الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

كلما قدم ضيف اتصل بي والدي للقيام بواجب الضيافة!

السؤال

السلام عليكم.

والدانا منفصلان، ونحن بنت وابن واحد، أنا أمكث مع أمي، وأخي مع أبي، وأحياناً أذهب لزيارة أبي والمكوث معه لأيام، والاهتمام به من مأكل وتنظيف، وكل ما أستطيع فعله، ثم أعود إلى أمي، وأقوم بنفس الشيء.

وكان كلما أتى ضيف إلى منزل أبي يتصل بي للقدوم والقيام بواجب الضيافة، من مأكل، وتنظيف للمنزل ونحو ذلك، لكن المنزل كبير، ويحتاج للتنظيف باستمرار، خاصة أنهم رجال، ولا يتركون المنزل نظيفاً، إلى جانب ما سأعده من طعام وتسوق، كما أن المنزل لا توجد به المعدات الكافية للطبخ، من فرن ونحو ذلك، فأضطر لإعداد كل شيء تقريباً في منزل أمي، وأذهب به إلى أبي، والمنزل بعيد عن سكن أمي.

لقد تعبت من الذهاب إلى أبي وأخي كلما أتى ضيف للمنزل، كما أنهما لا يرغبان بمجيء سيدة لمساعدتي في شؤون المنزل، خاصة من الناحية المادية فهما بخيلان نوعاً ما، خاصة أخي؛ لأنه من يصرف حالياً بسبب كبر سن أبي، والذي لا يقوى على العمل.

ورغم أن عائلة أبي تعلم بوضع طلاق والدينا، وعدم وجودي باستمرار مع أبي، إلا أنهم يأتون ويبقون معنا لفترة، مع أن كلا والدينا محتاجان للرعاية، وليس لدينا وقت للضيوف، ومع هذا لم نرد أي ضيف، أو قدوم أي شخص للمنزل، وقبل طلاقهما كان الضيوف يزوروننا كل فترة، ولم نشك من ذلك، كنا نتعاون، وفي منزل واحد، لكننا لا نجد منهم أي تعاطف مع ما نحن فيه من وضع، ويزوروننا وكأن أمي لا زالت في المنزل، بل ويريدون أن نقوم بالواجب الكامل معهم، وكأنهم من أفراد المنزل.

فسؤالي: هل الضيافة واجب علي أنا (البنت)؟ لأنني لا أكون مع أبي دائماً، وهل عليّ أن أستجيب كلما اتصل بي أبي أو أخي؟ يعني: ما حكم ضيافة الضيوف؟ هل واجبة أم سنة؟ وما الواجب علي في هذه الحالة؟ أرجو الإجابة في أقرب وقت؛ لأني أخاف أن أكون قد عصيت الله في ذلك.

وجزاكم الله خيراً.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ أم رؤيا حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

أهلا بك في موقعك إسلام ويب، ونسأل الله الكريم أن يبارك فيك، وأن يحفظك، وأن يعينك على بر والديك، وأن يكتب لك السعادة في الدنيا، والفوز في الآخرة، إنه جواد كريم.

أختنا: دعينا ابتداء نحمد الله إليك هذا الجهد وهذا البر، فما فعلتيه هو ما تفعله الفتاة الصالحة البارة التقية، التي ترجو رحمة الله وتخشى عقابه، وتطمع أن تكون من المرضي عنهم في الدنيا والآخرة.

هنيئاً لك أن عافاك الله في بدنك، فاستطعت أن تقومي بعمل عظيم هكذا، وغيرك ابتلاها الله في جسدها، فلا تقوى على بر والديها، هنيئاً لك أن رزقك الله الصبر على التحمل، لتنالي الأجر كاملاً، وغيرك رجعت في منتصف الطريق، فحرمت مرضاة الله تعالى.

أختنا الكريمة: اعلمي أن حصاد البر لا يتوقف على صلاح دنياك، بل يتعدى ذلك إلى ربح آخرتك، واعلمي أن الله سيعلي شأنك بالبر، وسيطيب ذكرك بين الخلق، وسيبارك في عمرك ورزقك، فقد قال -صلى الله عليه وسلم-: (مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُبْسَطَ له فِي رِزْقِهِ، وأَنْ يُنْسَأَ لَهُ فِي أَثَرِهِ، فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ)، ومعنى ينسأ: أي يؤخر، وقد أخبر أهل العلم أن التأخير هذا على الحقيقة -أختنا الكريمة-، ثم تمام الفضل في سعة الرزق، وهذا ما وعد النبي -صلى الله عليه وسلم- لمن تعب في بر والديه.

