الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

ليس لدي ثقة في نفسي وأشعر بأن عقلي لم ينضج بعد، فما توجيهكم لي؟

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

الآن لقد دخلت سن الثامنة عشرة، وحرفيًا أشعر باختناق كبير، ولا أعلم لماذا يحدث لي هذا؟ ولكنني أبكي يوميًا بسببه.

أشعر أنني لست مستعدة بعد لدخول العشرين، وأشعر أن عقلي لم ينضج ليكون مناسبًا لسن 18، حرفيًا ما زلت طفلة وساذجة، لا أشعر أبدًا أنني أتماشى مع أقراني في تفاهتهم أو نضجهم، وبسبب أنني معزولة في البيت كثيرًا، فأول ما أخرج للدروس وأرى الفتيات أشعر وكأنهن من عالم آخر، فالفتيات كبرن قليلًا وأصبحن أكثر إدراكًا لتحمل المسؤولية، أو فكرة الزواج والبيت والأطفال، بينما أنا لا أستطيع أن أستوعب حتى أن أكلم شابًا!

الشيء الوحيد الذي أحمد ربي عليه أنه ليس لدي اهتمام بالشباب أصلًا؛ لأنني أشعر أنني أصغر من أن أفعل ذلك بالحلال أو بالحرام -أستغفر الله-.

أنا لست مستعدة لأي شيء، عقليتي ما زالت صغيرة ومحدودة وقصيرة، وشكلي طفولي وأبله جدًا على أن أكون آنسة في الثامنة عشرة، وفي الوقت نفسه لا أستمتع بمرحلتي العمرية، فلا أخرج، وليس لدي أصدقاء أندمج معهم.

دائمًا أفكاري سلبية، إذا حدث شيء جيد أشعر أنني لا أستحقه وأبكي، لدي بعض التصرفات الطفولية، ووالدي وإخوتي يطلقون علي ألقابًا سخيفة، لم أتعلم حتى كيفية تحمل مسؤولية حقيقية، ولا أستطيع تخيل نفسي أنجب أطفالًا وأهتم بهم، ومنذ صغري وأنا خائفة من هذا: كيف سأستطيع الاهتمام بالأطفال، والدخول في مرحلة الكبار وأنا أشعر أن حياتي لم تبدأ، ولم أستمتع بأي مرحلة، ولم أحصد أي تجارب؟!

أحيانًا أشعر بالغيرة من أختي، عندما تكون في مرحلة تقضي فيها وقتها بما يتناسب مع عمرها، فعلًا كانت تلك أسوأ فترة في حياتي، وأنا أنانية جدًا بالفعل، لا أستطيع الطبخ، ماذا أفعل في حياتي؟ لا أعلم!

وما سأتحدث عنه شيء آخر: أنا قبيحة داخليًا وخارجيًا، وليس لدي أي ثقة في نفسي، وليس لدي أي ميزة ولو واحدة فقط، فكلي عيوب، وتحيط بي أفكار سوداوية، وأنا عابدة سيئة حقًا، أفعل المعصية، وبعد ذلك أبحث كيف أدخل الجنة! ليس لدي قبول، تفكيري غبي، شخصيتي ضعيفة، لا أفعل أي شيء للآخرين ولا لنفسي، وأنا فعلًا شخص سيء، أفكر في أشياء سيئة جدًا!

أحيانًا أغار من أختي الصغرى؛ لأنها تبدو أنضج وأكبر وأجمل مني، بل كل فتيات العائلة هكذا! أفكر: هل ربما أغار إذا تزوجن؟ أو ربما أخرب خطبة أختي بفعل شيء سيء؟ من سيتقدم لي أصلًا؟ هل سأتزوج أصلًا؟ فالخاطب حين يجد فتاة يجد فيها مميزات وعيوبًا فعلًا، ولكن أنا مليئة بالعيوب والكآبة، فمن العاقل الذي سيختارني؟!

حرفيًا أفكر فقط في كل هذا وأزداد كراهية لنفسي، رغم أنني لم أفكر في الزواج، كنت أريد منذ صغري ألا أكون حقودة، ولكنني أشبههم كلما كبرت!

لقد اشتكيت حتى للذكاء الاصطناعي، فساعدوني.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ ديلارا حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

نشكر لك طلب الاستشارة من موقع إسلام ويب، وحرصك على فهم نفسك والتخلص من المشاعر التي تؤلمك، وفي عمر الثامنة عشرة، لا يزال الإنسان في مرحلة بناء شخصيته، واكتساب الخبرات، وتحمل المسؤولية تدريجيًا، فلا يلزم أن تكوني قد نضجتِ في كل الجوانب، أو أن تتشابهي مع قريناتك في الاهتمامات والتجارب.

