الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
              صفحة جزء
              حدثنا إبراهيم بن عبد الله بن إسحاق السراج ، قال : سمعت إبراهيم بن بشار - وهو خادم إبراهيم بن أدهم - يقول : قلت : " يا أبا إسحاق ، كيف كان أوائل أمرك حتى صرت إلى ما صرت إليه ؟ قال : غير ذا أولى بك ، فقلت له : هو كما تقول رحمك الله ، ولكن أخبرني لعل الله أن ينفعنا به يوما ، فسألته الثانية فقال : ويحك اشتغل بالله ، فسألته الثالثة فقلت : يا أبا إسحاق ، إن رأيت ، قال : كان أبي من أهل بلخ ، وكان من ملوك خراسان ، وكان من المياسر ، وحبب إلينا الصيد ، فخرجت راكبا فرسي ، وكلبي معي ، فبينما أنا كذلك فثار أرنب أو ثعلب ، فحركت فرسي ، فسمعت نداء من ورائي : ليس لذا خلقت ، ولا بذا أمرت ، فوقفت أنظر يمنة ويسرة فلم أر أحدا ، فقلت : لعن الله إبليس ، ثم حركت فرسي ، فأسمع نداء أجهر من ذلك : يا إبراهيم ، ليس لذا خلقت ، ولا بذا أمرت ، فوقفت أنظر يمنة ويسرة فلا أرى أحدا ، فقلت : لعن الله إبليس ، ثم حركت فرسي ، فأسمع نداء من قربوس سرجي : يا إبراهيم ، ما لذا خلقت ، ولا بذا أمرت ، فوقفت فقلت : أنبهت ، أنبهت ، جاءني نذير من رب العالمين ، والله لا عصيت الله بعد يومي ذا ما عصمني ربي ، فرجعت إلى أهلي فخليت عن فرسي ، ثم جئت إلى رعاة لأبي ، فأخذت منهم جبة ، وكساء ، وألقيت ثيابي إليه ، ثم أقبلت إلى العراق ، أرض ترفعني ، وأرض تضعني ، حتى وصلت إلى العراق ، فعملت بها أياما ، فلم يصف لي منها شيء من الحلال ، فسألت بعض المشايخ عن الحلال ، فقالوا لي : إذا أردت الحلال فعليك ببلاد الشام ، فصرت إلى بلاد الشام ، فصرت إلى مدينة يقال لها المنصورة - وهي المصيصة - فعملت بها أياما ، فلم يصف لي شيء من الحلال ، فسألت بعض المشايخ فقالوا لي : إن أردت الحلال الصافي فعليك بطرسوس ، فإن فيها المباحات والعمل الكثير ، فتوجهت إلى طرسوس ، فعملت بها أياما أنظر البساتين ، وأحصد الحصاد ، فبينا أنا قاعد على باب البحر إذ جاءني رجل فاكتراني أنظر له بستانه ، فكنت في بساتين كثيرة ، فإذا أنا بخادم قد أقبل ومعه أصحابه ، فقعد في مجلسه ثم صاح : يا ناظور ، فقلت : هو ذا أنا ، قال : اذهب فأتنا بأكبر رمان تقدر عليه [ ص: 369 ] وأطيبه ، فذهبت فأتيته بأكبر رمان ، فأخذ الخادم رمانة فكسرها فوجدها حامضة ، فقال لي : يا ناظور أنت في بستاننا منذ كذا ، تأكل فاكهتنا ، وتأكل رماننا لا تعرف الحلو من الحامض ؟ قال إبراهيم : قلت : والله ما أكلت من فاكهتكم شيئا ، وما أعرف الحلو من الحامض ، فأشار الخادم إلى أصحابه ، فقال : أما تسمعون كلام هذا ؟ ثم قال : أتراك لو أنك إبراهيم بن أدهم ما زاد على هذا ، فانصرف ، فلما كان من الغد ذكر صفتي في المسجد ، فعرفني بعض الناس ، فجاء الخادم ومعه عنق من الناس ، فلما رأيته قد أقبل مع أصحابه اختفيت خلف الشجر ، والناس داخلون ، فاختلطت معهم وهم داخلون وأنا هارب ، فهذا كان أوائل أمري وخروجي من طرسوس إلى بلاد الرمال " .

