الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

أحكام خدمة الزوجة الثانية لأولاد زوجها، ومنعها من زيارة أهلها

السؤال

أنا امرأة متزوجة وحامل، وأعيش مع زوجي في الغربة بعيدًا عن أهلي. ولزوجي ابنتان من زواج سابق؛ الكبرى تعيش معنا معظم الوقت، أما الصغرى فلا تبقى معنا إلا لفترات محدودة. وللابنتين أمٌّ على قيد الحياة، لكن بسبب الخلافات بينها وبين زوجي، يتولى زوجي رعاية ابنته في كثير من الأوقات.
وأود أن أوضح أنني لا أكره ابنته، بل أحسن إليها، وأساعدها في طعامها ودراستها ورعايتها، وأعاملها بالرحمة والاحترام. لكنني أشعر بضغط، وظلم متكرر من زوجي؛ فكلما قصَّرتُ في أمر يتعلق بابنته بسبب الحمل أو التعب أو المرض، فسّر ذلك على أنه كراهية لها، أو رفض لوجودها، رغم أنني أوضح له أن السبب هو عدم قدرتي الصحية أو الجسدية في تلك اللحظة. وقد يحدث أحيانًا أن لا أستطيع الاستيقاظ صباحًا لتجهيزها للمدرسة، فيتولى هو ذلك، ثم يلومني ويعتبر تقصيري دليلًا على أنني لا أريد ابنته. وهذا يشعرني بأنني مطالبة دائمًا بإثبات محبتي لها، حتى في أوقات التعب والعجز.
كما أن زوجي يصر على بقائي معه، لا من أجل الحياة الزوجية فقط، بل لأنه يحتاج إلى وجودي للمساعدة في رعاية ابنته، ويخشى أن أذهب إلى أهلي فيتحمل مسؤوليتها وحده. وأنا لا أريد ترك زوجي أو هدم بيتي، وإنما أحتاج في هذه الفترة إلى الذهاب إلى أهلي للراحة والدعم النفسي والعائلي، خاصة أنني حامل وأعيش بعيدًا عن أسرتي.
فهل من العدل شرعًا أن يجعل الزوج بقاء زوجته معه مرتبطًا برعايتها لابنته؟ وهل رعاية زوجة الأب لأبناء زوجها واجب شرعي تأثم بتركه، أم أنها من باب الإحسان والتعاون وليست مسؤولية أصلية عليها؟ وهل يبقى الأب هو المسؤول شرعًا عن رعاية ابنته وتدبير شؤونها، خاصة أن لها أمًّا موجودة وإن كانت بينهما خلافات؟
وهل يجوز للزوج أن يمنع زوجته من زيارة أهلها أو الذهاب إليهم للراحة، أو أن يضغط عليها نفسيًا بحجة حاجته إليها لرعاية ابنته؟ وهل يجوز له أن يفسر عجزها أو تعبها على أنه كراهية لابنته رغم تصريحها بخلاف ذلك؟
كما قال لي زوجي في حالة غضب: «إذا ذهبتِ إلى أهلك فلن تعودي إليَّ»، وقال أيضًا: «إذا خرجتِ فستسمعين مني كلمة الطلاق»، دون أن يقول صراحة: «أنتِ طالق». فما حكم التهديد بالطلاق والتلويح به لإجبار الزوجة على البقاء أو منعها من الذهاب إلى أهلها؟ وهل يُعد ذلك من حق الزوج شرعًا أم من الظلم والضغط المحرم؟
جزاكم الله خيرًا.

الإجابــة

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، أما بعد:

فنشكرك على ما تقومين به من معاملة ابنة زوجك بالرفق والشفقة، وأنت تؤجرين عليه -بإذن الله تعالى- بالنية الحسنة. لكن ما تقومين به من مساعدة لها في شؤونها -كطعامها ودراستها-، هو من باب الإحسان والفضل، وليس من باب الواجب الأصلي، ونرجو أن تنالي عليه الأجر الجزيل من عند الرب الكريم، وهو -كما ذكرنا- من باب الفضل، وليس واجبًا عليك، ولا تُلزَم الزوجة إلا بما ألزمها به الشرع، ولا تأثم إن لم تقم به.

