الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تجاوزت الحدود مع شاب أحببته ثم توفاه الله، فكيف أكفر عن ما حدث؟

السؤال

السلام عليكم.

أنا آنسة، عمري 33 سنة، تمت خطبتي لشخص منذ أكثر من 13 سنة، ثم تم فسخ خطبتي بعدها بـ 3 أشهر، ثم بعد ذلك انقطع التواصل بيننا لمدة أكثر من 10 سنوات، حتى تقابلنا مرة أخرى منذ سنة إلا شهرين، وكانت بيننا محادثات ومحاولات للارتباط، ولكن لم يشأ الله أن يحدث ذلك مرة أخرى.

وفي خلال علاقتنا ببعض، حدثت بيننا بعض التجاوزات، ولكني ما زلتُ بنتاً، ثم بعد ذلك تبنا إلى الله، وتعرضت لأزمة صحية دخلت على إثرها الرعاية، وابتعدنا عن بعضنا البعض، ثم توفاه الله منذ 3 أيام، وأنا الآن في حزن وصدمة شديدة.

سؤالي: ماذا أفعل حتى يغفر الله لي وله ذنبنا؟ وكيف أستطيع أن أخرج من هذه الحالة والاكتئاب والحزن الشديد؟

مع العلم أننا في فترة ارتباطنا كانت توجد مشاكل بيننا نتيجة أنه كان متذبذبًا جداً، ثم بعد ذلك اكتشفت أنه تزوج، مما أثر على حالتي النفسية جداً، وكان السبب في تعبي، وبعد ذلك عرفت ليلة الوفاة أنه طلّق قبل الوفاة بشهر.

أشعر الآن بحالة من التشتت والحزن الشديد والاكتئاب، مع أني أعمل بوظيفة مرموقة، وليس لدي القدرة على التركيز في عملي.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

أسأل الله تعالى أن يربط على قلبكِ، ويذهب عنكِ الحزن والاضطراب، وأن يغفر لكِ وله، ويرحمه رحمة واسعة. من الجيد -أختي- أنكِ رغم حزنكِ تسألين عما ينفعكِ وينفعه عند الله تعالى، وتريدين تصحيح ما مضى.

أختي الكريمة، بداية التجاوزات التي حدثت بينكما لا يبررها طول الحب، أو الخطبة القديمة، أو الأمل في الزواج، بل الواجب الاعتراف بالخطأ، والتوبة منه، دون استصغاره، أو اليأس من رحمة الله تعالى.

والتوبة النصوح تكون: بالندم على الذنب، والإقلاع عنه، والعزم الصادق على عدم العودة إليه، قال تعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ [الزمر: 53]، وقال سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ﴾ [البقرة: 222]، فجددي توبتكِ، وأكثري من الاستغفار، وحافظي على الصلاة، ولا تعودي إلى العلاقة المحرمة، أو إلى أي علاقة مستقبلية تتجاوز حدود شرع الله تعالى، ولا تحكمي على مصيركِ أو مصيره عند الله تعالى؛ فباب التوبة مفتوح، والله سبحانه أرحم بعباده وأعلم بصدق توبتهم.

أما هو، فادعي له بالمغفرة والرحمة، كما تدعين لسائر المسلمين، وتصدقي عنه إن تيسر لكِ ذلك، ولا تحمّلي نفسكِ مسؤولية ما لا تعلمينه عن خاتمته، بل فوّضي أمره إلى الله تعالى الكريم.

أما كيف تتعاملين مع الحزن والصدمة؟ فأوصيك:

• خففي الضغط عن نفسكِ في العمل مؤقتًا: بما أنكِ تعانين من ضعف التركيز، رتبي أولوياتكِ، وابدئي بالمهام الضرورية، وخذي استراحة عند الحاجة، وإن أمكن، اطلبي إجازة قصيرة أو تخفيفًا مؤقتًا للأعباء.
• لا تعزلي نفسكِ: تحدثي مع من تثقين بها، واجلسي مع أهلكِ أو صديقة قريبة، وحافظي على النوم والطعام والحركة اليومية قدر المستطاع.
• توقفي عن تتبع تفاصيل حياته الماضية أو إعادة تحليل كل ما حدث، معرفتكِ بأنه تزوج ثم طلق قبل وفاته قد تثير أسئلة كثيرة، لكنكِ لن تستطيعي الآن الحصول على إجابات عن كل شيء، وقد يزيد البحث من ألمكِ بدل أن يخففه.
• لا تتخذي قرارات مصيرية وأنتِ في ذروة الصدمة: أعطي نفسكِ وقتًا لاستيعاب الوفاة، ثم عودي تدريجيًا إلى روتينكِ وحياتكِ.