              وروى يونس بن سليمان البلخي ، عن إبراهيم بن أدهم ، وزاد في هذه القصة : " إذا هو على فرسه يركضه ، إذ سمع صوتا من فوقه : يا إبراهيم ، ما هذا العبث ( أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون ) اتق الله ، وعليك بالزاد ليوم الفاقة ، فنزل عن دابته ، ورفض الدنيا ، وأخذ في عمل الآخرة " حدثته عن عبد الله بن الحارث ، عن إسماعيل بن بشر البلخي ، عن عبد الله بن محمد العابد ، عن يونس بن سليمان .

              حدثنا عبد الله بن محمد بن جعفر ، ثنا علي بن الصباح ، ثنا عبد الله بن أحمد بن إبراهيم ، ثنا المسيب ، ثنا عبد الله بن المبارك ، قال : " خرجت أنا وإبراهيم بن أدهم ، من خراسان ونحن ستون فتى نطلب العلم ما منهم آخذ غيري " .

              حدثنا عبد الله بن محمد ، ومحمد بن إبراهيم ، قالا : أخبرنا أبو يعلى ، ثنا عبد الصمد بن يزيد ، قال : سمعت شقيقا البلخي ، يقول : " لقيت إبراهيم بن أدهم ، في بلاد الشام ، فقلت : يا إبراهيم تركت خراسان ؟ فقال : ما تهنيت بالعيش إلا في بلاد الشام ، أفر بديني من شاهق إلى شاهق ، ومن جبل إلى جبل ، فمن يراني يقول : موسوس ، ومن يراني يقول : هو حمال ثم قال لي : يا شقيق ، لم ينبل عندنا من نبل بالحج ولا بالجهاد ، وإنما نبل عندنا من نبل من كان يعقل ما يدخل جوفه - يعني الرغيفين - من حله ، ثم قال : يا شقيق ، ماذا أنعم الله على الفقراء لا يسألهم يوم القيامة ، لا عن زكاة ، ولا عن حج ، ولا عن جهاد ، ولا عن صلة رحم [ ص: 370 ] إنما يسأل هؤلاء المساكين - يعني الأغنياء "

              حدثنا أبي ، وأبو محمد بن حيان ، قالا : ثنا إبراهيم بن متويه ، ثنا أبو موسى الصوري ، ثنا عبد الصمد بن يزيد مثله .

              أخبرني جعفر بن محمد بن نصير - في كتابه - وحدثني عنه محمد بن إبراهيم بن أحمد ، ثنا إبراهيم بن نصر المنصوري - مولى منصور بن المهدي - حدثني إبراهيم بن بشار الصوفي الخراساني - خادم إبراهيم بن أدهم - قال : " أمسينا مع إبراهيم بن أدهم ذات ليلة وليس معنا شيء نفطر عليه ، ولا بنا حيلة ، فرآني مغتما حزينا ، فقال : يا إبراهيم بن بشار ، ماذا أنعم الله تعالى على الفقراء والمساكين من النعيم والراحة في الدنيا والآخرة ؟ لا يسألهم الله يوم القيامة عن زكاة ، ولا عن حج ، ولا عن صدقة ، ولا عن صلة رحم ، ولا عن مواساة ، وإنما يسأل ويحاسب عن هذا هؤلاء المساكين ، أغنياء في الدنيا ، فقراء في الآخرة ، أعزة في الدنيا ، أذلة يوم القيامة " ، لا تغتم ولا تحزن ، فرزق الله مضمون سيأتيك ، نحن والله الملوك والأغنياء ، نحن الذين قد تعجلنا الراحة في الدنيا ، لا نبالي على أي حال أصبحنا وأمسينا إذا أطعنا الله عز وجل ، ثم قام إلى صلاته وقمت إلى صلاتي ، فما لبثنا إلا ساعة إذا نحن برجل قد جاء بثمانية أرغفة وتمر كثير ، فوضعه بين أيدينا وقال : كلوا رحمكم الله قال : فسلم ، وقال : كل يا مغموم فدخل سائل فقال : أطعموني شيئا ، فأخذ ثلاثة أرغفة مع تمر ، فدفعه إليه وأعطاني ثلاثة وأكل رغيفين وقال : المواساة من أخلاق المؤمنين " .

              التالي السابق


              الخدمات العلمية