وإن كان زوجك يلومك إن حدث منك تقصير مع ابنته لأي سبب من الأسباب، ولا سيما ما ذكرت من ضغط الحمل والتعب؛ فليس ذلك من حقه، وليس له أن يتهمك بكراهيتك لابنته، بل الأولى به أن يحفظ لك الجميل الذي تقدمينه لابنته عند القدرة، فمن شأن الكرماء حفظ الجميل، كما قال تعالى: هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ [الرحمن: 60].

وهذا من الهدي النبوي؛ ففي الحديث الذي رواه أبو داود عن عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ومن صنع إليكم معروفًا فكافئوه، فإن لم تجدوا ما تكافئونه، فادعوا له حتى تروا أنكم قد كافأتموه.

وإن كان يشعرك بأنه يحتاج لوجودك معه من أجل رعاية ابنته فقط؛ فإن ذلك يتنافى مع حسن العشرة، والزوج مأمور شرعًا بأن يحسن عشرة زوجته، قال الله سبحانه: وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ [النساء: 19].

ونرجو أن يسود بينكما التفاهم، والاحترام، وأن يعرف كل منكما ما للآخر عليه من الحق، ومن المنزلة والمكانة، وبذلك تقوى الألفة والمودة.

والأب هو المسؤول عن ابنته فيما تحتاج إليه من النفقة، والرعاية، والخدمة، وليس له أن يُلقي عبء مسؤولية ابنته على زوجته الثانية، إلا أن تشاء بطيب نفس منها.

والعلماء وإن اختلفوا في حكم منع الزوج زوجته من زيارة أهلها، إلا أنهم -فيما يظهر- لم يختلفوا في أن للزوج منعها في حال بُعْد المسافة والحاجة للسفر.

قال الحافظ ابن حجر في الفتح: ونقل ابن المنذر الإجماع على أن للرجل منع زوجته من الخروج في الأسفار كلها، وإنما اختلفوا فيما كان واجبًا. انتهى.

ويمكن للزوجة أن تكتفي بالتواصل الهاتفي صوتيًا، أو بالرؤية، وتتفاهم مع زوجها في أن يوفر لها خادمة تعينها في الخدمة، وينبغي لزوجها أن يعينها في ذلك، وقد نص أهل العلم على أن المرأة إن كانت عاجزة عن الخدمة بسبب المرض ونحوه؛ فعلى زوجها أن يوفر لها من تخدمها.

وننبه على أهمية التعامل بين الزوجين، وحل خلافاتهما بالحكمة، والتغاضي عما يمكن التغاضي عنه من حق أحدهما على الآخر، وبالاحترام المتبادل بينهما، ومعرفة كل منهما للآخر قدره ومكانته، وأن لا يجعلا للشيطان مدخلًا للخصام والشقاق؛ فقد يترتب على ذلك ما يوجب الندم.

ولا ينبغي للزوج أن يستعمل التهديد بالطلاق وسيلة للضغط على زوجته في أي أمر من الأمور؛ فإن ذلك مما يتنافى مع ما سبق ذكره من التوجيه الرباني في حسن المعاملة.

وينبغي أن يسود بين الزوجين الحوار في إطار الاحترام، والعمل على ما يعين على استقرار الأسرة، وأن يكون بينهما التعاون.

وتراجع لمزيد الفائدة الفتويين: 7260، 398122.

والله أعلم.

مواد ذات صلة

الفتاوى

الصوتيات

المكتبة

بحث عن فتوى

يمكنك البحث عن الفتوى من خلال البريد الإلكتروني



 
 
 
 
فتاوى إسلام ويب - QR Code

فتاوى إسلام ويب