الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

إدمان العادة السرية أفسد علي الحاضر والمستقبل، فهل من أمل؟

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

جزاكم الله عني كل خير، أكتب إليكم رسالتي وأنا تائه في الحياة.

بلغتُ التاسعة والثلاثين، وقد أنهكني إدمان الإباحية لمدة اثنين وعشرين عامًا، فدمّر أهم مرحلة في حياتي، وهي مرحلة الدكتوراه:
- حوّلني من شخص رياضي إلى شخص ضعيف لا يقوى على ممارسة الرياضة.
- حولني من شخص اجتماعي داخل عائلتي ومنطقته والجامعات التي مررت بها، إلى شخص منعزل لا يملك أي علاقات.

- كما حوّلني من مشروع باحث ذي قدرة على البحث والتحليل إلى لا شيء، وقد اجتهدت في أطروحتي، لكن الذنب حال بيني وبين التوفيق حتى تخليت عنها، ومن أستاذ جامعي -ولو بشكل مؤقت- لديه قدرات تعليمية يُشهد لها، إلى عاطل عن العمل، لا أتوجه إلى عمل إلَّا ويُحال بيني وبينه لسبب أو لآخر.

- كما حوّلني من شخص يسعى إلى الزواج إلى شخص يخاف منه، وأوقعني في خطأ فادح، وهو أنني انتزعت نفسي من بيئة كنت أنمو فيها وأستثمر نفسي داخلها، لأعزل نفسي في بيئة صرت فيها مستهلكًا، دون أثر إيجابي في حياتي.

هذا في كفّة، وسوء علاقتي بربي في كفّة أخرى، وكفى بذنوب الخلوات شاهدًا، ويشهد الله أنني أكره هذا الذنب وأحب التوبة والصلاة والصدقة، وأحب العلماء وحِلَق العلم، وحديث النبي ﷺ، والأذكار.

تمرّ عليّ فترات أجتهد فيها اجتهادًا كبيرًا، حتى إذا راودني هذا الذنب أفسد عليّ كل شيء، فأجلد ذاتي وأتّهم نفسي بعدم الإخلاص، وأن توبتي كانت لمصالح الدنيا، فلما لم تتحقق عدت إلى عصياني.

وتراودني أفكار عن غضب الله وعدم قبول استغفاري، فأبتعد عن المسجد لفترات، وأضيع بعض الصلوات، وأتخلى عن الذكر والدعاء والقرآن، ثم أستسلم للإدمان، إلى أن تأتي جولة أخرى من المحاولة.

أخيرًا، أقول: والله إني أصبر على عدم الزواج، فانتكاستي اليوم ليست بدافع فورة شهوة، بل هروبًا من الضغوط النفسية، وأصبر كذلك على ضيق ذات اليد، لكنني لا أجد نفسي قادرًا على الصبر على الابتعاد عن الجامعة والتدريس والبحث؛ فبدونها أشعر بفراغ كبير، وأرى أن جانبًا من عدم النجاح في كل ذلك يعود إلى أثر الإباحية على الدماغ بلغة الإدمان، وهذا لا يمنع -من جهة أخرى- ما قيل في المعنى الشرعي من أن: "العلم نور، ونور الله لا يُهدى لعاصٍ".

اليوم أنا تائه، حزين على ما مضى، خائف ممَّا هو آت، أنظر إلى والديّ فأرى خيبة أملهما، وأنظر إلى أقراني وطلابي فأجدهم -ما شاء الله- قد أصبحوا دكاترة وأساتذة، وأنظر إلى أبناء عمومتي وأخوالي فأشعر بالخزي، لا حسدًا، ولكن حزنًا على ما آل إليه حالي.

ألَا من كلمة أمل؟ فإني لا أجد ممَّن حولي إلَّا الانتقاد والاستهزاء واللامبالاة، وإذلال مَن كان عزيزًا فصار في هذا الحال!

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ إبراهيم حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

نشكركَ على تواصلكَ معنا، وثقتكَ بموقعنا.

قرأنا رسالتكَ بكل ما تحمله من ألمٍ حقيقيٍّ وصراحةٍ نادرًا ما نراها، والرجل الذي يقف أمام نفسه بهذا المستوى من الشجاعة والمصارحة ليس ضائعًا كما يظن، بل هو واقفٌ على أول الطريق.

فهمنا من رسالتك -أخي الكريم- أنك تواجه ثلاث معارك متشابكة في وقت واحد:
- معركة مع إدمان عمره 22 عامًا، أفقدك كثيرًا ممَّا كنت عليه من نشاطٍ وعلاقاتٍ وطموحٍ.
- ومعركة مع نفسٍ تُجلدك وتَتَهمُك بعد كل انتكاسةٍ حتى تدفعك إلى هجر الصلاة والذكر والمسجد.
- ومعركة مع أفكارٍ تُوهمك بأن باب الله قد أُوصد دونك وأن استغفارك غير مقبولٍ.

