الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                            واعلم أنه تعالى حكى عن حملة العرش ، وعن الحافين بالعرش ثلاثة أشياء :

                                                                                                                                                                                                                                            النوع الأول قوله : ( يسبحون بحمد ربهم ) ونظيره قوله حكاية عن الملائكة : ( ونحن نسبح بحمدك ) [البقرة : 30] وقوله تعالى : ( وترى الملائكة حافين من حول العرش يسبحون بحمد ربهم ) فالتسبيح عبارة عن تنزيه الله تعالى عما لا ينبغي ، والتحميد الاعتراف بأنه هو المنعم على الإطلاق ، فالتسبيح إشارة إلى الجلال والتحميد إشارة إلى الإكرام ، فقوله : ( يسبحون بحمد ربهم ) قريب من قوله : ( تبارك اسم ربك ذي الجلال والإكرام ) [الرحمن : 78] .

                                                                                                                                                                                                                                            النوع الثاني مما حكى الله عن هؤلاء الملائكة هو قوله تعالى : ( ويؤمنون به ) فإن قيل : فأي فائدة في قوله : ( ويؤمنون به ) فإن الاشتغال بالتسبيح والتحميد لا يمكن إلا وقد سبق الإيمان بالله؟ قلنا : الفائدة فيه ما ذكره صاحب "الكشاف" ، وقد أحسن فيه جدا فقال : إن المقصود منه التنبيه على أن الله تعالى لو كان حاضرا بالعرش لكان حملة العرش والحافون حول العرش يشاهدونه ويعاينونه ، ولما كان إيمانهم بوجود الله موجبا للمدح والثناء ; لأن الإقرار بوجود شيء حاضر مشاهد معاين لا يوجب المدح والثناء ، ألا ترى أن الإقرار بوجود الشمس وكونها مضيئة لا يوجب المدح والثناء ، فلما ذكر الله تعالى إيمانهم بالله على سبيل الثناء والمدح والتعظيم ، علم أنهم آمنوا به بدليل أنهم ما شاهدوه حاضرا جالسا هناك ، ورحم الله صاحب "الكشاف" فلو لم يحصل في كتابه إلا هذه النكتة لكفاه فخرا وشرفا .

                                                                                                                                                                                                                                            النوع الثالث مما حكى الله عن هؤلاء الملائكة قوله تعالى : ( ويستغفرون للذين آمنوا ) اعلم أنه ثبت أن كمال السعادة مربوط بأمرين : التعظيم لأمر الله ، والشفقة على خلق الله ، ويجب أن يكون التعظيم لأمر الله مقدما على الشفقة على خلق الله فقوله : ( يسبحون بحمد ربهم ويؤمنون به ) مشعر بالتعظيم لأمر الله وقوله : [ ص: 30 ] ( ويستغفرون للذين آمنوا ) مشعر بالشفقة على خلق الله .

                                                                                                                                                                                                                                            ثم في الآية مسائل :

                                                                                                                                                                                                                                            المسألة الأولى : احتج كثير من العلماء بهذه الآية في إثبات أن الملك أفضل من البشر ، قالوا : لأن هذه الآية تدل على أن الملائكة لما فرغوا من ذكر الله بالثناء والتقديس اشتغلوا بالاستغفار لغيرهم وهم المؤمنون ، وهذا يدل على أنهم مستغنون عن الاستغفار لأنفسهم ؛ إذ لو كانوا محتاجين إليه لقدموا الاستغفار لأنفسهم على الاستغفار لغيرهم ، بدليل قوله صلى الله عليه وسلم : " ابدأ بنفسك " وأيضا قال تعالى لمحمد صلى الله عليه وسلم : ( فاعلم أنه لا إله إلا الله واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات ) [محمد : 19] فأمر محمدا أن يذكر أولا الاستغفار لنفسه ، ثم بعده يذكر الاستغفار لغيره ، وحكى عن نوح عليه السلام أنه قال : ( رب اغفر لي ولوالدي ولمن دخل بيتي مؤمنا وللمؤمنين والمؤمنات ) [نوح : 28] وهذا يدل على أن كل من كان محتاجا إلى الاستغفار فإنه يقدم الاستغفار لنفسه على الاستغفار لغيره ، فالملائكة لو كانوا محتاجين إلى الاستغفار لكان اشتغالهم بالاستغفار لأنفسهم مقدما على اشتغالهم بالاستغفار لغيرهم ، ولما لم يذكر الله تعالى عنهم استغفارهم لأنفسهم علمنا أن ذلك إنما كان لأنهم ما كانوا محتاجين إلى الاستغفار ، وأما الأنبياء عليهم السلام فقد كانوا محتاجين إلى الاستغفار بدليل قوله تعالى لمحمد عليه السلام : ( واستغفر لذنبك ) وإذا ثبت هذا فقد ظهر أن الملك أفضل من البشر . والله أعلم .

