الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

ما هو السبيل للتخلص من العادات السيئة، والرجوع للفطرة الطبيعية؟

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أشكركم على هذا الموقع النافع، وجعله الله في ميزان حسناتكم.

سؤالي هو: أريد أن أتخلص من عادات سلبية قصمت ظهري، فعمري 32 عامًا، وما زلت أعاني منها، وهي: إدمان السهر، والعادة السرية، وتناول مخدر السنوس (الكالة).

ورغم أنني شخص مواظب على الصلاة وقراءة القرآن، فإنني أعاني من هذه العادات، ولم أستطع التخلص منها وتجاوزها؛ ممَّا يجعلني منعزلًا، وأخاف من العمل والاجتماع بالناس.

فهل من سبيل للخلاص من هذه العادات، أو خطة تساعدني على التخلص منها والعودة إلى فطرتي؟

وجزاكم الله عني كل خير.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم.
الأخ الفاضل/ كريم حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

نشكر لك ثقتك في موقع إسلام ويب، ونشكر لك صراحتك وصدقك في عرض مشكلتك، وسؤالك عن طريق الخلاص منها يدل على أن لديك ضميرًا حيًا، ورغبةً حقيقيةً في التغيير، وأنك غير راضٍ عن هذا الواقع وتسعى إلى التخلص منه، وهذه بداية مهمة جدًا في طريق التعافي.

وما تعاني منه ليس عادةً واحدةً منفصلةً، وإنما مجموعة من السلوكيات المتشابكة: السهر، والاعتماد على السنوس، والعادة السرية، وما نتج عنها من عزلة، وخوف من العمل والاختلاط بالناس، وتأنيب مستمر للضمير، ومع استمرار هذه الدائرة لسنوات، قد يصبح الإنسان عاجزًا عن التوقف بمجرد قوة الإرادة، ولذلك فإن حالتك تحتاج إلى برنامج علاجي متخصص في علاج الإدمان والسلوكيات القهرية، وليس مجرد نصيحة عابرة أو قرار مؤقت.

والجميل في حالك أنك رغم هذه العادات ما زلت محافظًا على الصلاة وتلاوة القرآن، فتمسك بهذا الخير ولا تتركه بسبب شعورك بالذنب؛ فالله تعالى يقول: {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} [الزمر: 53].

واجعل علاقتك بالله مصدر قوة تعينك على التغيير، وأكثر من الدعاء والاستغفار، ولا تجعل الشيطان يحول ذنبك إلى يأس وقنوط؛ فالذنب مهما عظم فإن باب التوبة مفتوح ما دام الإنسان حيًّا.

واعلم أن الخوف من الناس والعمل، والانطواء والعزلة، قد تكون من آثار هذه الدائرة؛ فالاستمرار في السلوكيات المحرمة، مع تأنيب الضمير والخوف من الفشل أو انكشاف الأمر، قد يجعل الإنسان يفقد ثقته بنفسه ويزداد هروبًا من الناس، ثم يعود إلى عاداته طلبًا للراحة المؤقتة، فتتكرر الحلقة من جديد، ولذلك فإن علاج المشكلة لا يكون بمحاربة العادة وحدها، وإنما بكسر هذه الدائرة كاملةً.

ابدأ أولًا بقرار واضح وصادق: بأنك تريد أن تغير حياتك، وليس فقط أن تتوقف بضعة أيام، ثم اطلب مساعدة معالج أو طبيب نفسي متخصص في علاج الإدمان والسلوكيات القهرية، وتحدث معه بصراحة عن جميع العادات دون خجل؛ فالمختص لا يحاكمك، وإنما يساعدك على معرفة المحفزات ووضع خطة للسيطرة عليها والتعامل مع الانتكاسات.

واجعل لك خطةً عمليةً يوميةً تتمثل فيما يلي:

نظّم نومك تدريجيًا، ولا تسهر منفردًا دون حاجة، وابتعد عن الأماكن والأوقات التي ترتبط عندك بممارسة العادة، وأغلق أبواب الوصول إلى المحتوى المثير، واشغل أوقات الفراغ بعمل نافع، أو رياضة، أو تعلم، أو مخالطة صالحة؛ فالفراغ الطويل والانعزال من أكبر ما يغذي العادات القهرية.

أمَّا السنوس (Snus)، فاجعل التوقف عنه جزءًا من خطة علاجية واضحة، ويمكن الاستعانة بطبيب لمساعدتك على الإقلاع عنه بطريقة مناسبة، خاصةً إذا كان الاستخدام يوميًا أو بكميات كبيرة؛ لأن الاعتماد على النيكوتين قد يجعل التوقف أصعب من مجرد اتخاذ القرار.

