمِيعَ مَا وَصَفَ اللَّهُ بِهِ نَفْسَهُ فِي مُحْكَمِ تَنْزِيلِهِ ، وَالْكُفْرَ بِجَمِيعِ مَا ثَبَتَ عَنْ نَبِيِّنَا الْمُصْطَفَى - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِنَقْلِ أَهْلِ الْعَدَالَةِ مَوْصُولًا : إِلَيْهِ فِي صِفَاتِ الْخَالِقِ - جَلَّ وَعَلَا - .

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية