الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

أعاني من وسوسة ديينية وأخشى أنني لم أدفعها بل قبلت بها!

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

ذات مرة كنتُ أفكر، وتعلق الموضوع بمكة والمدينة أو الحرمين الشريفين، وسألتُ نفسي: هل أحب مكة والمدينة والحرمين الشريفين؟ لا أتذكر كل التفاصيل، لكنني -غالبًا- وصلتُ إلى أن أسأل نفسي: هل أحبهم لتعلقهم بالنبي ﷺ والصحابة -رضي الله عنهم-؟

وفي تلك الفترة كنتُ أعاني من نوع من تسلط المشاعر والأفكار، التي فيها حسد وغيرة ممن هم أصحاب فضل، حتى الأنبياء -للأسف-، وكان قد وصل بي الأمر إلى أن أُلزم نفسي بأن أقول بلساني: هذه وسوسة سخيفة، وأن ألتزم بالاستعاذة وقول: آمنتُ بالله ورسله،. وأعاني أصلًا من نوع آخر من الوسوسة، وهو الخوف من الكفر، مما كان يقودني إلى نطق الشهادتين كثيرًا، والتوبة والاستغفار.

والذي حصل بعدها -على حد ذاكرتي- أن شعورًا بالنفور من الفكرة هجم عليّ -للأسف-، بل كان نفورًا شديدًا جدًا، وكأن الفكرة تقول: كيف تفعل ذلك وقد فضلهم الله عليك كل هذا التفضيل؟ مع شعور بالكبر والحسد، وهي أشياء -والله- أتمنى لو لم أُخلق حتى لا تحدث لي.

وأنا الآن أقول في نفسي: إن هذه الخواطر -بحسب ما أتذكر- لم تستقر في نفسي، ولا أتذكر أنني رضيتُ بها أو عملتُ بها، بمعنى أنني فعلًا لا أتذكر أنني قررتُ في نفسي أن هذه مشكلة، ولذلك لن أحب مكة والمدينة لهذا السبب، وكأنه قرار اتخذتُه.

ولكن -للأسف- لا أستطيع التذكر بدقة، وأشعر أنني عندما هجم عليّ ذلك ضعفتُ واستجبتُ له بألا أحب لهذا الوجه، بمعنى أنني شعرتُ بمشقة، فلم أستطع أن أحب لهذا السبب الطيب بسبب المشقة وعدم موافقة ذلك لهواي، ثم أكملتُ التفكير بعد ذلك، وفجأة انتبهتُ إلى ما حصل، وأتذكر كأنه حدث بالأمس أنني صرختُ وقلتُ: بل أحب مكة والمدينة، ثم قلتُ: هذه وسوسة، وقلتُ كلامًا آخر، وكنتُ غير متقبل لهذا الاحتمال.

وعندي ملاحظات على الهاتف فيها مواقف كثيرة شككتُ هل هي كفر أم لا، وذلك في محاولة مني للإعراض عن الوسوسة، والذي كتبتُه فيها: فعلًا أشعر أنه ربما لم أدفع الوسوسة، بل أخشى أنني ربما استسلمتُ ولم أقاوم، وأخشى بشدة أنني ربما لم أدفعها، بل قبلتُ بها.

ولكن الذي يجعلني أشك هو -كما قلتُ- أنني قبلها كنتُ أدافع الوساوس، وكنتُ أقول عنها إنها تافهة، وأن عندي وسواس الخوف من الكفر؛ ممَّا يعني يقينًا أنني كنتُ أخاف الكفر قبل حدوث هذا الموقف وبعده.

وكوني كذلك جلستُ أفكر بعدها لساعات في الموقف: هل وقعتُ في الكفر فيه؟ وكنتُ خائفًا حقًا، ولا يشك في ذلك -ولو لثانية- أي شخص يراني ويرى حالتي، وقبل ذلك قلتُ أولًا: أُحب مكة والكعبة لكونها عظيمة عند الله، وغالبًا تكرر الشيء نفسه.

جزاكم الله خيرًا.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ عمر حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

مرحبًا بك -أخي الكريم- في استشارات إسلام ويب، وردًّا على استشارتك أقول، مستعينًا بالله:

كن متيقنًا أن ما يصيب العبد إنما هو وفق ما قضاه الله وقدره عليه، وأن ما قضاه الله فيه خير له، وإن كان ظاهره خلاف ذلك، قال تعالى: {إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ}، وقال ﷺ: «قَدَّرَ اللَّهُ مَقَادِيرَ الْخَلْقِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِخَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ، وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ».