أختنا الفاضلة: نحن نقول ذلك ونعلم قطعاً ما تعانينه من ألم وتعب، ونقول لك: الأجر على قدر المشقة، وما تفعلينه مع الوالد أمر يرضي الله تعالى عنك، فهذا هو البر العظيم، بل هو من كمال الإيمان، ومن أحبّ الأعمال إلى الله -سبحانه-، وهو سبب في مغفرة الذنوب، للحديث الذي رواه ابن عمر -رضي الله عنهما- قال: (أنَّ رجلًا أتَى النَّبيَّ -صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ-، فقالَ: يا رسولَ اللَّهِ إنِّي أصَبتُ ذنبًا عظيمًا فَهَل لي مِن تَوبةٍ، قالَ: هل لَكَ مِن أمٍّ؟ قالَ: لا، قالَ: هل لَكَ من خالةٍ؟ قالَ: نعَم، قالَ: فبِرَّها)، فإذا كان هذا مع الخالة فكيف بالوالد؟!

بل نقول لك مع ذلك -أختنا-: إن صاحب البر لا يصاب بالضيم، وإن وقع في كربة فإن بره ينجيه، ولعلك قرأت قصة الثلاثة الذين حُبسوا بالغار بسبب صخرةٍ ضخمةٍ سدّت عليهم الطريق، فكان دعاء الرّجل البارّ بوالدته سبباً لانفراج هذه الصّخرة عن الغار وخروجهم منها.

أما عن سؤالك -أختنا-، فاعلمي -بارك الله فيك- أن الله لن يحاسبك على ما عجزت عنه على الحقيقة، فإذا كنت تودين بر والدك، لكن مثلاً لم يكن معك القدرة المادية، فلن تحاسبي على ذلك، ووالدتك ليست ملزمة بدفع مال ضيوف أبيك.

وبخصوص سؤالك الآخر عن حكم الضيافة، فاعلمي أن العلماء اختلفوا، هل هي واجبة أم مستحبة؟ وذلك لما جاء في الحديث عَنْ أَبِي شُرَيْحٍ الْخُزاعِي -رضي الله عنه- قَالَ: سَمِعَتْ أُذُنَايَ، وَأَبْصَرَتْ عَيْنَايَ حِينَ تَكَلَّمَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- فَقَالَ: (مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ جَائِزَتَهُ)، قَالَ: وَمَا جَائِزَتُهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: (يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ، وَالضِّيَافَةُ ثَلاَثَةُ أَيَّامٍ، فَمَا كَانَ وَرَاءَ ذَلِكَ فَهْوَ صَدَقَةٌ عَلَيْهِ) رواه البخاري.

وسئل مالك بن أنس عن كيفية الضيافة فقال: يُكرمه، ويتحفه، ويخصه، ويحفظه، يوماً وليلة، وثلاثة أيام ضيافة، قلت: يريد أنه يتكلف له في اليوم الأول بما اتسع له من بِر، وألطاف، ويقدِّم له في اليوم الثاني والثالث ما كان بحضرته، ولا يزيد على عادته، وما كان بعد الثلاثة: فهو صدقة ومعروف، إن شاء فعل وإن شاء ترك، "معالم السنن" (4/238).

وقال ابن القيم -رحمه الله-: إن للضيف حقّاً على مَن نزل به، وهو ثلاث مراتب:
- حق واجب.
- وتمام مستحب.
- وصدقة من الصدقات.
فالحق الواجب: يوم وليلة، وقد ذكر النبي -صلى الله عليه وسلم- المراتب الثلاث في الحديث المتفق، ولكن هذا -أختنا- يلزم والدك في النفقة، ويلزمك في الإعانة قدر الاستطاعة، واحتسابك للأجر عند الله يخفف عنك -أختنا الفاضلة-.

ونحن نوصيك أن تجلسي مع الوالد، وأن تحدثيه عن تعبك في ذلك بطريقة لطيفة ودودة، بحيث يكون أمر الضيافة معتدلاً لا غلو فيه ولا مبالغة.

نسأل الله لكم تمام العافية والستر، والله الموفق.

مشاركة المحتوى

مواد ذات صلة

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



 
 
 

الأعلى تقيماً