الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قررت ترك بيت زوج أمي والعودة للعيش مع أبي، فهل قراري صحيح؟

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

عمري 22 سنة، أبواي مطلّقان، وكنت أعيش مع أمي وزوجها، وقررت مؤخرًا أن أعود إلى بيت أبي، لأنني لم أعد أشعر بالراحة في بيت زوج أمي، لكن أمي غضبت وبكت كثيرًا، وقالت لي إنني لن أفلح أبدًا.

هل كلامها صحيح؟ وهل عودتي إلى بيت أبي تُعد من العقوق، مع العلم أنّني لا أريد العودة إلى بيت زوج أمي.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ نورة حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

أهلاً بك في موقعك إسلام ويب، ونسأل الله أن يشرح صدرك، ويجمع لك بين بر والديك وراحة نفسك، وأن يرزقك القرار الذي فيه صلاح دينك ودنياك، وبعد:

فإن ما تمرين به حساس؛ لأنك بين مشاعر تتألم، وحاجة نفس تبحث عن الأمان، والشرع لا يطلب منك أن تعيشي في ضيق دائم حتى ترضي أحدًا، بل يطلب منك البر مع الحكمة، وقد قال تعالى: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا}، وقال النبي ﷺ: «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ»، وعليه فانتبهي لما يأتي:

- انتقالك إلى بيت أبيك ليس عقوقًا في ذاته؛ لأن لك الحق أن تختاري المكان الذي تجدين فيه راحة وأمانًا، خاصة إذا كنت لا تشعرين بالراحة في بيت زوج الأم، وهذا أمر مفهوم وطبيعي.

- العقوق يكون في الإيذاء، ورفع الصوت، والقطيعة، والإهمال، أما مجرد اختيار مكان السكن، مع بقاء الاحترام والتواصل، فليس عقوقًا.

1- كلام أمك "لن تفلحي" لا يُبنى عليه حكم؛ لأنه خرج في لحظة ألم وخوف، وليس دعاءً مقصودًا ولا قدرًا حتميًا، فلا تجعليه يؤثر في نفسك أو مستقبلك، فالله أعدل وأرحم.

2- غضبها وبكاؤها لا يعني أن قرارك خطأ، بل يدل على تعلقها بك وخوفها من فقدك، وهذا يُفهم ويُقدّر، لكن لا يلزمك أن تعيشي على حساب نفسك، إذا استنفدت كل وسائل الإصلاح ولم تفلح.

3- المطلوب منك الآن أن تجمعي بين أمرين: الثبات على قرارك إن كنت حقًا محتاجة له ولا تستطيعين الصبر، مع حسن التعامل مع أمك، فتطمئنينها، وتزورينها، وتتواصلين معها، وتُظهرين لها محبتك؛ حتى لا تشعر أنك تركتها.

4- تحدثي معها بهدوء، وقولي لها إنك لم تتركيها، وإنما تبحثين عن راحة تساعدك على الاستقرار، وأنك ستبقين قريبًا منها، وهذا سوف يخفف عنها كثيرًا.

5- لا تدخلي معها في جدال طويل لإقناعها؛ لأن المشاعر لا تُقنع بالمنطق في لحظات الحزن، بل تُهدأ باللطف والتكرار والوقت.

6- بِرُّك بها لا يتوقف على مكان سكنك، بل يظهر في السؤال، والزيارة، والمساعدة، والكلمة الطيبة، وهذه تستطيعين أن تفعليها أينما كنت.

7- تأكدي أن راحتك النفسية مهمة؛ لأن الإنسان إذا استقر كان أقدر على بر والديه، وعلى بناء حياته، وعلى النجاح، فلا تظني أن التضحية بنفسك هي الطريق الوحيد للبر.

8- إن استطعت أن تحسني علاقتك بوالدك أيضًا، وتستفيدي من وجودك عنده في بناء نفسك ودراستك، فاجعلي هذا الانتقال خطوة إيجابية، لا مجرد هروب من وضع سابق.

9- اجعلي نيتك في هذا القرار إصلاح نفسك، والاستقرار، والقدرة على البر، لا مجرد الانسحاب؛ لأن النية تغير أثر القرار.

10- مع الوقت، ومع حسن تعاملك، سيهدأ غضب أمك غالبًا؛ لأن القلوب تلين حين ترى صدق الابنة وحرصها.

ختامًا: من الطبيعي أن تجدي بعض المشاكل كذلك في بيت أبيك، فزوجته ليست أمك، وهذا أمر طبيعي، لذا عليك أن توازني بين طبيعة زوجة الأب وزوج الأم، لاختيار أقلهما ضررًا لك، ونحن ندعو الله أن يحفظك وأن يبارك فيك.

اللهم يا جامع القلوب ألف بين القلوب، واهدنا لبر الوالدين بلا مشقة ولا تقصير، وارزقنا الحكمة في قراراتنا، وبارك لنا في حياتنا وأهلنا، إنك على كل شيء قدير.

والله ولي التوفيق.

مشاركة المحتوى

مواد ذات صلة

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



 
 
 

الأعلى تقيماً