وغَيّر صحبتك إن كانت هناك صحبة تعينك على هذه السلوكيات، وابحث عن أصدقاء صالحين يعينونك على الاستقامة دون أن يشعروا بتفاصيل لا تريد مشاركتها، واحرص على شغل وقتك بما ينفعك؛ فالإنسان إذا ترك فراغًا كبيرًا دون بديل قد يعود بسهولة إلى عاداته القديمة.

وعليك أخي الكريم بالسعي كذلك إلى العفة والزواج إذا كنت قادرًا على تحمل مسؤولياته، مع عدم اعتباره علاجًا سحريًا لكل المشكلة؛ فالزواج يعين على العفة والاستقرار، لكنه لا يغني عن علاج السلوك الإدماني إذا أصبح نمطًا متجذرًا.

ولا تنتظر أن تختفي الرغبة تمامًا حتى تبدأ حياتك من جديد؛ فالتعافي يعني أن تتعلم كيف تتعامل مع الرغبة عندما تأتي دون أن تستجيب لها، وإذا حدثت انتكاسة فلا تقل: انتهى كل شيء، بل توقف فورًا، واعرف ما الذي سبق الانتكاسة، وعَدّل خطتك، وواصل العلاج؛ فالانتكاسة إن حدثت درس يحتاج إلى معالجة، وليست حكمًا بالفشل.

ومن المهم أيضًا أن تعيد بناء علاقتك بالناس والعمل تدريجيًا. لا تنتظر أن تختفي مخاوفك بالكامل ثم تخرج إلى المجتمع، بل ابدأ بخطوات صغيرة مثل: زيارة قريب، التواصل مع صديق صالح، الخروج لممارسة نشاط، ثم العودة إلى العمل أو البحث عنه تدريجيًا. ومع كل تجربة ناجحة ستستعيد شيئًا من ثقتك بنفسك.

وتذكر أن التوبة الصادقة ليست مجرد الشعور بالندم، وإنما إقلاع عن الذنب، وندم عليه، وعزم على عدم العودة إليه، وأخذ بالأسباب التي تمنع تكراره، ولذلك لا يكفي أن تقول: سأتوقف فقط، بل اسأل نفسك: ما الذي كان يقودني إليه؟ متى أضعف؟ أين أكون (المكان)؟ ماذا أفعل عندما تأتي الرغبة؟ ومَن الشخص الذي أستطيع اللجوء إليه وقت الضعف؟ ... وهكذا.

أخي الكريم: اجعل الصلاة والقرآن والأذكار ثابتةً في يومك، مع الاستمرار في طلب العلاج، وحافظ على صحبة صالحة، ومارس الرياضة، ونظّم نومك، وقلل العزلة، واملأ وقتك بالعمل النافع، واسأل الله في سجودك أن يعينك على نفسك ويصرف عنك السوء.

وأهم ما أريد أن أوصيك به: لا تؤجل قرار التغيير إلى الغد. فأنت لا تحتاج إلى أن تصلح حياتك كلها في يوم واحد؛ ابدأ اليوم بخطوة واحدة واضحة، ثم كررها غدًا، واسمح لنفسك أن تتعلم الصبر والاستمرار.

فأنت في الثانية وثلاثين، وما زال أمامك بإذن الله وقت واسع لتبني حياةً مختلفةً: عملًا، وزواجًا، وعلاقات طيبة، وصحةً نفسيةً أفضل، وقربًا من الله، وما مضى لا يلزم أن يكون صورةً لِمَا سيأتي.

وخلاصة الأمر: فالمطلوب منك توبة صادقة، وعلاج متخصص، وقطع تدريجي لأسباب الإدمان، وصحبة صالحة، ونوم منظم، وشغل للوقت، وسعي للعفة والزواج، وعدم الاستسلام عند الانتكاس، واعلم أن تمسكك بالصلاة والقرآن رغم معاناتك ليس أمرًا قليلًا؛ بل هو باب خير عظيم، فاستمسك به، ولا تجعل أخطاءك سببًا لترك الطاعات.

نسأل الله أن يعينك على نفسك، ويطهر قلبك، ويصرف عنك السوء والفحشاء، ويبدل عاداتك السيئة عادات صالحة، ويرزقك العفة والاستقامة، ويفتح لك باب عمل وزواج وحياة طيبة، ويجعلك بعد هذه المعاناة أقوى بالله وأثبت على طريق الخير.

وبالله التوفيق والسداد.

مشاركة المحتوى

مواد ذات صلة

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



 
 
 

الأكثر مشاهدة

الأعلى تقيماً