الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

سوء فهم زوجي لمشاعر ابنتي سبب مشكلات بيننا، فماذا أفعل؟

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أنا مطلقة، ولدي بنت عمرها 6 سنوات، تزوجت منذ سنة، وزوجي طيب ويعامل ابنتي معاملة جيدة، لكنه لا يصدق أنها تحبه، ودائمًا يؤكد أنها منافقة، وأن كل اهتمامها به هو بسببي، حتى تنال رضاي.

هذا سبَّب لنا كثيرًا من المشاكل في البيت، لأنه أصبح عصبيًا ويقول إنه لا يستطيع أن يتعامل معها ومع كل هذا "التمثيل".

وللعلم: لا علاقة لها بوالدها الحقيقي، وقد عاشت معي لمدة خمس سنوات في الغربة، كنا خلالها وحدنا، أحيانًا تغار من وجوده معي، لكنني أعتقد أن هذا أمر طبيعي.

كيف أجعل زوجي يقتنع أنها تحبه فعلًا وليس نفاقًا؟

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ مريم .. حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

نشكركِ لتواصلكِ معنا، وثقتكِ بموقعنا.

فهمنا من رسالتكِ -أختي الكريمة- أنكِ تجدين نفسكِ في موقفٍ بالغ الحساسية داخل أسرتكِ الناشئة، إذ تحاولين إقناع زوجكِ بحقيقة مشاعر ابنتكِ تجاهه، وهو يصرّ على أن كل ما تظهره من محبةٍ واهتمامٍ ليس إلَّا تمثيلًا لإرضائكِ، وهذا الموقف يضعكِ في مكانٍ مؤلمٍ حقًّا؛ لأنكِ تدافعين عن براءة طفلةٍ أمام من تحبينه، وتبحثين عن جسرٍ من الثقة في بيتٍ ما زال يبني أركانه.

دعينا نبدأ بأهم نقطةٍ في هذه القضية كلها: طفلة في السادسة من عمرها، من الناحية النفسية والتطورية، لا تملك القدرة الذهنية على النفاق المحسوب والتظاهر الاجتماعي المتعمد، النفاق الحقيقي يستلزم قدرةً معرفيةً عاليةً على التخطيط، وتقدير عواقب التصرفات، والتحكم في إظهار المشاعر وإخفائها في آن واحدٍ، وهي مهارات لا تنضج إلا في مراحل عمريةٍ متأخرةٍ.

الطفل في هذا العمر يعيش مشاعره ببساطةٍ تامةٍ، فما يظهره هو تعبير صادق عما بداخله، سواء أكان حبًّا، أم خوفًا، أم غيرةً، أم فرحًا، وقد أخبرنا النبي ﷺ بنقاء الطفولة قائلاً: «كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ» (رواه البخاري ومسلم)، والفطرة في سنوات الطفولة الأولى أصفى وأنقى مما نتخيل، بل إن الغيرة التي تظهرها ابنتكِ من وجوده معكِ هي في حقيقتها أقوى دليلٍ على أنها لا تمثل ولا تنافق؛ لأن الطفل الذي يريد إرضاء أمه لن يختار أن يغار من زوجها أمامها.

الغيرةُ سلوكٌ لا إراديٌّ طبيعيٌّ تمامًا لطفلةٍ اعتادت أن تكون محورَ حياة أمِّها لسنواتٍ خمسٍ كاملةٍ في الغربة، ثم وجدت نفسها تشارك هذا القلب مع شخصٍ جديدٍ، ومن هنا فإن هذه الغيرة ليست أمرًا مقلقًا في ذاتها، بل هي في الغالب دليلُ تعلّقٍ واحتياجٍ عاطفيٍّ طبيعيٍّ، لا دليلَ خداعٍ أو تمثيلٍ كما يظنُّ زوجكِ.

