الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

بسبب الوسواس القهري أصبحت أخاف على ديني، فما توجيهكم؟

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أخي الكريم، لدي سؤال بخصوص الوسواس القهري، وأرجو أن تعطيني إجابة مفصلة، وأن تعتبرني مثل ابنك أو أخيك، فالحمد لله، ابتليت بالوسواس القهري الديني، وأنا لست يائسًا، لكنني خائف على ديني، وأتناول العلاج وأتابع مع طبيب، لكن تحدث معي أمور تقلقني.

فمثلًا، عندما أود فعل شيء ما -مثل الأكل أو الشرب أو التحدث مع شخص- تأتيني في ذهني أفكار لا أستطيع النطق بها، ومضمونها أنني إذا فعلت ذلك الأمر، فسيكون ذلك لأنني أقصد شيئًا سيئًا، أي إن الأفكار في ذهني توحي إليَّ بأنني سأفعل ذلك لسبب لا أستطيع ذكره، مع أن نيتي ليست كذلك.

وأيضًا، عندما أقرأ القرآن وأشعر أنني أخطأت في آية، أود أن أعيدها، فتأتيني أفكار توحي إليَّ بأنني سأعيدها لسبب لا أستطيع ذكره، وإذا تجاهلتها، تأتيني أفكار أخرى تتحدث نيابة عني، وتقول إنني أتجاهلها لسبب سيئ.

في بداية الأمر، كنت أشعر بالقلق وأبكي، لكنني الآن نادرًا ما أشعر بالقلق، وأحيانًا أفعل الأشياء التي توحي إليَّ الوساوس بأنني أفعلها لسبب سيئ، مع أنني أعلم أنني لا أفعلها بالنية التي توحي بها الوساوس، بل تكون نيتي صافية، وأقول لنفسي: ما الخطأ في أن آكل أو أشرب الماء الآن، أو أذهب لإعداد القهوة مثلًا؟

وأحيانًا أخاف من الوساوس وأؤجل الأمر؛ لأن أفكارًا تأتيني وتقول لي: هل تريد أن تخسر دينك -والعياذ بالله- بسبب شيء تافه، مثل شرب الماء أو الأكل أو ما شابه ذلك؟ فأمتنع عن الفعل، وأنا لم أنطق بهذه الكلمات، والحمد لله، لكنني خائف من أن تكون أفعالي خاطئة.

فأرجو أن تخبرني: هل ما أفعله هو الصواب، أي أن أفعل ما أريد ما دام ليس حرامًا، وأتجاهل الوساوس وأفكارها، أم ماذا ينبغي لي أن أفعل؟ وهل ما زلت على الإسلام إلى الآن؟ وهل يمكن أن أقع في الكفر رغم كرهي له؟

أرجو أن تعتبرني مثل ابنك أو أخيك، وأعطني إجابة مفصلة، وجزاكم الله خيرًا، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ محمد حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

نرحب بك في استشارات إسلام ويب.

لقد اطلعت على رسالتك بعناية وتمعّن، وسأقوم بتوجيهك ببعض الإرشادات النافعة بإذن الله تعالى، كما أن فضيلة الشيخ الدكتور أحمد سعيد الفودعي -حفظه الله- سيقدم لك التوجيه الإسلامي والسلوكي الذي أثق تمامًا بأنه سيكون ذا أثر وفائدة عظيمين لك.

أيها الفاضل الكريم، بالفعل الذي لديك هو وسواس، والإشكال الذي لديك هو أنك تدخل في حوارات وسواسية، نعم، وهذا هو الذي يؤدي إلى ما تعاني منه من معاناة مع الوسواس.

أنت طلبت أن تكون الإجابة مفصلة، بمعنى أنك كأنك تريدنا أيضًا أن ندخل في حوار وسواسي، نحن نعطيك الإجابة المفيدة والإجابة الصارمة لمقاومة الوسواس؛ أولًا: يجب ألا يكون الوسواس جزءًا من حياتك، يجب أن تتخذ هذا القرار.

ثانيًا: الأفكار الوسواسية يجب ألَّا تحاورها، ولا تخضعها للمنطق؛ لأنه لا منطق فيها، إنما تحقرها وتتجاهلها وتستبدلها بأفكار جميلة ومحببة إلى نفسك، وهذا نسميه بصرف الانتباه، وهو من أفضل علاج هذا النوع من الوسواس، وسيغلق تمامًا باب الحوارات الوسواسية التي تهيمن عليك.

طبعًا علاج التنفير أيضًا من العلاجات الممتازة، وأنا أعتقد أنك قد تكون قد اطلعت عليه، والتنفير يعني أن تأتي بالفكرة الوسواسية لفترة قصيرة جدا، ثم تقوم بإدخال شيء منفر، مثلا تتصور أن طائرة احترقت أمامك، وتربط هذه الفكرة المؤلمة بفكرة الوسواس، دون أن تدخل في تفاصيل أو حوار.

