الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

هل أبقى في مكان يجرني للمعاصي، أم أنتقل لمكان آخر حفاظًا على ديني؟

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أنا أسكن في إحدى الدول الأوروبية، وقد كنتُ مبتعدًا عن الدِّين وعاصيًا مدة طويلة جدًّا. خلال السنتين الأخيرتين، كنتُ أحاول التوبة والعودة إلى الله بين فترة وأخرى، لكنني بعد شهر أو أكثر أعود إلى ما كنتُ عليه، وهكذا.

وفي المرة الأخيرة، لاحظتُ أنني عندما أكون في المنزل أصلي وأحافظ على الأذكار، لكن عند خروجي لمقابلة الأصدقاء، أو الذهاب إلى العمل، أو القيام بهذه الأمور، أعود إلى عاداتي السابقة، مثل المشاركة في حديث غِيبة، أو النظر المحرم.

ومع أنني أقول لنفسي ذلك، وأحاول ردعها، فإن الفعل يحدث أحيانًا قبل أن أفكر فيه؛ لأنه أصبح من العادات، ومع مرور الوقت أعود إلى حياة المعاصي التي اعتدتها، فأصبحتُ أحاول عدم الخروج من المنزل، والعمل من البيت، لكن هذا يسبب لي أيضًا مشكلات نفسية وشعورًا بالوحدة.

حاولتُ البحث عن الصحبة الصالحة، لكنني لم أجدها في محيطي أو في المكان الذي أعيش فيه، وعند خروجي من المنزل وارتكابي بعض الذنوب التي اعتدتها، يبدأ التفكير في أنني لن أستطيع الالتزام، وأن توبتي غير صادقة.

فكرتُ في الخروج من هذا البلد والذهاب إلى بلد مسلم، والبحث عبر الإنترنت عن عمل هناك؛ حتى أستطيع الانتقال، لكنني لم أجد عملًا حتى الآن.

▪ هل أسافر وأنتقل حتى إن لم أجد عملًا، حفاظًا على نفسي؟
▪ أم أنتظر، وآخذ بالأسباب؟ وإذا انتظرت، فما الحل للثبات وعدم العودة إلى المعاصي؟

جزاكم الله خيرًا.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ أحمد حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

مرحبًا بكَ -أخي الكريم- في موقعك استشارات إسلام ويب، وجوابي لكَ كالآتي:

** أولًا: الحمد لله تعالى الذي هداكَ وأعادكَ إلى طريق التوبة والإيمان، فهذا فضلٌ منه سبحانه أن وفقكَ للتوبة ويسّرها لكَ؛ فإنه قال: {ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ}، وأهم ما في رسالتكَ أنكَ تبتَ إلى الله تعالى، وهذا في حد ذاته مكسبٌ عظيمٌ، فالإنسان عرضةٌ للخطأ، ومعرفته بخطئه وتوبته إلى الله إنجازٌ كبيرٌ، فعليكَ بالثبات على توبتكَ النصوح.

فقد قال الله تعالى عن المسرفين في الذنوب والمعاصي: {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ}، وقال تعالى: {وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ}. بل إن الله -من سعة رحمته وعفوه وكرمه- يفرح بتوبة عبده إذا تاب إليه، كما جاء في حديث أنس -رضي الله عنه- أن رسول الله ﷺ قال: «لَلَّهُ أَفْرَحُ بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ حِينَ يَتُوبُ إِلَيْهِ...».

** ثانيًا: أمَّا عودتكَ إلى المعصية بعد التوبة، فاعلم أن الإنسان مهما ابتُلي بالذنب، فإن الله تعالى يقبل توبته متى تاب توبةً صادقةً، فإذا وقع في الذنب مرةً أخرى، فعليه أن يبادر إلى التوبة منه، ولا يجوز له أن يستسلم لليأس، قال الله تعالى: {وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}. وفي الحديث أن النبي ﷺ قال: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَوْ لَمْ تُذْنِبُوا لَذَهَبَ اللَّهُ بِكُمْ، وَلَجَاءَ بِقَوْمٍ يُذْنِبُونَ، فَيَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ، فَيَغْفِرُ لَهُمْ»، وقال ﷺ: «النَّدَمُ تَوْبَةٌ».

** ثالثًا: إذا كنتَ ترى نفسك ضعيفًا في التحكم بها، وأن مخالطتكَ لأصدقائك توقعكَ في الغيبة، أو أن خروجكَ من البيت يعرّضكَ للنظر المحرم، فيمكنك العمل بما يأتي:

▪ مواجهة الغيبة والحرص على اختيار الرفقة الصالحة، وذلك بإنكار الغيبة عند أصدقائك، والابتعاد عن المجالس التي يكثر فيها هذا الذنب، والبحث عن الصحبة الصالحة في المساجد والمراكز الإسلامية الموجودة في بلدك.

▪ الاستعفاف بالزواج أو الصيام، أما فتنة النظر المحرم، فمن أعظم أسباب السلامة منها الزواج، فهو عفاف للمسلم، ولا سيما في بلاد الفتن، وهذا ما يدل عليه حديث عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه-، قال: قال لنا رسول الله ﷺ: «يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ، مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ، فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ، وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ، فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ».

▪ التفكير في الانتقال إلى بيئة أكثر إعانةً على الاستقامة، فإن رأيتَ أن الهجرة بَدِينكَ أصلح لك، فأرض الله واسعة، ولكن ادرس الأمر مليًّا، وخذ بالأسباب، ولا تنتقل قبل التأكد من قدرتكَ على العمل والاستقرار، حتى لا تنتقل إلى ضيق أشد.

وختامًا: أسأل الله تعالى أن يثبتكَ على طاعته، ويعينكَ على مجاهدة نفسك، ويرزقكَ الزوجة الصالحة، ويحفظ دينكَ من الفتن، وييسر لكَ الخير حيث كان، اللهم آمين.

مشاركة المحتوى

مواد ذات صلة

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



 
 
 

الأكثر مشاهدة

الأعلى تقيماً