الأمر الآخر الذي يستحق التأمل، هو الحالة النفسية التي يمر بها زوجكِ، فما يظهر من وصفكِ أنه ربما يعاني من قلقٍ داخليٍّ حقيقيٍّ بشأن مدى قبوله في هذه الأسرة، وهل سيُحبّ لذاته أم لأنه زوج أمها فحسب، هذا القلق يجعله يقرأ كل تصرفٍ صادرٍ عن ابنتكِ بعيونٍ مرتابةٍ، فيحوّل المحبة في ظنه إلى نفاقٍ، والاهتمام إلى مجاملةٍ مصطنعةٍ، المشكلة إذًا ليست في تصرفات الطفلة، بل في المنظار الذي ينظر منه زوجك.

وقد أمرنا الله تعالى باجتناب سوء الظن فقال سبحانه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا} [الحجرات: 12]، وهذا النهي يشمل من باب أولى الظن بطفلةٍ بريئةٍ لم تبلغ سن التكليف، وقد قال أبو العتاهية في هذا المعنى:
كُنْ عِنْدَ أَحسَنِ ظَنِّ مَن ظَنَّا *** وَإِذَا ظَنَنتَ فَأَحْسِنِ الظَّنَّا

من الأمور التي سوف تعينكِ -بإذن الله- في هذا الموقف أن تهيئي لقاءاتٍ مباشرةً بين زوجكِ وابنتكِ بعيدًا عنكِ، كأن تطلبي منه أن يأخذها في نزهةٍ قصيرةٍ، أو يجلس معها في لعبةٍ تحبها، كثير من الآباء حين يتفاعلون مع الأطفال بشكلٍ مستقلٍّ دون حضور الأم؛ تنكشف لهم تلقائيًّا حقيقة مشاعر هؤلاء الصغار، ويسقط حاجز التأويل والشك.

والأمر الآخر: أن تتجنبي أسلوب المجادلة والدفاع الانفعالي عن ابنتكِ أمامه؛ لأن ذلك يزيد من تصلبه في موقفه، وبدلًا من ذلك استبدليه بمشاركته ملاحظاتكِ الهادئة في الأوقات المناسبة، كأن تخبريه ببساطة أنه حين عاد متأخرًا ظلت تسأل عنه، أو أنها فرحت فرحًا صادقًا حين أحضر لها شيئًا صغيرًا، فالأدلة الحية التي يلمسها بنفسه أقوى من أي حجةٍ كلاميةٍ، وهي أقدر على تغيير نظرته تدريجيًا دون صدام أو توتر.

وممَّا سيعينه على الفهم أيضًا: أن تساعديه على استيعاب ما مررتما به أنتِ وابنتكِ من وحدةٍ وغربةٍ، فطفلة نشأت بلا أبٍ لخمس سنواتٍ، هي في الحقيقة طفلة تحمل في قلبها جوعًا عاطفيًّا حقيقيًّا نحو أي شخصٍ يمثل لها ملاذًا آمنًا ودفئًا أبويًّا، وهذا الجوع هو مصدر محبتها الصادقة، لا النفاق.

وإن استمر الأمر وأثّر في استقرار البيت، فلا تترددي في استشارة متخصصٍ أسريٍّ، إذ كثير من الأسر المجمّعة تعيش مثل هذه التحديات وتتجاوزها بتوجيهٍ صحيحٍ، وفي هذا السياق، فإن طلب المساعدة المتخصصة ليس ضعفًا، بل هو حكمة ورغبة صادقة في بناء بيتٍ سليمٍ ومستقر.

أختي الكريمة: الأسرة المجمّعة كالشجرة الناشئة، تحتاج إلى وقتٍ ورعايةٍ وصبرٍ قبل أن تضرب جذورها وتمتد أغصانها، دعاؤكِ ولطفكِ وحكمتكِ في هذا الطريق هي أقوى ما تملكين، وتذكري أن الله -تبارك وتعالى- بيده تأليف القلوب وتقريب ما بعد.

نسأل الله أن ييسر أمركِ، وأن يشرح صدركِ، وأن يهديكِ سواء السبيل.

مشاركة المحتوى

مواد ذات صلة

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



 
 
 

الأعلى تقيماً