أو تمرين آخر يمكنك أن تضرب على سطح الطاولة بقوة وشدة حتى تشعر بالألم، وتربط هذا الألم بالفكرة الوسواسية، دون أن تدخل في تفاصيلها أو تحاورها أو تحللها.

هذا التمرين يكرر عشرين مرة متتالية، علماء السلوك وجدوا أن الأشياء المتنافرة لا تلتقي، إذًا الفكرة الوسواسية لا يمكن أن تلتقي مع إدخال الألم أو إيقاع الألم على النفس، ومن ثم ستتقلص الفكرة الوسواسية حتى تختفي، هذه التمارين طبقها بجدية وهي مفيدة جدا.

طبعًا العلاج الدوائي مهم في حالة الوسواس الفكري، أنت لم تذكر الأدوية التي تتناولها، الذي فهمته أنك قد ذهبت إلى الطبيب، ونحن نعرف أن العلاج الدوائي علاج أساسي للوساوس الفكرية، والحمد لله تعالى توجد عدة أدوية مفيدة جدا، لدينا أدوية الخط الأول وأدوية الخط الثاني وأدوية الخط الثالث، نعم.

فيأيها الفاضل الكريم أرجو أن تفيدني أيضًا باسم الدواء الذي تتناوله حتى أبدي ملاحظاتي عليه، وإن كنتَ لا تتناول دواءً فسوف أصف لك الدواء المطلوب.

بارك الله فيك، وجزاك الله خيرًا، وبالله التوفيق والسداد.

********************************************************************
انتهت إجابة الدكتور محمد عبد العليم، استشاري أول الطب النفسي وطب الإدمان.
وتليها إجابة الشيخ الدكتور/ أحمد سعيد الفودعي، مستشار الشؤون الأسرية والتربوية.
********************************************************************

مرحبًا بك -ولدنا الحبيب- في موقع استشارات إسلام ويب.

أولًا، نسأل الله تعالى أن يُعجِّل لك بالعافية من هذه الوساوس، ويصرف عنك شرها.

وقد أفادك الدكتور محمد عبد العليم -حفظه الله- بتوجيهات نفسية وعلاجية مهمة، أحسنتَ بعرضها والاستفادة منها، فقد أوضح لك طبيعة الوسواس، ونبَّهك إلى ضرورة عدم الدخول في حوارات وسواسية أو محاولة إخضاع الأفكار الوسواسية للمنطق، مع أهمية تحقيرها وتجاهلها وصرف الانتباه عنها إلى أفكار جميلة ومحببة إلى نفسك، كما أشار إلى أهمية العلاج الدوائي ومتابعته مع الطبيب المختص.

ونحن نؤكد ما ذكره الدكتور، ونضيف إليه بعض التوجيهات الشرعية والسلوكية التي تعينك -بإذن الله تعالى- على مقاومة هذه الوساوس والتخلص منها.

وقد أحسنت -ولدنا الحبيب- حين أخذت بالأسباب في مدافعة هذه الوساوس، ومن ذلك أن توجَّهت للطبيب، فالوسوسة من جملة الأمراض التي قد يصاب بها الإنسان، والمرض يُدفع بالتداوي، كما قال الرسول ﷺ: «مَا أَنْزَلَ اللَّهُ دَاءً إِلَّا أَنْزَلَ لَهُ دَوَاءً، عَلِمَهُ مَنْ عَلِمَهُ، وَجَهِلَهُ مَنْ جَهِلَهُ»، وقال: «تَدَاوَوْا عِبَادَ اللَّهِ».

ومن مداواة الوساوس -أيها الحبيب- الدواء الشرعي الروحي، وهو جزء مهم جدًّا في مدافعة الوسوسة والتغلُّب عليها بإذن الله تعالى، فنحن ننصحك بالأخذ بالمسارين جميعًا، بأن تأخذ بالأسباب الحسِّية المادية، فتتابع الطبيب، وتعمل بتوجيهاته، وتتناول الأدوية التي يصفها لك.

وبموازاة ذلك، أن تأخذ بالتوجيهات النبوية التي سنذكرها لك، فإنها سبب قاطع لهذه الوساوس بإذن الله تعالى، وهذه التوجيهات النبوية قد لخَّصها الرسول ﷺ في ثلاثة توجيهات مهمة، ويزيد العلماء عليها توجيهًا رابعًا.

•• التوجيه الأول: اللجوء إلى الله تعالى والتوجه إليه حينما تداهمك الأفكار الوسواسية، فدائمًا عوِّد نفسك أنه كلما جاءتك هذه الأفكار قُل: «أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ»، وأكثِر من هذا دائمًا، فكلما داهمتك أفكار وسواسية، قل هذه الكلمة التي تدل على اعتصامك بالله ولجوئك إليه.

