الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

أشغلت نفسي كي لا تقودني للمعصية ولكنني تشتت!

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

قضيتُ طوال حياتي أنشغل عن نفسي؛ لأن نفسي تقودني إلى المعاصي كثيرًا، وهي مهلكة جدًّا، وبالأخص يمكنني أن أقول إنني رُبيتُ على معصية معيّنة، وهذه المعصية هي مصيبتي الكبرى، أسأل الله أن يفكّ أسري منها.

أدركتُ هذه المشكلة منذ صغري، ووجدتُ أن الحل هو الانشغال؛ فكلما كنتُ مشغولة ابتعدتُ عن المعاصي وتقربتُ من الله، لكن أصبح هدفي هو الانشغال عن نفسي فقط، بمعنى أنني سلكتُ طرقًا كثيرة بفروعها ولكن لا أتممها، ورغم ذلك يرضيني هذا؛ لأن هدفي تحقق، إلَّا أن هذا أيضًا جعلني مشتّتة.

أنا بفضل الله أعرف الكثير، لكنها معرفة سطحية، مع أن الله رزقني حبّ المعرفة والمذاكرة، ولكن كما ذكرتُ أبدأ طريقًا ولا أكمله، فلا يتحقق لي النفع منه، وبرغم ذلك يتحقق الهدف الحقيقي.

أدركتُ مشكلتي هذه مؤخرًا، وأريد أن أسأل: هل سأُحاسب على الطرق غير المكتملة الكثيرة؟ وهل سأُحاسب على ضياع الوقت فيها؛ لأن ظاهرها ضياع وقت، وباطنها كذلك، لكن نيّتي كانت دائمًا خيرًا، والله شاهد على ذلك؟

كما أنني أعاني من تشتّت في الطرائق، لكن في الوقت نفسه أحبّ انشغالي بهذا التشتّت، وأدعو الله دائمًا بالهداية والسداد.

فما الذي تنصحونني به؟

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ إلهام .. حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

مرحبًا بك -ابنتنا الكريمة- في موقعك استشارات إسلام ويب، وجوابي لكِ كالآتي:

أولًا: انشغالك بنفسك وبمصالحها صفة طيبة ومميزة، فإن الإنسان منا مسؤول عن نفسه وعن أعمالها، والنفس إن كانت تقود صاحبها إلى المعاصي فتحتاج إلى مجاهدة على الطاعات والقربات.

وبالطبع الإيمان باليوم الآخر، والاستعداد للقاء الله تعالى، وكثرة التأمل، والدراسة في الترغيب والترهيب؛ هو الذي يحمل الإنسان على طاعة الله تعالى واجتناب المعاصي، ولذلك علّل أهل الجنة اجتهادهم في الصالحات بقولهم: ﴿إِنَّا نَخَافُ مِن رَّبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا﴾ [الإنسان:10]، فلعل الله أن يقنعك من هذه المعصية التي وصفتِها بأنها مصيبتك الكبرى.

ثانيًا: ذكرتِ أنكِ مشتّتة في طرق كثيرة بفروعها، وقلتِ إنكِ لا تُتمّينها.
وجوابك: أن الإنسان منا قد ينطلق في طرق كثيرة ومشاريع عدة في الحياة، ولكن بعد فترة وجيزة يحس بانخفاض في حماسه وقلة الدافع، فيؤدي ذلك إلى ترك هذه الأعمال والمشاريع.

فالحل هو تنظيم الوقت، والعزم الأكيد على إنهاء العمل الذي بدأتِ فيه وسرتِ فيه حتى يكتمل، ثم الانتقال إلى المشروع الآخر، وأيضًا إدارة الوقت بصورة صحيحة والتوكل على الله تعالى.

ثالثًا: أما سؤالك: هل سأحاسب على الطرق غير المكتملة؟
فالجواب: إن كان هذا العمل واجبًا شرعيًا فلا بد من إكماله، كمن تلفّظ بأن يؤدي نسك العمرة بقوله: "لبيك اللهم عمرة"، فيجب عليه إتمامها، وإن كان هذا العمل غير واجب كالمستحب فيُستحب إكماله، وإن كان مباحًا فإكماله مباح، وقد أجبتُ بهذا التفصيل لأنكِ لم تذكري ما هي الأعمال التي لم تُكمليها.

رابعًا: أما هل يحاسبك الله على تضييع الوقت؟
فالجواب: نعم، إن الله تعالى سيحاسب الإنسان على وقته وعمره، كما جاء في الحديث: «لا تزولُ قدما عبدٍ يومَ القيامةِ، حتى يُسألَ عن عمرِه فيمَ أفناه؟ وعن علمِه فيمَ فعل فيه؟ وعن مالِه من أين اكتسبه وفيمَ أنفقه؟ وعن جسمِه فيمَ أبلاه؟» (رواه الترمذي).

وحبكِ للعلم والمذاكرة شيء طيب ومفيد، وهي صفة من يحفظون أوقاتهم، فحاولي الابتعاد عن التشتّت في الطرق، وركّزي على أمر واحد قبل الانتقال إلى هدف آخر، وعليكِ بالاستمرار في الدعاء بالهداية والسداد.

خامسًا: التوبة في مشوار الحياة مهمة جدًا، وهي المخرج من الذنوب، فعليكِ بالتوبة النصوح، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَن يُكَفِّرَ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي من تحتها الأنهار يومَ لا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَىٰ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا واغفر لنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [التحريم: 8].

والتوبة النصوح شروطها ثلاثة: الإقلاع عن المعصية، والندم على ما فات، والعزم على عدم العودة إلى المعصية، وكلما وقع الإنسان في المعصية فليُحدِث لها توبة، ومهما كانت ذنوب الإنسان فإن عفو الله تعالى أعظم، قال تعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر:53]، وقال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ﴾ [الشورى:25]، وقال ﷺ: «‌التَّائِبُ ‌مِنَ ‌الذَّنْبِ، ‌كَمَنْ لَا ذَنْبَ لَهُ» (صحيح ابن ماجه).

نسأل الله تعالى أن يُقدّر لكِ الخير، وأن يزيدك إيمانًا وسدادًا وتوفيقًا لكل خير، وأن يعصمك من كل شر، اللهم آمين.

مشاركة المحتوى

مواد ذات صلة

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



 
 
 

الأعلى تقيماً