الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

بسبب مشاكلي الكثيرة أفكر في ترك الدراسة!

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أنا فتاة في العشرين من عمري، وأعاني من مشاكل كثيرة، وأفكّر في ترك دراستي وعدم إكمالها، مع أنّني أرغب في الاستمرار، لكنني أشعر أنّه ليست لديّ طاقة، وأنني لن أنجح فيها أبدًا، ماذا أفعل؟

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ فاطمة حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

نشكركِ لتواصلكِ معنا وثقتكِ بموقعنا.

فهمنا من رسالتكِ -أختي الكريمة- أنكِ تمرين بمرحلة صعبة تجتمع فيها ضغوط متعددة، وتتصارع في داخلكِ رغبة حقيقية في إكمال دراستكِ، مع شعور ثقيل بالإرهاق وفقدان الثقة بالنفس، وهذا التصارع الداخلي بحد ذاته دليل على أن بداخلكِ إرادة لم تمت، وأن قرار الاستسلام لم يكتمل بعد، وهذا أمر يدعونا إلى التفاؤل.

أولًا: ما تصفينه من غياب الطاقة والشعور بأنكِ لن تفلحي، هو ما يُعرف في علم النفس بالإرهاق المتراكم، أو ما يشبه أعراض الاحتراق الداخلي، وهو حالة تنشأ حين تتراكم الضغوط وتتضافر المشكلات، دون أن يجد الإنسان متنفسًا كافيًا، أو دعمًا مناسبًا، ولا نريد أن نُسقط تشخيصًا بعينه من بُعد، لكننا نقول بوضوح: ما تشعرين به ليس حكمًا على قدراتكِ الحقيقية، بل هو تعبير عن إرهاق يحتاج إلى علاج، لا عن ضعف أصيل فيكِ.

ثانيًا: لماذا لا يكون ترك الدراسة هو الحل الآن؟
لأن القرارات الكبرى في حياتنا لا ينبغي أن تُتخذ في لحظات الضعف والإرهاق، فالشخص الذي يقرر في قمة حزنه أو إرهاقه، يرى الأمور بمنظار مشوَّه، يُضخم العقبات ويُقلل من الطاقات، ولو انتظرتِ قليلًا وعالجتِ أسباب الإرهاق، ربما رأيتِ الأمور بعين مختلفة تمامًا، وكم من إنسان اتخذ قرار الترك في لحظة ضعف، ثم ندم طويلًا، يقول الله عز وجل: {وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} (آل عمران:139).

ثالثًا: من الأمور التي ستعينكِ بإذن الله:

1. ابحثي عن جذر المشكلة، فالمشكلات الكثيرة التي أشرتِ إليها، هي على الأرجح المحرك الحقيقي لشعورك بالإرهاق، فلو عالجتِ بعضها، أو وجدتِ من يعينكِ عليها؛ لاستعادت الدراسة مكانها الطبيعي في ذهنكِ، فحاولي أن تكتبي تلك المشكلات وتُصنفيها: ما الذي بيدكِ حله الآن؟ وما الذي يحتاج إلى وقت؟ وما الذي تحتاجين فيه إلى مساعدة؟

2. لا تستعجلي الإجابة الكبرى، بدلًا من أن تسألي: هل أكمل أم أترك؟ اسألي أولًا: كيف أستعيد طاقتي الآن؟ ثم اتخذي القرار من موضع القوة، لا من موضع الانهيار، فالفرق كبير بين الاثنين.

3. عودي إلى الله بصدق؛ فإن من أعظم ما يُعيد للإنسان طاقته ويمنحه شعورًا بالاتجاه هو الصلة بالله، قال النبي ﷺ: «عَجَبًا لأَمْرِ المُؤْمِنِ، إنَّ أمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ، وليسَ ذاكَ لأَحَدٍ إلَّا لِلْمُؤْمِنِ، إنْ أصابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ، فَكانَ خَيْرًا له، وإنْ أصابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ، فَكانَ خَيْرًا له» (رواه مسلم).

4. احرصي على صلاة الفجر في وقتها، فإنها تفتح اليوم على بركة، وتشعر صاحبها بأنه قادر، وأكثري من الدعاء بـ: «اللَّهُمَّ لَا سَهْلَ إِلَّا مَا جَعَلْتَهُ سَهْلًا، وَأَنْتَ تَجْعَلُ الْحَزَنَ إِذَا شِئْتَ سَهْلًا».

5. تحدثي إلى شخص تثقين به، سواء أكانت أمًا، أم صديقة مقربة، أم مرشدة في جامعتكِ؛ فالحمل الذي تحملينه يخف حين تُشاركينه مع من تحبين.

6. قسّمي المهمة الكبيرة إلى مهمات صغيرة، فبدلًا من التفكير في إتمام الدراسة كاملة، فكري في هذا الأسبوع فقط، أو حتى في هذا اليوم، فالإنجاز الصغير يُعيد الثقة.

رابعًا: إذا كان الشعور بانعدام الطاقة مستمرًا لأسابيع، ويصاحبه اضطراب في النوم أو الشهية أو العزلة عن الناس؛ فإن زيارة أخصائي نفسي للتقييم تكون واجبة، وليست مجرد خيار، وطلب المساعدة في هذه الحالة شجاعة وحكمة، قبل أن يكون ضعفًا.

خامسًا: أختي الكريمة، أنتِ لم تتركي الدراسة حتى الآن، ولو كنتِ قد يئستِ حقًا لما كتبتِ هذه الرسالة، فلا تزال هناك جذوة في داخلكِ، ونحن نثق أن الله قادر على أن يُعيد إليكِ الطاقة والأمل، إن أحسنتِ اللجوء إليه وعالجتِ ما بيدكِ.

نسأل الله أن ييسر أمركِ، وأن يشرح صدركِ، وأن يهديكِ سواء السبيل.

مشاركة المحتوى

مواد ذات صلة

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



 
 
 

الأعلى تقيماً