•• والتوجيه الثاني: الإعراض الكامل عن هذه الوساوس، والتجاهل لها والتحقير من شأنها، ومن هذا التجاهل: ألَّا تبالي بها أبدًا، ولا تخف ممَّا يأتيك من أفكار توحي إليك بأنك تخسر دينك لو لم تفعل ما تطلبه منك هذه الوساوس، بل تجاهلها تمامًا، وافعل ما تحتاج إليه من الأفعال، من أكلٍ أو شُربٍ، أو غير ذلك، فكل ما تحتاج إليه من الأشياء المباحة لا تستجب للوسواس في الامتناع عنه.

ولا تستجب لفكرة أنك إن امتنعت عنه خسرت دينك، فلا تستجب لهذا الوسواس ولا تتفاعل معه، بل حقِّره وقل: «هذه أفكار وسواسية حقيرة»، فإذا تجاهلته تمامًا وأعرضت عنه، فإنك ستجد نفسك -بإذن الله تعالى- تتخلص من هذه الوسوسة قليلًا قليلًا، إلى أن تقتلعها منك تمامًا، فهذا التجاهل هو الدواء القاطع للوسواس.

وفي هذين التوجيهين يقول الرسول ﷺ لمن ابتُلي بشيء من الوساوس: «فَلْيَسْتَعِذْ بِاللَّهِ وَلْيَنْتَهِ»، ومعنى «يَنْتَهِ»؛ أي يُعرض عنها تمامًا، ويحقِّرها ويتجاهلها، وهذا يحتاج منك إلى شيء من الصبر، ولكن الصبر دائمًا عواقبه حميدة، وقد قال الشاعر: «الصَّبْرُ مِثْلُ اسْمِهِ مُرٌّ مَذَاقَتُهُ *** لَكِنْ عَوَاقِبُهُ أَحْلَى مِنَ الْعَسَلِ».

وأنت قد بدأت -أيها الحبيب- بالفعل بتجاهل هذه الوساوس، ولكن جاءتك الوساوس من باب آخر، وهو التخوف من أن هذا التجاهل سيؤدي إلى خسارة دينك، هذا الوسواس الثاني أيضًا الواجب عليك أن تتجاهله، وألَّا تتفاعل معه أبدًا. وممَّا يعينك على هذا التجاهل -أيها الحبيب- أن تدرك أن هذه الوساوس مصدرها الشيطان، والله لا يحب منك أن تتابع الشيطان، قال سبحانه وتعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ}.

•• التوجيه النبوي الثالث: التحصُّن الدائم بذكر الله تعالى، فحاول أن تذكر الله تعالى في كل أوقاتك، وهناك أذكار موزَّعة خلال اليوم والليلة، داوم على هذه الأذكار: أذكار النوم والاستيقاظ، وأذكار دخول الخلاء والخروج منه، وأذكار ما بعد الصلوات، وأذكار الصباح والمساء، وأذكار اللبس للثوب.

وهكذا عوِّد نفسك الإكثار من ذكر الله تعالى، واجعل ضمن برنامجك اليومي قراءة شيء من القرآن الكريم، وحافظ على طهارتك ما استطعت، فكل هذه -أيها الحبيب- أسباب شرعها الله تعالى لمدافعة هذا الوسواس، وسيجعلها الله تعالى سببًا لانتصارك عليه.

•• ويضيف العلماء توجيهًا رابعًا، وهو مهم أيضًا، وهو أن تشعر بالفرح والسرور، وأن تدافع ما قد يحاول الوسواس أن يغرسه فيك من الحزن والقنوط ونحو ذلك، فإن الشيطان حريص على أن تعيش حزينًا، كما قال الله تعالى: {إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا}. فإذا رآك الشيطان حزينًا فرحَ وتسلَّط عليك، وإذا شعرت بالفرح والسرور فإن هذا يطرد عنك الشيطان، والسبب في هذا، والبعث عليه، هو أن تعلم أن وجود الوسواس وابتلاءك به، مع كراهيتك له ونفورك منه وخوفك على دينك، كل ذلك يدل على وجود الإيمان في قلبك.

فإذا استحضرت هذا المعنى العظيم، وهو أن كراهيتك لهذه الوساوس إنما نشأت عن وجود إيمان في قلبك، أدركت أن هذه شهادة من الرسول ﷺ، فقد جاء إليه بعض الصحابة يشتكي إليه وساوس في صدره يكره أن ينطق بها، فقال له عليه الصلاة والسلام: «ذَاكَ صَرِيحُ الْإِيمَانِ». أي إن كراهيتك لهذه الوساوس وخوفك منها دليل على وجود الإيمان في القلب، الذي يخالف هذه الوساوس ويناقضها، فإذا استحضرت هذا المعنى -أيها الحبيب- شعرت بالفرح والسرور، وبذلك تعين نفسك على التخلص من هذه الوساوس.

هذا هو البرنامج الذي ينبغي أن تتبعه بالتفصيل، نسأل الله -سبحانه وتعالى- أن يعينك عليه، وأن يثبتك عليه، وأن يُعجِّل لك بالعافية والشفاء.

وبالله التوفيق والسداد.

مشاركة المحتوى

مواد ذات صلة

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



 
 
 

الأكثر مشاهدة

الأعلى تقيماً