ولما خلق الله القلم قال له: «اكْتُبْ»، قال: وما أكتب؟ قال: «اكْتُبْ مَا هُوَ كَائِنٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ»، وقال ﷺ: «كُلُّ شَيْءٍ بِقَضَاءٍ وَقَدَرٍ، حَتَّى الْعَجْزُ وَالْكَيْسُ»، والكيس: الفطنة.

وشدة الابتلاء دليل على محبة الله للعبد، والجزاء يكون على قدر البلاء، فإن عظم البلاء عظم الجزاء، يقول ﷺ: «إِنَّ عِظَمَ الْجَزَاءِ مَعَ عِظَمِ الْبَلَاءِ، وَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ إِذَا أَحَبَّ قَوْمًا ابْتَلَاهُمْ، فَمَنْ رَضِيَ فَلَهُ الرِّضَا، وَمَنْ سَخِطَ فَلَهُ السَّخَطُ»، فعليك بالرضا بقضاء الله وقدره، وحذارِ من التسخط، وإلا فالجزاء من جنس العمل.

وعليك أن تنظر لمن هم أشد بلاء منك؛ فذلك حري ألا تتسخط على قضاء الله وقدره، كما أن النظر في النعم يكون إلى من هو أدون منا، فكذلك البلاء ننظر إلى من هو أشد ابتلاء.

كن على يقين أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك، قال ﷺ: «وَاعْلَمْ أَنَّ مَا أَخْطَأَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَكَ، وَمَا أَصَابَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَكَ، وَاعْلَمْ أَنَّ النَّصْرَ مَعَ الصَّبْرِ، وَأَنَّ الْفَرَجَ مَعَ الْكَرْبِ، وَأَنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا».

أولًا: التشخيص الشرعي والنفسي لحالتك:

ما تعاني منه -أخي الكريم- هو وسواس قهري شديد تسلط على عقيدتك وأفكارك، وكل ما ذكرته من خواطر وحسد وغيرة أو خوف من الكفر، ليس إلا من وساوس الشيطان التي يلقيها في قلبك ليحزنك، ويفسد عليك حياتك، ويجعلها سوداوية كما وصفت.

كن على يقين تام أنك مسلم مؤمن، وما تجده من نفور شديد، وبكاء، وصرخات، ومدافعة لهذه الأفكار، وخوفك الشديد من الكفر، هو الدليل القاطع على صحة إيمانك وحياة قلبك.

فقد جاء أناس من أصحاب النبي ﷺ فسألوه: إنا نجد في أنفسنا ما يتعاظم أحدنا أن يتكلم به، قال: «وَقَدْ وَجَدْتُمُوهُ؟»، قالوا: نعم، قال: «ذَاكَ صَرِيحُ الْإِيمَانِ»، فكراهيتك للفكرة هي الإيمان الخالص.

ثانيًا: علاج وهم الموافقة والاستسلام للوسواس:

الشعور الذي انتابك بأنك "استسلمت ولم تقاوم"، أو أنك "قبلت بالفكرة بسبب المشقة"، هو مجرد خديعة نفسية معروفة في الوسواس القهري تسمى -الاندماج الفكري أو وهم الموافقة- من قبل العقل من شدة الإرهاق في المدافعة فيتوقف لحظة، فيوهمك الشيطان أنك رضيت بالكفر أو بالخاطرة السيئة، والدليل على أنك لم ترضَ هو فزعك المباشر بعدها، وصراخك، وتحليلك للموقف لساعات خوفًا من الكفر.

الكافر الحقيقي لا يخاف من الكفر ولا يبكي ندمًا على فكرة! الله جل جلاله يعلم ضعفك، وقال في محكم تنزيله: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا}، وقال النبي ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ لِأُمَّتِي مَا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا، مَا لَمْ تَتَكَلَّمْ بِهِ أَوْ تَعْمَلْ». فاطمئن تمامًا، لم تقع في الكفر، وإسلامك يقين، واليقين لا يزول بالشك.

