الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                          صفحة جزء
                                                                                                                                                                                          1183 - مسألة :

                                                                                                                                                                                          ويجزئ في العتق في كل ذلك : الكافر ، والمؤمن ، والصغير ، والكبير ، والمعيب ، والسالم ، والذكر ، والأنثى ، وولد الزنى ، والمخدم ، والمؤاجر ، والمرهون ، وأم الولد ، والمدبرة ، والمدبر ، والمنذور عتقه ، والمعتق إلى أجل ، والمكاتب ما لم يؤد شيئا ، فإن كان أدى من كتابته ما قل أو كثر لم يجز في ذلك ، ولا يجزئ من يعتق على المرء بحكم واجب ، ولا نصفا رقبتين .

                                                                                                                                                                                          وقد ذكرنا كل ذلك في " كتاب الصيام " فأغنى عن إعادته .

                                                                                                                                                                                          وعمدة البرهان في ذلك - : قول الله تعالى : { أو تحرير رقبة } . فلم يخص رقبة من رقبة { وما كان ربك نسيا } .

                                                                                                                                                                                          فإن قالوا : قسنا الرقبة في هذا على رقبة القتل لا تجزئ إلا مؤمنة ؟ قلنا : فقيسوها عليها في تعويض الإطعام منها .

                                                                                                                                                                                          فإن قالوا : لا نفعل ، لأننا نخالف القرآن ونزيد على ما فيه ؟ قلنا : وزيادتكم في كفارة اليمين أن تكون مؤمنة ولا بد خلاف للقرآن وزيادة على [ ص: 339 ] ما فيه فإن كان القياس في أحد الحكمين جائزا فهو في الآخر جائز ، وإن كان في أحدهما غير جائز فهو في الآخر غير جائز . فإن احتجوا بالخبر الذي فيه : { إن القائل قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم إنه لطم وجه جارية له وعلي رقبة أفأعتقها ؟ فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم أين الله ؟ قالت : في السماء ، قال : من أنا ؟ قالت : رسول الله ، فقال عليه السلام : أعتقها فإنها مؤمنة } فلا حجة لهم فيه ، لأنها - بنص الخبر - لم تكن كفارة يمين ، ولا وطء في رمضان ، ولا عن ظهار .

                                                                                                                                                                                          وهم يجيزون الكافرة في الرقبة المنذورة على الإنسان ، فقد خالفوا ما في هذا الخبر ، واحتجوا به فيما ليس فيه منه شيء .

                                                                                                                                                                                          وأيضا : فإنه ليس فيه أنه عليه السلام قال : لا تجزئ إلا مؤمنة ، وإنما فيه : أعتقها فإنها مؤمنة ، ونحن لا ننكر عتق المؤمنة ، وليس فيه أن لا يجوز عتق الكافرة ، فنحن لا نمنع من عتقها .

                                                                                                                                                                                          فإن قيل : قد رويتم هذا الخبر من طريق حماد بن سلمة عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة { أن الشريد قال : يا رسول الله إن أمي أمرتني أن أعتق عنها رقبة ، وعندي أمة سوداء أفأعتقها ؟ فقال له النبي صلى الله عليه وسلم ادع بها ؟ فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم من ربك ؟ قالت : الله ، قال : فمن أنا ؟ قالت : رسول الله قال : أعتقها فإنها مؤمنة } فهذا عليهم لا لهم لأنهم يجيزون في رقبة الوصية كافرة ، وأما نحن فلو انسند لقلنا به في الموصى بعتقها كما ورد .

                                                                                                                                                                                          وقال بعضهم : كما لا يعطى من الزكاة كافر كذلك لا يعتق في الفرض كافر ؟ قلنا : هذا قياس والقياس كله باطل ، ثم هذا منه عين الباطل ، لأنه دعوى لا تقابل إلا بالتكذيب والرد فقط ، لأن الله تعالى لم يقل ذلك ولا رسوله عليه السلام . [ ص: 340 ]

                                                                                                                                                                                          روينا من طريق ابن أبي شيبة عن وكيع عن سفيان الثوري عن ابن أبي نجيح عن عطاء قال : يجزئ اليهودي ، والنصراني ، في كفارة اليمين .

                                                                                                                                                                                          ومن طريق جرير عن المغيرة عن إبراهيم مثله أيضا .

                                                                                                                                                                                          ومن طريق ابن أبي شيبة عن عبد الرحمن بن مهدي عن سفيان عن جابر عن الشعبي قال : يجزئ الأعمى في الكفارة .

                                                                                                                                                                                          وعن الحسن ، وطاووس : يجزئ المدبر في الكفارة .

                                                                                                                                                                                          وعن الحسن ، وطاووس ، والنخعي : تجزئ أم الولد في الكفارة .

                                                                                                                                                                                          وأما ولد الزنى - : فإننا روينا من طريق يزيد بن أبي زياد عن مجاهد عن عائشة أم المؤمنين قالت : لأن أتصدق بثلاث تمرات ، أو أمتع بسوط في سبيل الله تعالى أحب إلي من أن أعتق ولد زنى ؟ .

                                                                                                                                                                                          ومن طريق أبي هريرة أنه قال : لعبد له : لولا أنك ولد زنى لأعتقتك .

                                                                                                                                                                                          وقال النخعي ، والشعبي : لا يجزئ ولد الزنى في رقبة واجبة .

                                                                                                                                                                                          وعن ابن عمر أنه أعتق ولد زنى .

                                                                                                                                                                                          واحتج من منع منه بخبر رويناه من طريق أحمد بن شعيب أنا العباس بن محمد الدورقي نا الفضل بن دكين نا إسرائيل عن زيد بن جبير عن أبي يزيد الضبي عن ميمونة مولاة رسول الله صلى الله عليه وسلم { عن النبي عليه السلام : أنه سئل عن ولد الزنى فقال : لا خير فيه ، نعلان أجاهد أو قال أجهز بهما أحب إلي من أن أعتق ولد الزنى } .

                                                                                                                                                                                          قال أبو محمد : إسرائيل ضعيف ، وأبو يزيد مجهول ، ولو صح لقلنا به .

                                                                                                                                                                                          وروينا من طريق ابن أبي شيبة نا هشيم عن المغيرة عن إبراهيم ، والشعبي قالا جميعا : لا يجزئ في شيء من الواجب ولد زنى .

                                                                                                                                                                                          قال أبو محمد : وأجازه طاووس ، ومحمد بن علي . ولا يسمى نصفا رقبتين رقبة - ومن أعتق بحكم فلم يعتق عن الكفارة فلا يجزئ فيها - .

                                                                                                                                                                                          وبالله تعالى التوفيق .

                                                                                                                                                                                          التالي السابق


                                                                                                                                                                                          الخدمات العلمية