الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

خطورة النظر إلى ما حرم الله وأثر ذلك على القلب..

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

لديَّ صديقٌ لديه مفهومٌ ناقصٌ لغضِّ البصر؛ فهو يقول لي إنَّ النظرَ بشهوةٍ المقصودُ به شهوةُ النكاحِ فحسب، ولا يُقصدُ به «التأمُّل» في جمالِ وجهِ المرأة، فصديقي هذا يحاولُ أن يستحلَّ النظرَ إلى وجوهِ النساء، شريطةَ أن تكونَ النيةُ نيةَ الاستمتاعِ بجمالِها، لا رغبةً في نكاحِها.

حاولتُ أن أُقنعه أنَّ ذلك غيرُ صحيحٍ إطلاقًا، وأنَّ التمتُّعَ بجمالِ المرأة، ولو بغيرِ رغبةِ النكاح، هو أيضًا نظرٌ بشهوة، ولكنني لم أعرف كيف أُقنعه، ومن أين أستدلُّ على كلامي.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ عبد الله حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

مرحباً بك في موقعك استشارات إسلام ويب، ونسعد بتواصلك معنا وثقتك بنا، وجوابي لك كالآتي:

أولًا: النظر إلى النساء من آفات العين المهلكة، وهي من أخطر العادات السيئة، تكمن خطورتها في سهولتها وانتشارها، الأمر الذي يؤدي إلى اعتيادها، وتجاوزها رقابة الوازع الشرعي، فتتراكم آثارها مع تعاقب الأزمان، وتؤدي بصاحبها إلى المهالك الخطيرة، مثل استحلال المعصية، وتَشَرُّب القلب لها ومحبتها، فلا ينكر ما حرمه الله، ولا يفر من غضب الله، ولا تعود للقلب حياته، وتنطفئ أنوار الاستقامة فيه، حتى يلتبس عليه الحق بالباطل.

ثانيًا: صديقك هذا الذي تسأل عن حاله، قد ابتلي بزنا العين الذي نفذ إلى القلب بسمومه ورجسه، فانتقل الحال به إلى طلب تلك المعصية، بدلًا من الاستغفار منها والتوبة، وبدأ يجاهر بعيبه وفساده، إلى أن تشبع قلبه بتلك الفتنة، فاستنكر نصيحتك له، وفتش عن تأويلات فاسدة لِمَا ارتكبه من النظرات المحرمة، فيقول مثل تلك العبارة: (أقصد بالنظر إلى المرأة التأمل للجمال، وليس المراد به نظر التفكر بشهوة النكاح)، وهذا من تلبيس إبليس عليه، وقد أحسنت النصح له، فجزاك الله خيرًا، فخير الأصحاب خيرهم لصاحبه.

ثالثًا: لإقناع لصاحبك ببطلان ما يعتقده من جواز النظر (إذا كان المقصود التأمل في جمال النساء)، فأورد عليه كلام العلماء في تحريم النظر للمرأة الأجنبية، قال ابن تيمية رحمه الله: "وكذلك مقدمات الفاحشة عند التلذذ بالنظر إلى المرأة الأجنبية، هو حرام باتفاق المسلمين، كما ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: «الْعَيْنَانِ تَزْنِيَانِ وَزِنَاهُمَا النَّظَرُ» (رواه أحمد) " أ.هـ، فالنظر بشهوة لغير الزوج أو الزوجة حرام بلا ريب، وفي صحيح مسلم عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: «سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَنْ نَظَرِ الْفُجَاءَةِ فَأَمَرَنِي أَنْ أَصْرِفَ بَصَرِي».

رابعًا: لا شك ولا ريب أن غض البصر له فوائد عظيمة، فمن فوائده:
1- أنه طاعة لله تعالى الذي أمر بغض البصر فقال: {قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ * وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ} [النور: 30-31].

2- أنه طاعة لرسول الله ﷺ القائل: «لَا تُتْبِعِ النَّظْرَةَ النَّظْرَةَ، فَإِنَّ لَكَ الْأُولَى وَلَيْسَتْ لَكَ الْآخِرَةُ» (رواه أبو داود والترمذي).

3- أن غض البصر يورث الحكمة والنور في القلب والبصيرة، فمن ترك النظر إلى ما حرم الله عوضه الله تعالى نورًا في القلب.

4- أن غض البصر من أعظم السبل لحفظ الفرج، فإن الله تعالى أمر بغض البصر قبل أن يأمر بحفظ الفرج، وتأمل الآية الكريمة: {قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ}.

5- أن غض البصر فيه تزكية للنفس وتطهير لها من أوحال الرذيلة، ولذا قال تعالى بعد الأمر بغض البصر: {ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ}.

6- أن في غض البصر شكرًا لله تعالى على نعمة البصر، فإن البصر نعمة من الله تعالى.

7- أن غض البصر يورث محبة الله تعالى، قال مجاهد: "غَضُّ الْبَصَرِ عَنِ مَحَارِمِ اللهَ يُورثُ حُبِّ الله".

8- أن في غض البصر استعلاء على النفس الأمارة بالسوء، وإغلاقًا للنافذة الأولى من نوافذ الفتنة والغواية، ودليلًا صادقاً على قوة العزيمة.

9- أن في غض البصر سلامة القلب من أمراض الشهوات، وراحة له مما لا صبر له عليه، ورب نظرة أورثت ذلاً في الدنيا وخزياً في الآخرة.

وختامًا: أسأل الله تعالى أن يهدي صاحبك للصواب، وأن يرزقه العفاف، ويزيدك إيمانًا وتقوى، آمين.

مشاركة المحتوى

مواد ذات صلة

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



 
 
 

الأعلى تقيماً