الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

أبي مقصر في حقنا، ويلقي مسؤولياته على أمي وعلينا

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أنا شاب عمري 17 سنة، في الصف الثالث الثانوي، أي في سنة تحديد مصيري، أكتب إليكم وفي داخلي كبت وضغط نفسي كبير، لا أستطيع تحمّله، ولا أعرف كيف أركز في مذاكرتي، أو أعيش حياتي بصورة طبيعية.

المشكلة أن أبي مقصِّر معنا تمامًا، ويُلقي كل المسؤولية علينا، فهو لا يهتم بتعليمنا، ولا بديننا، ولا براحتنا، وحتى الصلاة تعلمتُها وحدي، من غير أي توجيه منه.

إضافةً إلى ذلك، فهو لا ينفق على البيت، وأمي -المريضة- هي التي تتحمل جميع المصاريف، وإذا أحضر أي شيء بسيط، يمنُّ علينا به، وعندما كان لديه مبلغ يستطيع تشطيب الشقة به، لكي أجد مكانًا أعرف أن أذاكر فيه، ذهب وأخذ المبلغ، ودفعه في مطبخ ابنة عمي، وتركني، وعندما كنتُ متعبًا ودخلتُ المستشفى لكي أنقل دمًا، تركني وحدي هناك، وذهب يتنزه مع صاحبه وزوجة صاحبه.

هذا غير أنه دائمًا يلقي جميع الأعباء والطلبات على أمي المتعبة، أو يطلب مني أن أترك مذاكرتي والصف الثالث الثانوي، لكي أقوم بأعمال من المفترض أن يقوم بها هو، كما أن تصرفاته ومكالماته الخارجية جعلت جو البيت مليئًا بالكآبة والنكد الدائم.

لقد أصبحتُ مشتتًا جدًّا، ولا أعرف كيف أتعامل معه، وأنا محتار بين كوني غير قادر على تقبله بسبب أفعاله وتقصيره الشديد في حقنا وحق أمي، وبين كونه في النهاية أبي، ولا بد أن أبره.

أحتاج إلى معرفة كيفية التعامل مع أبي شرعًا، وكيف أبره من غير أن أقع في إثم، وكيف أتخطى هذا الضغط النفسي، وأفصل نفسي عن مشكلات البيت، حتى أركز في مذاكرتي ومستقبلي؟ وكيف أتعامل مع المشاعر المتضاربة والحزن الذي في داخلي تجاهه؟

جزاكم الله كل خير، وآسف على الإطالة.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ كريم حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

مرحبًا بكَ -أخي الفاضل- في استشارات إسلام ويب، ونسأل الله أن يُلهمنا وإياكَ السداد والرُّشد في القول والعمل.

أخي الكريم، أول ما أريد أن أوضحه لكَ أن شعوركَ بالغضب والحزن تجاه ما يحدث لا يعني أنكَ عاقٌّ، ولا يعني أنكَ تكره أباكَ، ولا يعني أنكَ سيئٌ أو جاحدٌ، فمن الطبيعي أن يتألم الإنسان عندما يرى والدته المريضة تتحمل أعباءً فوق طاقتها، أو عندما يشعر أن والده لا يقوم بما ينتظره منه وهو قادرٌ، أو عندما يتركه في موقفٍ كان يحتاج فيه إلى وجوده، ولكن المشكلة تبدأ عندما يتحول هذا الألم إلى صراعٍ دائمٍ داخل النفس، فيصبح ذهنكَ مشغولًا بأبيكَ وتصرفاته، أكثر من انشغالكَ بدراستكَ وحياتكَ ومستقبلكَ.

ولهذا أظن أن أول خطوةٍ في التعامل مع مشكلتكَ، هي أن تفرّق بين ثلاثة أمورٍ اختلطت عليكَ؛ «حَقِّ أَبِيكَ عَلَيْكَ كَوَالِدٍ، وَمَسْؤُولِيَّةِ أَبِيكَ الَّتِي يَتَحَمَّلُهَا أَمَامَ اللَّهِ، وَمَسْؤُولِيَّتِكَ أَنْتَ عَنْ نَفْسِكَ وَمُسْتَقْبَلِكَ».

