الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

أبي بخيل ولا يهتم بنا، فكيف أتعامل معه بدون أن أعقه؟

السؤال

السلام عليكم.

تم انفصال والديّ منذ سنة تقريباً؛ فقد كان أبي بخيلاً جداً، وكان يقصّر في حق أمي، ولا يستمع لأحد؛ يعود من عمله، فيأكل، ويشاهد التلفاز، وينام، ولا يهتم بي أو بأخي وأختي -وأنا أصغرهم-، وقد سبق لأمي أن طلبت الطلاق مرتين من قبل.

أخي متزوج، وكذلك أختي، وأنا في الثامنة عشرة من عمري.

طوال حياتي كنت أعتمد على أمي في القرارات، والطلبات، والخروج، وإذا طلبت أي شيء من أبي، كان يخلي مسؤوليته، ويعتمد على أمي؛ لدرجة أني كنت أشعر بأن أمي هي الأم والأب، وأن أبي فرد من أولادها، كما أنه لم يكن متوفراً طوال حياتي عاطفياً ولا غير ذلك، وكان يبخل علينا مادياً رغم أنه مقتدر.

هو الآن يلومني على عدم زيارته، وقد طلبتُ منه أن يحدد لي موعداً، ولن أتردد، ولكنه لم يتخذ أي قرار، ولا يتحدث معي، وعندما أذهب لا يتكلم معي، ويشاهد التلفاز، أو يتحدث قليلاً عن نفسه فقط.

لقد عرض على أمي أن يخرج معها، ولكنها رفضت؛ لأنه أصبح أجنبياً عنها، ثم عرض عليَّ أنا، ولم يسبق لي الخروج معه إلا مرة واحدة وأنا صغيرة، ورجعتُ إلى البيت منهارة من البكاء؛ بسبب أسلوب أبي معي.

أنا أحفظ القرآن، وقد سألتُ المعلمات عن حالتي، وكلهنَّ قلن إن كل الرجال يتعاملون بالأسلوب نفسه، وأنه يجب عليَ برُه، مع العلم أني ذهبت لجلسات علاج نفسي، وشُخصت بالاكتئاب الحاد، والقلق، والاضطراب، وكنت آخذ مضادات اكتئاب، وكلها بسبب وضعي مع أبي.

لقد أرهقت من فكرة أن كل الرجال هكذا؛ لأن ما أعرفه في الإسلام أن الرجل يجب أن يكون مسؤولاً عن أهله، وأن يكون كريماً وحنوناً، كما لا أريد أن أتكلم مع أبي، ولا أود رؤيته؛ لأني أتعب نفسياً من الكلام معه، فماذا أفعل؟

كل ما أقدر عليه حالياً هو إجراء المكالمات اليومية، فهل عليَ إثم؟

وجزاكم الله خيراً.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ حبيبة -حفظها الله-.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

من الابتلاء الذي يبتلي الله به عباده أن جعل روابط للصلة والقرابة، وما يترتب عليها من حقوق وواجبات ليس من اختيارات الإنسان، ولا قراراته؛ فهو لا يختار والديه، ولا أقرباءه.

هناك فرق بين الود وبين الحقوق؛ فحقوق الوالدين في ديننا غير مرتبطة بما نحمله في قلوبنا من الود لهم، فهي حقوق منفصلة عن المشاعر، ولا يكلفنا الله أن نقدم لهم مشاعر غير موجودة؛ ولكنه يكلفنا بدوام حسن الصلة، والمصاحبة بالمعروف.

أقدر تماماً مشاعرك، ولكن ليس من صالحك الاسترسال في استحضار الماضي بين والدك ووالدتك، والذي سيجعلك في حالة نفور مستمرة من والدك، ولا تفترضي بالضرورة أن كل الخطأ من والدك؛ فالعلاقات الزوجية معقدة.

أتمنى أن تنظري إلى حالة والدك على أنها حالة مرضية؛ فقد يساعد ذلك في تخفيف حدة مشاعرك تجاهه، اعتبريه مريضاً يحتاج إلى عونك، أو غريقاً يحتاج إلى إنقاذك له، وربما آذاك وأنت تقومين بإنقاذه؛ فالغريق لا يتحكم بحركاته، ولا يقصد إيذاء من ينقذه.

أنت ما زلت صغيرة، ومقبلة على حياة زوجية بحوله تعالى، ولا أريد لك أن تكوني محمّلة بمشاعر الخوف والكره للرجال؛ فإن هذا سيؤثر سلباً على حياتك مع زوجك مستقبلاً، فليس كل الرجال كما تفضلت به صديقاتك؛ فأخلاق الناس تتباين، نعم قد يغلب على الرجال شيء من العملية على حساب العاطفة، ولكن لا يعني هذا بالضرورة الحدة المستمرة، والقسوة العالية.

تواصلك الهاتفي مع والدك بشكل يومي أمر طيب، وهو كفيل بتذويب شيء مما في نفسك تجاهه، وخاصة إذا حرصت على أن لا يكون الاتصال "بروتوكولياً"، بمعنى أن تحرصي أن لا يكون مجرد اتصال سلام عابر وقصير، وإنما اتصال تتوسعين فيه في أحاديث تمس شخصيته، أو أحداث في حياته، أو استشارة له عن شيء خاص بك، ولعل في هذا التواصل "التلفوني" اليومي ما يمهد لتواصلك الحضوري لديه، بشكل أكثر أريحية، وأقل احتقاناَ.

أما ما يتعلق بعدم قدرتك على التواصل الحضوري معه حالياً؛ وهل عليك إثم في ذلك؟
فهي تحتاج إلى إحالة إلى مرجعية شرعية تفتيك فيها، وإن كنت أميل إلى التخفيف حالياً من الزيارات الميدانية إلى أن تتحسن صحتك النفسية قليلاً؛ وإلى أن تقوّي العلاقة معه عبر التواصل عن بعد، ثم بعد التعافي تعودين للزيارات الميدانية المباشرة.

وأرجو أن تستعيضي عن البحث عن فتوى ترك زيارته، بالبحث عما يذيب الحساسيات بينك وبينه ولو بالحد الأدنى الذي يتيح لك بره، والقيام بحقه، وتذكري دائما أننا ضيوف على آبائنا وأمهاتنا عندما نكون صغاراً، ثم يصبحون ضيوفاً علينا وهم كبار؛ فأحسني ضيافتهم.

فرج الله عنك ما أنت فيه، وأبدل همك فرحًا.

مشاركة المحتوى

مواد ذات صلة

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



 
 
 

الأعلى تقيماً