ثالثًا: الخطوات العلاجية العملية الناجعة والنافعة بإذن الله إن سلكتها:

▪ الإعراض التام: لا تناقش الفكرة، ولا تختبر مشاعرك -هل أحب مكة أم لا؟-، مجرد اختبار المشاعر هو استجابة للوسواس، فتجاهل الفكرة تمامًا وكأنها غير موجودة.

▪ التوقف عن نطق الشهادتين للتجديد: نطقك للشهادتين بنية الرجوع للإسلام بعد كل وسواس هو خطأ فادح؛ لأن ذلك هو ما يريده الشيطان منك، فيقنع عقلك الباطن بأنك كفرت فعلًا، أنت مسلم، وأنت بيقين مسلم، فتوقف عن تجديد إسلامك الوهمي.

▪ الاستعاذة لمرة واحدة فقط: إذا هجم عليك الوسواس، فقل: «آمَنْتُ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ»، وانفث عن يسارك ثلاثًا، ثم انشغل بعمل دنيوي أو حديث مع شخص، ولا تعد للتفكير في الموقف أبدًا.

▪ احذر من الوحدة: الجلوس وحدك غاية ما يريده الشيطان منك كي يختلي بك ويباشرك بوساوسه، ففوّت عليه هذه الفرصة بالعيش مع أفراد أسرتك، وتجاذب أطراف الحديث معهم، ولا تنم وحدك أبدًا.

رابعًا: أوصيك بما يلي لتفريج كربك:

▪ لزوم الاستغفار والإكثار من الصلاة على النبي ﷺ، فذلك من أسباب تفريج الهموم وتنفيس الكروب، ففي الحديث: «مَنْ لَزِمَ الِاسْتِغْفَارَ جَعَلَ اللَّهُ لَهُ مِنْ كُلِّ ضِيقٍ مَخْرَجًا، وَمِنْ كُلِّ هَمٍّ فَرَجًا، وَرَزَقَهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ»، وقال لمن قال له: أجعل لك صلاتي كلها؟ «إِذًا تُكْفَى هَمَّكَ، وَيُغْفَرُ لَكَ ذَنْبُكَ».

▪ الإكثار من التضرع بالدعاء بين يدي الله تعالى، وسؤال الله من خيري الدنيا والآخرة، ومنها أن يرفع عنك البلاء، مع تحين أوقات الإجابة، كما بين الأذان والإقامة، للحديث: «الدُّعَاءُ بَيْنَ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ لَا يُرَدُّ».

وأثناء السجود، للحديث: «أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الْعَبْدُ مِنْ رَبِّهِ وَهُوَ سَاجِدٌ، فَأَكْثِرُوا مِنَ الدُّعَاءِ، فَإِنَّهُ قَمِنٌ أَنْ يُسْتَجَابَ لَكُمْ»، ومعنى قمن: أي حري أن يستجاب لكم، وفي الثلث الأخير من الليل، لحديث: «يَنْزِلُ رَبُّنَا فِي الثُّلُثِ الْأَخِيرِ مِنَ اللَّيْلِ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا، فَيُنَادِي: هَلْ مِنْ دَاعٍ فَأَسْتَجِيبَ لَهُ».

▪ الإكثار من دعاء ذي النون: {لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ}، فما دعا به أحد في شيء إلا استجاب الله له، يقول رسول الله ﷺ: «دَعْوَةُ ذِي النُّونِ إِذْ دَعَا وَهُوَ فِي بَطْنِ الْحُوتِ: لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ، فَإِنَّهُ لَمْ يَدْعُ بِهَا رَجُلٌ مُسْلِمٌ فِي شَيْءٍ قَطُّ إِلَّا اسْتَجَابَ اللَّهُ لَهُ».

▪ مجاهدة النفس: جاهد نفسك في عدم الإصغاء للوساوس، وعدم الاسترسال معها، وعدم محاورتها، فكيد الشيطان ضعيف، والله وعد بالهداية والنصر لمن جاهد نفسه، فقال: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ۚ وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ}.

▪ عليك بدعاء الكرب، وهو: «لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ الْعَظِيمُ الْحَلِيمُ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَرَبُّ الْأَرْضِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ»، فما دعا به أحد إلا نفّس الله كربه وفرج همه.

أسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يشفيك ويعافيك، ويشرح صدرك، ويصرف عنك كيد الشيطان، ونسعد بتواصلك.

مشاركة المحتوى

مواد ذات صلة

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



 
 
 

الأعلى تقيماً