فأبوكَ له حق البر والإحسان، وهذا حقٌّ شرعيٌّ ثابتٌ، لكن تقصيره في واجباته -إن كان كما وصفتَ- لا يسقط هذا الحق، وفي الوقت نفسه لا يجعلكَ مسؤولًا عن إصلاحه، أو حمل جميع ما تركه، أو تعويض كل تقصيره، قال الله تعالى: {وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا}؛ فالبر بابٌ عظيمٌ، لكنه لا يعني أن الابن يتحمل عن والده جميع مسؤولياته ما لم يكن الوالد عاجزًا، ولا يعني أن يسكت عن كل تقصيرٍ أو خطأٍ دون نصيحةٍ وسعيٍ للإصلاح، ولا أن يجعل حياته كلها متوقفةً على مشكلات أسرته.

بل إن الله تعالى بيّن أن طاعة الوالدين ليست طاعةً مطلقةً في كل شيءٍ، فقال سبحانه: {وَإِن جَاهَدَاكَ عَلَىٰ أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا ۖ وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا}؛ فجمع الله بين عدم الطاعة في غير المشروع، وبين استمرار الصحبة بالمعروف، قال النبي ﷺ: «إِنَّمَا الطَّاعَةُ فِي المَعْرُوفِ».

ولهذا أخي الكريم، لا تجعل المسألة في ذهنكَ: «إِمَّا أَنْ أَتَحَمَّلَ كُلَّ شَيْءٍ لِأَنَّ هَذَا أَبِي، وَإِمَّا أَنْ أَرْفُضَهُ وَأَكُونَ عَاقًّا»، فهذه ليست الخيارات الوحيدة، بل يمكنكَ أن تكون بارًّا بأبيكَ، وتحترمه، وتخاطبه بأدبٍ، وتساعده فيما تستطيع، وفي الوقت نفسه توضح له أن لديكَ دراسةً والتزاماتٍ لا تستطيع تركها في كل وقتٍ.

فمثلًا، إذا طلب منكَ شيئًا في وقتٍ تحتاج فيه إلى الدراسة، يمكن أن تقول له: «يَا أَبِي، أَنَا أَسْعَدُ بِخِدْمَتِكَ، لَكِنَّ عِنْدِي الآنَ مُذَاكَرَةً ضَرُورِيَّةً، وَأَسْتَطِيعُ أَنْ أَقُومَ بِهَذَا الأَمْرِ بَعْدَ سَاعَةٍ أَوْ فِي الوَقْتِ الفُلَانِيِّ»؛ فأنتَ هنا لم ترفضه باستخفافٍ، ولم ترفع صوتكَ، ولم تهنه، وإنما أوضحتَ له قدرتكَ وظرفكَ، ولغة الحوار والنقاش وبيان الأسباب والموقف ينبغي أن تكون حاضرةً في مثل هذه المواقف.

أخي العزيز، أنتَ الآن في سنةٍ دراسيةٍ مهمةٍ جدًّا، ولذلك من حقكَ أن تعتبر دراستكَ مسؤوليةً حقيقيةً، تحتاج منكَ إلى وقتٍ وتركيزٍ، لا أن تشعر بالذنب كلما جلستَ تذاكر وحدثت مشكلةٌ في البيت.

أخي الغالي، قد يكون من أكثر الأمور التي تؤذيكَ أنكَ تراقب والدكَ باستمرارٍ: «مَاذَا فَعَلَ؟ لِمَاذَا فَعَلَ هَذَا؟ لِمَاذَا أَعْطَى هَذَا المَالَ لِغَيْرِنَا؟ لِمَاذَا لَمْ يَقِفْ مَعِي فِي المُسْتَشْفَى؟ لِمَاذَا يَطْلُبُ مِنِّي هَذِهِ الأَشْيَاءَ؟ كَيْفَ يَتْرُكُ أُمِّي تَفْعَلُ كُلَّ ذَلِكَ؟» وأنا لا أقول إن هذه الأسئلة بلا معنىً، فقد يكون بعضها مؤلمًا ومشروعًا، لكن الاستمرار في تحليلها طوال اليوم لن يغير الماضي، ولن يصلح أباكَ، ولن يساعد أمكَ، وإنما سيستهلككَ أنتَ، ويزيد القلق والتوتر اللذين تعيشهما.

لذلك تحتاج إلى قاعدةٍ مهمةٍ لا بد أن تعيها جيدًا لتدير هذه الضغوطات: «أَبِي مَسْؤُولٌ عَنْ أَفْعَالِهِ، وَأَنَا مَسْؤُولٌ عَنْ أَفْعَالِي؛ إِذَا أَخْطَأَ فَخَطَؤُهُ عَلَيْهِ، وَإِذَا قَصَّرَ فَحِسَابُهُ عِنْدَ اللَّهِ».