وإذا استمر الحزن بصورة تعطل حياتكِ، أو ازدادت صعوبة التركيز والنوم، أو شعرتِ أنكِ عاجزة عن أداء مهامكِ المعتادة، فاستعيني بأخصائية نفسية، لا تنتظري حتى يشتد الأمر؛ فالفقد المفاجئ والمشاعر المعقدة المصاحبة له قد تحتاج إلى مساندة متخصصة.

وأنبِّهك أختي الكريمة: ألا تضيّعي النعم الموجودة في حياتكِ بسبب ما فقدتِه: كونكِ تعملين في وظيفة مرموقة نعمة تستحق الحمد والمحافظة عليها، وليس معنى ذلك أن تتجاهلي حزنكِ أو تجبري نفسكِ على الإنتاج كأن شيئًا لم يحدث، اجمعي بين الأمرين: اعترفي بألمكِ، وخذي وقتكِ في التعافي، وحافظي على عملكِ ومستقبلكِ قدر استطاعتكِ.

وتذكري أن الحزن لا يعيد من فقدناه، وأن ما كان بينكما قد انتهى بانتهاء الحياة، يلزمك منها التوبة والاستغفار، وعدم ربط المستقبل بانتظار إجابات من الماضي، اجعلي ما مررتِ به سببًا لتصحيح مساركِ، وحفظ قلبكِ وحدودكِ الشرعية في أي ارتباط قادم وفق مراد الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم.

أسأل الله تعالى أن يغفر لكِ وله، ويرحمه ويعفو عنه، ويرزقكِ سكينةً بعد اضطراب، وأملًا بعد حزن، وزواجًا صالحًا يملأ حياتكِ مودةً واستقرارًا، ويجعلكِ من التائبين الصادقين الذين أحسنوا الرجوع إليه.
___________________________________________
انتهت إجابة الدكتور/ أحمد سعيد الهجري -استشاري تربوي-.
وتليها إجابة الدكتور/ إبراهيم أحمد عطية -أخصائي نفسي اجتماعي-.
______________________________________________

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

نشكر لكِ طلب الاستشارة من موقع إسلام ويب، ونقدّر حرصكِ على التعافي والرجوع إلى الله وطلب مغفرته، لقد مررتِ بتجربة عاطفية قديمة تجددت آمالها قبل أن تنتهي بوفاة مفاجئة، ومن الطبيعي أن تشعري بالحزن والارتباك، خاصةً مع ما بقي في نفسكِ من مشاعر وذكريات وأسئلة لم تجدي لها إجابات.

إن شعوركِ بالتشتت والحزن الشديد وصعوبة التركيز في العمل قد يرتبط بصدمة الوفاة وما صاحبها من ندم ومشاعر متداخلة، وليس معنى ذلك ضعف إيمانكِ، أو عجزكِ عن تجاوز المحنة. لذا ننص بأن تمنحي نفسكِ وقتًا لاستيعاب الفقد، ولا تلوميها على الحزن؛ فالتعافي قد يكون تدريجيًّا في مثل هذه المواقف، والله تعالى يعين من لجأ إليه واستعان به.

وللتخفيف عن نفسكِ، احرصي على ثلاثة أمور:

- التعبير عن مشاعركِ: تحدثي مع شخص حكيم تثقين به، أو اكتبي ما تشعرين به، وتجنبي العزلة والاستغراق المستمر في ذكريات الماضي.
- استعادة التوازن: حافظي على النوم والطعام والحركة اليومية، ونظّمي مهام العمل بحسب الأولوية، وخففي الضغط عن نفسكِ مؤقتًا حتى تستعيدي تركيزكِ تدريجيًّا.
- التطلع إلى المستقبل: لا تجعلي هذه التجربة تختصر حياتكِ أو تحرمكِ الأمل؛ فما زالت أمامكِ فرص لبناء حياة مستقرة، والاستفادة مما مررتِ به في اختياراتكِ القادمة.

وتذكري أن الصبر لا يعني ألا تحزني، بل أن تستعيني بالله وأنتِ تمرين بالحزن، وتأخذي بالأسباب التي تعينكِ على تجاوزه، قال تعالى: (أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ) سورة الرعد: 28.

وإذا استمر الحزن الشديد وصعوبة التركيز، أو أصبحا يعوقان حياتكِ وعملكِ، فلا تترددي في الاستعانة بمعالجة نفسية؛ فطلب المساعدة من الأخذ بالأسباب، وقد يعينكِ على تجاوز صدمة الفقد واستعادة توازنكِ.

أسأل الله أن يشرح صدركِ، ويخفف عنكِ ألم الفقد، ويرزقكِ السكينة والطمأنينة، ويفتح لكِ أبواب الخير والأمل.

مشاركة المحتوى

مواد ذات صلة

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



 
 
 

الأعلى تقيماً