الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

زوجتي نكدية ومهملة لحقوقي ..هل تنصحوني بالانفصال عنها؟

السؤال

زوجتي نكدية وتعاملني بالندية تمامًا، كأن البيت فيه رجلان وليس رجلاً وزوجته.

في أيام عطلتي لا تقوم صباحًا، ولا تهتم بي، وهذا الحال مستمر منذ 15 سنة، وقد صبرت كثيرًا، تحب النوم ولا تستيقظ إلا بعد محاولات كثيرة مني في أيام إجازتي، أحتاج إلى اهتمام، وإلى إعداد الطعام، والاهتمام بأطفالي، ولكن لا يوجد أي استجابة.

لا تقوم إلا بعد الظهر لإعداد الغداء، ودائمًا يكون متأخرًا، وتُشعرنا بأنها تتفضل علينا؛ لأنها طبخت، كل طلب أو انتقاد يقابَل فورًا بنوبة عصبية وصوت عالٍ.

تحاول دائمًا أن تفعل ما تريده هي، ولا تهتم بالحوار، بل عند أي محاولة نقاش تقوم بالصراخ فورًا لتكسب الحوار وتوقف رأيي، ما الحل؟ أنا تعبت منها، أحاول دائمًا استيعابها، ولكن وصلنا إلى مرحلة صعبة بدون أي استجابة.

مع العلم –ولله الحمد– أن وضعي المادي جيد، وأستجيب لجميع طلباتها واحتياجاتها ولا يوجد تقصير من أي ناحية، وقد صبرتُ عليها رغم الأخطاء الكبيرة وسكتُّ، ولكن لا يوجد أي تقدير.

أريد الرأي الشرعي في حال اخترتُ الانفصال.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ أحمد .. حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

مرحبًا بك -أيها الأخ الحبيب- في استشارة إسلام ويب، نشكر لك تواصلك بنا، ونسأل الله تعالى أن يصلح زوجتك، وأن يهديها سبل الرشاد، وأن يديم المودة والألفة بينكما.

نشكر لك -أيها الحبيب- كل ما بذلته من محاولات لاحتواء زوجتك، وكل ما سبق منك من إحسان إليها، ونود أن نذكرك -أيها الكريم- أن هذا الجهد الذي تبذله ليس بضائع، بل هو محفوظ مدخر عند الله سبحانه، فقد قال الله جل شأنه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا﴾.

وإذا كان إصلاح ذات البين وعد الله تعالى به الأجر العظيم، وجعله من خير ما يقوله الإنسان، فإصلاح حال الأسرة والصبر على الزوجة لدوام هذه الأسرة عمل أعظم وأجل، كما قال الله سبحانه: ﴿لَّا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾.

فإذا كان كل هذا الأجر العظيم لمن سعى للإصلاح بين الناس، فكيف بمن سعى لإصلاح أسرته، وغض الطرف عن بعض أخطاء زوجته، ليحفظ أسرته وأولاده؟! لا شك أن هذا عمل كبير، وأن أجره عند الله تعالى عظيم.

فنذكرك بهذا أولًا -أيها الحبيب- حتى تعرف أن صبرك غير ضائع، بل هو مدخر لك، وأن كل جهد تبذله هو إنجاز في هذه الحياة، فإذا احتسبت أجرك عند الله كان الأمر أعظم وأعظم.

لهذا نرجو أن لا يضيق صدرك، وينفد صبرك بسبب تصرفات زوجتك، وإن كان فيها ما فيها من الرعونة والقسوة المنافية لِمَا ينبغي أن تكون عليه الزوجة من التحبب للزوج، والتذلل له، والسعي في إسعاده وإدخال السرور إلى قلبه، لكن نذكرك أيضًا -أيها الحبيب- بأن «القُلُوبَ بَيْنَ أُصْبُعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ الرَّحْمَنِ يُقَلِّبُهَا كَيْفَ يَشَاءُ»، وأن تغيُّر الإنسان ليس بالأمر بعيد المنال، ولا صعب الحدوث، فإن الله تعالى لا يعجزه شيء.

لهذا ننصحك قبل اتخاذ قرار الطلاق، ننصحك بإعادة المحاولة لإصلاح زوجتك، وأن يكون هذا الإصلاح ماضيًا وفق خطوات معينة، أولى هذه الخطوات هي: الخطوة التي أرشد الله تعالى إليها من الوعظ والتذكير، فحاول أن تعظها وتذكرها وتسمعها المواعظ التي تذكرها بحق الزوج عليها، وأن هذه الحقوق سيسألها الله تعالى عنها، فهذا الوعظ قد يؤثر في القلب ويصلح به الإنسان: ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾.

ثم المرحلة الثانية وهي التأديب بالهجر، وربما كان هذا أشد على المرأة من أي إجراء آخر، وإذا أمكن أن تستعين بأُمِّها لنصحها وتذكيرها وبيان أن ما تفعله فيه تقصير، وإذا رأيت أن هناك من سيساعدك ممن له كلمة مقبولة عندها، فهذا خير أيضًا.

ويأتي التهديد بالطلاق قبل الطلاق كمرحلة من مراحل العلاج والإصلاح؛ فربما خافت المرأة من تفريق أسرتها وهدم بنيان بيتها.

أمَّا إذا لم تجدِ كل هذه الخطوات، وضاق صدرك، ولم تقدر على الصبر عليها، فالطلاق من حيث الحكم الشرعي جائز، ولكنه ينبغي أن يكون خاضعًا للمقارنة الدقيقة بين المصالح والمفاسد، فربما فررت من واقعٍ مزعجٍ مؤذٍ إلى واقعٍ أشد إيذاءً منه وأكثر مفاسد، وربما خرجت من بعض المعاناة إلى معاناة أشد، فلا بد أن تكون حكيمًا في المقارنة بين الحالة التي أنت فيها ونتائج الطلاق، واشتغالك بالأبناء والبنات وتفريق الأسرة، وما يتبع ذلك من مفاسد كثيرة، فهذا هو ميدان النظر الصحيح.

أمَّا الحكم الشرعي فأمره واضح جدًّا؛ الطلاق جائز وإن كان مكروهًا عند جماهير الفقهاء عند استقامة الحال، ولكن ليس كلُّ جائز يكون فيه النفع والمصلحة، فانظر أنت ما يصلح لك، واستخر ربك، وشاور العقلاء ممَّن حولك في أنفع القرارين، ثم امضِ بعد ذلك لما ينشرح له صدرك.

نسأل الله تعالى أن يوفقك لكل خير، وأن يُصلح زوجتك، ويُديم المودة بينكما.

مشاركة المحتوى

مواد ذات صلة

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



 
 
 

الأعلى تقيماً