أمَّا أنتَ، فمسؤوليتكَ أن تؤدي ما تستطيع من البر والإحسان، وأن تحفظ نفسكَ ودراستكَ وأخلاقكَ، ولا تحمل نفسكَ مسؤولية أن تجعل أباكَ مثاليًّا، ولا أن تمنعه من خياراته ما دمتَ عاجزًا عن ذلكَ، ولا أن تحل جميع مشكلات البيت، وقد يكون من الصعب جدًّا أن ترى أشياء تراها خاطئةً ولا تستطيع تغييرها، لكن النضج هنا ليس أن تصلح كل شيءٍ، وإنما أن تعرف ما الذي تستطيع تغييره دون أن يؤثر عليكَ وما الذي لا تستطيع.

أخي الفاضل، من الجانب النفسي، الضغط الذي تعيشه قد جعلكَ تدخل في دائرةٍ مغلقةٍ من التوتر؛ فمشكلة البيت تؤدي إلى التفكير والغضب والقلق، وهذا يؤدي إلى ضعف التركيز، ثم التأخر في الدراسة، ثم زيادة القلق والتوتر الذي قد يصل إلى الاكتئاب -لا قدر الله-.

ولذلك، مع الصبر والاحتساب وحسن الظن بالله تعالى، أنتَ بحاجةٍ إلى التعامل مع هذه الضغوط بطريقةٍ عمليةٍ، وعند أي موقفٌ في البيت، اسأل نفسكَ ثلاثة أسئلةٍ:
• هل هذا الأمر يخصني فعلاً؟
• هل أستطيع تغييره الآن؟
• ما الذي يجب أن أفعله أنا في هذه اللحظة؟

فإن كان الأمر لا يخصكَ، فاتركه، وإن كان لا يمكنكَ تغييره، فلا تجعل عقلكَ يفكر فيه، وإن كان عليكَ فيه شيءٌ، فقم بما تستطيع ثم عد إلى مسؤوليتكَ، وهذا التركيز يساعدكَ على فهم حدود قدراتكَ ويقلل مساحة التوتر في حياتكَ.

ومن المهم جدًّا أيضًا ألا تحوّل مشكلتكَ مع أبيكَ إلى سببٍ لإهمال أمكَ أو إهمال نفسكَ، فأنتَ تستطيع أن تكون عونًا لأمكَ، لكنكَ لستَ بديلًا عن الأب، ولستَ مسؤولًا عن حمل الأسرة كلها على كتفيكَ وأنتَ عاجزٌ عن ذلكَ، أو قد يتسبب ذلكَ بالضرر عليكَ وعلى مستقبلكَ.

لذلك أوصيكَ في هذه المرحلة -تحديدًا- أن تجعل هدفكَ الأساسي هو استعادة تركيزكَ الدراسي، والخروج من هذه الدوامة، فخصص وقتًا للمذاكرة، لا تدخل فيه في نقاشات البيت، وأخبر والدتكَ -إن كان ذلكَ ممكنًا- أنكَ تحتاج إلى ساعاتٍ محددةٍ هادئةٍ للدراسة، وحاول أن تجد مكانًا مناسبًا للمذاكرة، إذا كان جو المنزل لا يساعد؛ كالمكتبة أو مكانٍ هادئٍ عند أحد الأقارب، أو أي مكانٍ آمنٍ تستطيع الدراسة فيه.

برَّ أباكَ بما تستطيع، رغم ما حدث ويحدث منه، وأحسن إليه، وتجنب الإساءة والقطيعة، لكن في الوقت نفسه احفظ دراستكَ وصحتكَ النفسية، وساعد أمكَ بقدر استطاعتكَ، ولا تحمل نفسكَ أكثر مما تستطيع، وعيُكَ بهذه الأمور يساعدكَ على أن تعيش باستقرارٍ أكبرٍ؛ لأنكَ فهمتَ الأدوار التي لكَ والتي عليكَ، فلم تحمل نفسكَ ما لا تطيق.

أكثر من الدعاء والتضرع إلى الله تعالى أن يصلح والدكَ، ويذهب همكَ وحزنكَ، ويعينكَ على دراستكَ، وابتعد قدر استطاعتكَ عن أجواء القلق والمشكلات، خصوصًا مع نهاية هذه السنة المهمة في حياتكَ، وابحث عن كل ما يساعدكَ على الطمأنينة والهدوء، وأكثر من الجلوس في المسجد، وذكر الله تعالى، والدعاء، والأعمال الصالحة؛ فكل ذلكَ مما يرقق القلب ويبعث على الطمأنينة.

وفقكَ الله، ويسر أمركَ.

مشاركة المحتوى

مواد ذات صلة

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



 
 
 

الأعلى تقيماً