وهذه المعارك الثلاث لا تُخاض بنفس السلاح، وكل واحدة منها تحتاج رؤيةً مختلفةً، وذلك من خلال:

أولًا: ما يُقلقنا أكثر من الإدمان نفسه هو النمط الذي يعقبه في حياتك: الانتكاسة، ثم الجلد الذاتي العنيف واتهام النفس بعدم الإخلاص، ثم الابتعاد عن المسجد وإضاعة الصلاة والتخلي عن الذكر، ثم الاستسلام مجددًا للإدمان، وهذه الحلقة يُعرّفها علماء النفس بـ (أثر انتهاك العزم)، أي أن الشعور الحاد بالذنب بعد الانتكاسة؛ يُولِّد ضغطًا نفسيًّا إضافيًّا يدفع إلى الانتكاسة مرة أخرى في دوامة لا تنتهي.

والأخطر في هذا النمط هو هجر الصلاة والذكر عقب كل انتكاسةٍ، لأن هذا بالضبط ما يريده الشيطان: يريدُ أن يستخدم ذنبك الأول ذريعةً ليُبعدك عن ربك؛ فالانتكاسة يمكن الاستغفار منها في لحظة، لكن هجر الصلاة يُطيل مسافة البعد بينك وبين الله، ويجعل العودة أشق وأثقل.

لذلك نصيحتنا الأولى والأهم هي: مهما حدث، لا تترك الصلاة، وصلِّ ركعتي توبة في نفس يوم السقوط؛ فذلك خيرٌ ألف مرة من أسابيع في جلد النفس.

ثانيًا: أعجبنا استشهادك بيتٍ من شِعر الإمام الشافعي رحمه الله: " وأخبرني بأنَّ الْعِلْمَ نُورٌ *** وَنُورُ اللَّهِ لَا يُهْدَى لِعَاصِي"، لكن تأمّل القصيدة كاملة: "شَكَوْتُ إِلَى وَكِيعٍ سُوءَ حِفْظِي *** فَأَرْشَدَنِي إِلَى تَرْكِ الْمَعَاصِي"، فالبيت ذاته جاء في سياقٍ يدل على الحل لا على القنوط، والحل هو ترك المعصية والعودة إلى الله، لا اليأس والانكسار.

يقول الله سبحانه في محكم كتابه: {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} [الزمر: 53]، ولم يستثنِ الله عددًا من السنوات ولا نوعًا من الذنوب، وقال النبي ﷺ في الحديث القدسي: «يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: يَا ابْنَ آدَمَ، إِنَّكَ مَا دَعَوْتَنِي وَرَجَوْتَنِي غَفَرْتُ لَكُ عَلَى مَا كَانَ مِنْكَ وَلَا أُبَالِي، يَا ابْنَ آدَمَ لَوْ بَلَغَتْ ذُنُوبُكَ عَنَانَ السَّمَاءِ ثُمَّ اسْتَغْفَرْتَنِي غَفَرْتُ لَكَ وَلَا أُبَالِي» (رواه الترمذي).

وفي شأن البصر وما تتعرض له من مواد متكررة قال ﷺ لعلي رضي الله عنه: «يَا عَلِيُّ، لَا تُتْبِعِ النَّظْرَةَ النَّظْرَةَ، فَإِنَّ لَكَ الْأُولَى وَلَيْسَتْ لَكَ الْآخِرَةُ» (رواه أبو داود والترمذي)؛ فاللحظة الأولى قد تأتي النظرة بغير اختيارٍ تامٍّ، لكن كل مرة تقاوم فيها -حتى لو عُدتَّ بعدها- هي انتصارٌ يُحسب لك لا عليك.

وأنت قلت في رسالتك أنك تكره هذا الذنب، وتحب التوبة، وتعشق مجالس العلم وحديث النبي، وهذا الكره للذنب، وهذا الحب للطاعة؛ هما في حد ذاتهما بقية إيمانٍ حيٍّ؛ فالمنافق لا يحزن على بُعده عن الله، والذي مات قلبه لا يتألم، وأنت تتألم؛ لأن قلبك لا يزال يحب الله ويصبو إليه، وقد قال النبي ﷺ: «كُلُّ بَنِي آدَمَ خَطَّاءٌ، وَخَيْرُ الْخَطَّائِينَ التَّوَّابُونَ» (رواه الترمذي وابن ماجه).

