الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

زوجي يمر بأزمة مالية وأنا حامل.. ما التصرف الحكيم؟

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أنا امرأة تزوجتُ منذ سنة، وزوجي يعمل عملًا حرًّا، وفي الأشهر الأولى كان الأمر ميسرًا، وبعد مدة -ولأن المجال الذي يعمل فيه ليس مقننًا في بلدنا، لكنه حلال-، وبحكم البطالة وقلة فرص العمل، وكذلك لأنه ليست لديه شهادات، قرر العمل والمخاطرة، وكانت الأمور على ما يرام، لكن الله ابتلاه في هذه الفترة، وحجزوا على سيارته، والآن هو مكتئب.

وقبل المشكلة بأيام، اكتشفتُ أنني حامل في الشهر الأول، وكنا فرحين ومتحمسين؛ لأنني ممتنة لأن الله رزقني، فقد كنتُ خائفةً أن أكبر دون أطفال، وأتمنى أن يتم الله حملي على خير، لكن في الوقت نفسه خفتُ، وقلتُ: لماذا في هذا الوقت بالذات؟

أنا عاملة، وطيلة زواجي لم يسألني زوجي عن راتبي، ولا عما أفعله به، وكنتُ أقول: إن شاء الله، إذا رزقني الله بمولود، سأجلس في المنزل وأخصص له الوقت، خصوصًا أن أمي امرأة كبيرة، ولا أريد تعذيبها معي، لكنني الآن أشعر بأنني مضطرة إلى أن أعمل أكثر؛ لأعيل ابني، وأساعد زوجي على أعباء الحياة.

وفيما يخص زوجي، فقد قال لي إنه سينهي الإجراءات المتعلقة بسيارته، وسيعود للعمل في المجال نفسه، ويقول: إن الرزق بيد الله، والحياة مغامرة، ولن أبقى خائفًا، و{قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا}.

وحين أسمع هذا الكلام أقول: لعله خير، لكنني في الوقت نفسه أخاف، وأقول: ليت الله يرزقه رزقًا مستورًا ليس فيه مشكلات.

والآن أشعر بالضياع، وأخاف من الحياة والمسؤوليات، ولا أعرف هل أترك زوجي يعمل على نفسه كما يرى، أم أتكلم معه في موضوع العمل بجدية؟

مع العلم أنه إنسان يخاف الله، وجيد معي، ويريد لي حياةً مرتاحةً، لكن هذه الضائقة وقعت ولم تكن في الحسبان، وصرتُ أقول: ما ذنب هذا الطفل؟ وهل سنستطيع توفير حياة كريمة له؟

أرجو نصيحتكم، وجزاكم الله خيرًا.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ سلسبيل حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

أهلًا بكِ في موقعكِ إسلام ويب، ونسأل الله أن يتم حملكِ على خير، ويبارك لكما في مولودكما، ويفرج عن زوجكِ، ويفتح له أبواب الرزق الحلال.

أختنا الكريمة، قد اجتمع عليكِ في وقت واحد خبران متعاكسان في أثرهما على النفس: حمل انتظرتِه وفرحتِ به، ثم ضائقة أصابت عمل زوجكِ، وحُجزت بسببها سيارته، فتحولت فرحة الحمل إلى خوف من المستقبل.

وهذا من الابتلاء الذي يحتاج إلى صبر وحسن توكل، وما يصيب المؤمن من همٍّ وتعب لا يضيع عند الله إذا صبر واحتسب، لكن لا تنظري إلى توقيت الحمل وكأنه جاء في الوقت الخطأ؛ فالطفل الذي رزقكِ الله به نعمة يتمناها آلاف الناس، بل وينفقون عليها من أعمارهم وأموالهم ما يفوق الوصف، وتذكري أن الرزق موصول بهم، قال سبحانه: {نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ}.

فالذي قدر وجوده في هذا الوقت يعلم حالكما، وقدر رزقه قبل أن تعرفي أنتِ بحملكِ، وهذا لا يعني ترك التخطيط، وإنما يعني ألا يتحول التخطيط إلى خوف من رزق الله، ولكي تتعاملي مع هذه المرحلة بهدوء ننصحكِ بما يلي:

• أولًا: لا تقولي: «ما ذنب هذا الطفل؟»، فليس هناك ذنب ولا كارثة وقعت عليه، فالطفل يحتاج في بدايته إلى أب وأم مسؤولين، ورحمة، ورعاية، وتوفير حاجاته الأساسية، وليس شرطًا أن يولد في بيت اكتملت فيه كل أسباب الرفاهية.