                                                                                                                                                                                                                                            المسألة الثانية : احتج الكعبي بهذه الآية على أن تأثير الشفاعة في حصول زيادة الثواب للمؤمنين ، لا في إسقاط العقاب عن المذنبين ، قال : وذلك لأن الملائكة قالوا : ( فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك ) قال : وليس المراد فاغفر للذين تابوا من الكفر ، سواء كان مصرا على الفسق أو لم يكن كذلك ; لأن من هذا حاله لا يوصف بكونه متبعا سبيل ربه ، ولا يطلق ذلك فيه ، وأيضا إن الملائكة يقولون : ( وأدخلهم جنات عدن التي وعدتهم ) وهذا لا يليق بالفاسقين ; لأن خصومنا لا يقطعون على أن الله تعالى وعدهم الجنة وإنما يجوزون ذلك ، فثبت أن شفاعة الملائكة لا تتناول إلا أهل الطاعة ، فوجب أن تكون شفاعة الأنبياء كذلك ، ضرورة أنه لا قائل بالفرق ، والجواب أن نقول : هذه الآية تدل على حصول الشفاعة من الملائكة للمذنبين ، فنبين هذا ثم نجيب عما ذكره الكعبي ، أما بيان دلالة هذه الآية على ما قلناه فمن وجوه :

                                                                                                                                                                                                                                            الأول : قوله : ( ويستغفرون للذين آمنوا ) والاستغفار طلب المغفرة ، والمغفرة لا تذكر إلا في إسقاط العقاب . أما طلب النفع الزائد فإنه لا يسمى استغفارا .

                                                                                                                                                                                                                                            الثاني : قوله تعالى : ( ويستغفرون للذين آمنوا ) وهذا يدل على أنهم يستغفرون لكل أهل الإيمان ، فإذا دللنا على أن صاحب الكبيرة مؤمن وجب دخوله تحت هذه الشفاعة .

                                                                                                                                                                                                                                            الثالث : قوله تعالى : ( فاغفر للذين تابوا ) طلب المغفرة للذين تابوا ، ولا يجوز أن يكون المراد إسقاط عقوبة الكبيرة بعد التوبة ; لأن ذلك واجب على الله عند الخصم ، وما كان فعله واجبا كان طلبه بالدعاء قبيحا ، ولا يجوز أيضا أن يكون المراد إسقاط عقوبة الصغائر ; لأن ذلك أيضا واجب فلا يحسن طلبه بالدعاء ، ولا يجوز أن يكون المراد طلب زيادة منفعة على الثواب ; لأن ذلك لا يسمى مغفرة ، فثبت أنه لا يمكن حمل قوله : ( فاغفر للذين تابوا ) إلا على إسقاط عقاب الكبيرة قبل التوبة ، وإذا ثبت هذا في حق الملائكة فكذلك في حق الأنبياء لانعقاد الإجماع على أنه لا فرق ، أما الذي يتمسك به الكعبي وهو أنهم طلبوا المغفرة للذين تابوا ، فنقول : يجب أن [ ص: 31 ] يكون المراد منه الذين تابوا عن الكفر واتبعوا سبيل الإيمان ، وقوله : إن التائب عن الكفر المصر على الفسق لا يسمى تائبا ولا متبعا سبيل الله ، قلنا : لا نسلم قوله ، بل يقال : إنه تائب عن الكفر وتابع سبيل الله في الدين والشريعة ، وإذا ثبت أنه تائب عن الكفر ثبت أنه تائب ، ألا ترى أنه يكفي في صدق وصفه بكونه ضاربا وضاحكا صدور الضرب والضحك عنه مرة واحدة ، ولا يتوقف ذلك على صدور كل أنواع الضرب والضحك عنه ، فكذا هاهنا .

                                                                                                                                                                                                                                            المسألة الثالثة : قال أهل التحقيق : إن هذه الشفاعة الصادرة عن الملائكة في حق البشر تجري مجرى اعتذار عن زلة سبقت ، وذلك لأنهم قالوا في أول تخليق البشر : ( أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ) [البقرة : 30] فلما سبق منهم هذا الكلام تداركوا في آخر الأمر بأن قالوا : ( فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك وقهم عذاب الجحيم ) وهذا كالتنبيه على أن من آذى غيره ، فالأولى أن يجبر ذلك الإيذاء بإيصال نفع عليه .

                                                                                                                                                                                                                                            التالي السابق


                                                                                                                                                                                                                                            الخدمات العلمية