ثالثًا: لاحظت بنفسك ملاحظةً دقيقةً جدًّا حين قلت: إن الانتكاسة تأتيك هروبًا من الضغوط النفسية لا فورة شهوة، وهذا ما يُسميه علماء النفس (الاستخدام التهدئوي للإدمان)، أي أن الدماغ يلجأ إليه كآلية لتهدئة ضغوطٍ لا يجد لها متنفسًا آخر، وهذا يعني أن الحل لا يكمن في إرادة الترك وحدها، بل في إيجاد آلياتٍ بديلةٍ للتعامل مع الضغط، وفي علاج الإدمان نفسه من جذوره.

ولهذا نحثك بشدة على التواصل مع أخصائي نفسي متخصص في الإدمان السلوكي، لأن اثنتين وعشرين عامًا من هذا الصراع تستحق مساعدةً متخصصةً، وطلب تلك المساعدة ليس ضعفًا بل هو شجاعةٌ وبصيرةٌ وصدقٌ مع النفس.

رابعًا: ذكرت أن أشد ما يؤلمك هو البعد عن الجامعة والبحث والتدريس، وأن الفراغ المترتب عليه هو أعمق جراحاتك، وهذا يُخبرنا أن هويتك الحقيقية متجذرة في العلم والمعرفة، وتلك هبة تملكها في داخلك لم تُؤخذ منك؛ فالذكاء لا يُدمر، والقدرة على البحث والتحليل التي شهد لك بها من عرفوك لا تُمحى بسنوات الغيبة، والطريق إلى الجامعة لا يبدأ بالتسجيل فيها، بل يبدأ بأن تعود إلى كونك باحثًا في داخلك:

ابدأ بقراءة مقالة علمية كل أسبوع في مجال تخصصك، وافتح ملف أطروحتك وتصفح فصلًا منها دون ضغطٍ ولا توقعٍ، وتواصل مع أستاذٍ تثق به ممن شهدوا لك بالكفاءة، وكثير من الأكاديميين الذين نراهم اليوم في مواقع مشرفة مروا بانكساراتٍ خفيةٍ لا يعرفها أحد.

خامسًا: تنظر إلى أقرانك فترى دكاترة وأساتذة وتحزن، لكن أخي الكريم الناس يعرضون نجاحهم ولا يعرضون جراحهم، والمقارنة بالآخرين لا تُنتج غير يأسٍ وإحباطٍ، أمَّا المقياس العادل الوحيد فهو أن تقارن نفسك بنفسك: أين كنت في أحلك لحظات الانهيار؟ وأين تريد أن تكون بعد عام من اليوم؟

وأمَّا نظرة والديك المؤلمة التي تراها، فاعلم أن خيبة الأمل لا تظهر في عيون من لا يُتوقع منه شيء، وما يحمله والداك من توقعات لك هو في جوهره إيمان بك أعمق مما تُدرك، وستجعل ذلك الألم فخرًا بإذن الله.

الخلاصة:
• لا تهجر الصلاة مهما حدث وصلِّ ركعتي توبة في نفس يوم أي انتكاسة.
• تواصل مع أخصائي نفسي متخصص في الإدمان السلوكي ولا تتأخر في ذلك.
• أعد الرياضة إلى حياتك ولو بالمشي ثلاثين دقيقة يوميًّا؛ فإن لذلك أثرًا مباشرًا في تحسين كيمياء الدماغ ومقاومة الإدمان.
• حدد اللحظات والأحوال التي تسبق الانتكاسة عادة، وأعد التخطيط لها بآليات بديلة كالوضوء والصلاة أو المشي أو الاتصال بشخص تثق به.
• ابتعد عن العزلة الكاملة بالحضور في المسجد أو في أي بيئة اجتماعية آمنة.

وفي هذا المعنى كله وما فيه من اعتراف بالذنب وثقة بعفو الله يقول أبو نواس في توبته:
يَا رَبِّ إِنْ عَظُمَتْ ذُنُوبِي كَثْرَةً *** فَلَقَدْ عَلِمْتُ بِأَنَّ عَفْوَكَ أَعْظَمُ
إِنْ كَانَ لَا يَرْجُوكَ إِلَّا مُحْسِنٌ *** فَبِمَنْ يَلُوذُ وَيَسْتَجِيرُ الْمُجْرِمُ

فالباب مفتوح لك، وأنت لست بأشد جرمًا ممَّن تاب الله عليهم من قبلك، وكل خطوة نحو العودة هي نصرٌ ولو صغر، ونسأل الله أن يُيَسِّر أمرك، وأن يشرح صدرك، وأن يهديك سواء السبيل.

وبالله التوفيق.

مشاركة المحتوى

مواد ذات صلة

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



 
 
 

الأعلى تقيماً