وكم من طفل وُلد وأبواه في ضيق، ثم وسع الله عليهما بعد ذلك، ثم ماذا تقول من مات زوجها يوم ميلاد ولدها؟ بل ماذا تقول من ماتت وهي تلد، ومات أبوه بعد أيام؟ إنها دار ابتلاء -أختنا-، والله سبحانه يبتلي بحكمة، وكل سيأخذ حظه من البلاء لا محالة.

• ثانيًا: زوجكِ -كما تصفينه- رجل يخاف الله، ويحسن إليكِ، ولم يطمع طوال زواجكما في راتبكِ، ويريد أن يوفر لكِ حياةً طيبةً، فلا تجعلي أزمةً واحدةً تمحو هذه الصورة كلها، ووقوفكِ إلى جانبه الآن قد يكون من أجمل ما يحفظه لكِ بعد زوال المحنة.

• ثالثًا: التوكل على الله لا يعني تكرار المخاطرة نفسها دون مراجعة، وقوله تعالى: {قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا} حق عظيم، لكن الأخذ بالأسباب من التوكل أيضًا.

فإذا كانت طبيعة عمله تعرضه بصورة متكررة لحجز السيارة، أو خسارتها، أو المساءلات والمشكلات، فمن الحكمة أن تجلسي معه بهدوء وتسأليه: هل يمكن تنظيم العمل بطريقة أكثر أمانًا؟ وهل توجد صورة أخرى منه؟ وهل يمكن إيجاد مصدر دخل إضافي أو بديل بالتدريج؟

• رابعًا: لا يكن حديثكِ معه في صورة: «اترك هذا العمل فأنا خائفة»، بل قولي له: «أنا أثق بك، وأعرف أنك تريد مصلحتنا، لكن بعد الذي حدث، ومع قدوم الطفل، دعنا نفكر معًا كيف نجعل دخلنا أكثر استقرارًا»، وبذلك تكونين شريكةً له، لا خصمًا لمشروعه.

• خامسًا: لا تتخذي الآن قرار ترك عملكِ، فقد كنتِ تتمنين التفرغ لطفلكِ، وهذا أمر جميل، لكن الظروف تغيرت مؤقتًا، فاحتفظي بعملكِ في هذه المرحلة ما دمتِ تستطيعين، واجعلي راتبكِ سندًا لكم حتى يستقر دخل زوجكِ، وما تنفقينه على بيتكِ وطفلكِ باختياركِ تؤجرين عليه، مع بقاء الأصل أن نفقة الزوجة والولد على الأب بحسب قدرته.

• سادسًا: لا تحسمي الآن أيضًا أنكِ ستستمرين في العمل بعد الولادة إلى غير نهاية، فأمامكِ أشهر، وقد تتغير أحوال كثيرة قبل مجيء الطفل، وعندما يقترب موعد الولادة، أعيدا تقييم الوضع: دخل زوجكِ، وحاجتكما إلى راتبكِ، وإمكان التفرغ، ومن سيرعى الطفل، ولا تحملي اليوم هم قرار لم يأتِ وقته.

• سابعًا: رتبا أمور المال من الآن، فقللا المصروفات غير الضرورية، وادخرا من راتبكِ ما تستطيعان، ولا تدخلا في ديون من أجل تجهيزات الطفل وكمالياته، وافصلا بين ما يحتاجه فعلًا وما يشتريه الناس عادةً، فالبركة ليست في كثرة الأشياء.

ولا تجعلي خوفكِ من المستقبل يحرمكِ فرحة الحمل التي انتظرتِها، فأنتِ اليوم تحملين نعمةً كنتِ تخافين أن تكبري دون أن تُرزقي بها، فاحمدي الله عليها، وخذي بالأسباب، ودعي الغد لله، وتذكري قوله تعالى: {وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ}.

وقد يكون من حكمة هذه الضائقة أنها جاءت في وقت يدفعكما إلى إعادة ترتيب العمل والمال قبل أن تكبر مسؤوليات الأسرة، فلا تنظري إليها فقط باعتبارها بابًا أُغلق، فقد تكون سببًا في البحث عن باب أكثر استقرارًا.

نسأل الله أن يتم حملكِ على خير وعافية، ويرزقكِ مولودًا صالحًا معافًى تقر به أعينكما، ويفرج كرب زوجكِ، ويرد إليه ماله، ويبارك في سعيه، ويفتح له رزقًا حلالًا آمنًا واسعًا، ويبارك لكِ في عملكِ ومالكِ، ويجعل قدوم هذا الطفل قدوم خير وبركة وسعة على بيتكما، والله الموفق.

مشاركة المحتوى

مواد ذات صلة

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



 
 
 

الأعلى تقيماً