إن شعورك بالاختناق والبكاء المتكرر قد يرتبط بالقلق من المستقبل، وكثرة المقارنة بالآخرين، والعزلة، وتراكم الأفكار السلبية، ويبدو أنك تحاكمين نفسك بقسوة، وتصفينها بصفات شديدة السلبية حتى أصبحتِ ترين عيوبك، وتغفلين ما لديك من جوانب إيجابية، تذكّري أن تكرار وصف نفسك بالسذاجة والفشل لا يجعله حقيقة، بل قد يزيد إحباطك ويضعف ثقتك بنفسك، فتعلمي أن تنظري إلى نفسك بإنصاف، وأن تفرّقي بين خطأ يمكن إصلاحه، وصفة تحكمين بها على شخصيتك كلها.

أما الغيرة من أختك أو فتيات جيلك، فلا تجعليها سببًا لاتهام نفسك بالأنانية أو سوء الخلق، فالمشاعر قد تظهر دون اختيار، وإنما العبرة بكيفية التعامل معها، استعيني بالله، وتمني الخير لهن، وادعي لهن بالبركة، واجعلي ما يعجبك فيهن دافعًا لتطوير نفسك بدلًا من التقليل من شأنها، وإذا أخطأتِ أو وقعتِ في معصية، فتوبي واستغفري، ولا تجعلي الذنب سببًا لليأس من رحمة الله، فباب التوبة مفتوح.

ولا تستعجلي التفكير في الزواج والأمومة، أو الحكم على قدرتك عليهما الآن، فهذه مسؤوليات تُكتسب مهاراتها مع الوقت، وليس مطلوبًا منك إتقان الطبخ أو تحمل جميع المسؤوليات قبل أوانها، كما أن توقعك أنك لن تجدي من يقبلك، أو أنك قد تغارين مستقبلًا حتى تفسدي فرحة أختك، مجرد مخاوف واحتمالات وليست حقائق، فلا تحاسبي نفسك على أحداث لم تقع، بل اهتمي بما يمكنك تحسينه اليوم.

وعلى الجانب العملي: ابدئي بتقليل العزلة تدريجيًا، واختاري نشاطًا تحبينه، أو صحبة صالحة ترتاحين معها، وتعلمي مهارة منزلية بسيطة كل أسبوع، وخصصي وقتًا للحركة والاهتمام بدراستك، واكتبي أفكارك السلبية، ثم اسألي نفسك: ما الدليل على صحتها؟ وهل أحكم على نفسي كما أحكم على صديقة أحبها؟ واطلبي من والديك وإخوتك بلطف التوقف عن الألقاب التي تؤذيك، واستعيني بشخص تثقين به إذا صعب عليك التعبير عن مشاعرك.

وقوّي صلتك بالله بالمحافظة على الصلاة في وقتها، والأذكار، وتلاوة القرآن مع تدبر معانيه، مع الإكثار من الاستغفار والدعاء، ولا تجعلي العبادة مرتبطة بشعورك بالرضا عن نفسك، بل تقربي إلى الله في أوقات الضيق والضعف كما تفعلين في أوقات الراحة.

وختاماً: لا تجعلي الذكاء الاصطناعي مرجعك لفهم نفسك، أو الإجابة عن كل مخاوفك، فقد يقدم أفكارًا عامة لا تناسب حالتك، كما أنه لا يغني عن الدعم الإنساني أو التقييم المتخصص، وبما أن لديك بكاءً متكررًا، واختناقًا نفسيًا، وكراهية شديدة لذاتك؛ فمن المهم أن تتحدثي مع شخص بالغ تثقين به، وأن تستعيني بأخصائية نفسية إذا استمرت هذه المشاعر أو أثرت في حياتك اليومية، فهذا طلب للمساعدة وليس ضعفًا.

أنتِ لست مطالبة بأن تصبحي شخصًا آخر، بل أن تتعلمي وتتحسني خطوةً خطوة.

نسأل الله أن يشرح صدرك، ويرزقك الثقة والطمأنينة، ويعينك على رؤية نفسك بعين الرحمة والإنصاف.

وبالله التوفيق والسداد.

مشاركة المحتوى

مواد ذات صلة

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



 
 
 

الأعلى تقيماً