الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                              صفحة جزء
                                                                                                                                                                                                                              2472 2614 - حدثنا حجاج بن منهال، حدثنا شعبة قال: أخبرني عبد الملك بن ميسرة قال: سمعت زيد بن وهب، عن علي رضي الله عنه قال: أهدى إلي النبي صلى الله عليه وسلم حلة سيراء فلبستها، فرأيت الغضب في وجهه، فشققتها بين نسائي. [5366، 5840 - مسلم: 2071 - فتح: 5 \ 229]

                                                                                                                                                                                                                              التالي السابق


                                                                                                                                                                                                                              ذكر فيه ثلاثة أحاديث:

                                                                                                                                                                                                                              أحدها: حديث ابن عمر: رأى عمر حلة سيراء عند باب المسجد فقال: يا رسول الله، لو اشتريتها فلبستها يوم الجمعة .. الحديث. وسلف في الجمعة.

                                                                                                                                                                                                                              [ ص: 385 ] ثانيها: حديثه أيضا: أتى النبي صلى الله عليه وسلم بيت فاطمة فلم يدخل عليها؛ لأجل الستر الموشى فقال: "إني رأيت على بابها سترا موشيا". فقال: "ما لي وللدنيا". ثم قال: "ترسل به إلى فلان، أهل بيت بهم حاجة".

                                                                                                                                                                                                                              ثالثها: حديث علي: أهدى إلي النبي صلى الله عليه وسلم حلة سيراء فلبستها، فرأيت الغضب في وجهه، فشققتها بين نسائي.

                                                                                                                                                                                                                              الشرح:

                                                                                                                                                                                                                              وقد أسلفنا أن الحلة من برود اليمن، وأنها لا تكون إلا ثوبين؛ إزار، ورداء.

                                                                                                                                                                                                                              والموشى: الملون، يقال: وشى الثوب؛ إذا نسجه على لونين.

                                                                                                                                                                                                                              وموشيا: كان أصله: موشويا، على وزن مفعول، فالتقى حرفا علة وسبق الأول بالسكون، فقلب ياء وأدغم في الياء التي بعده وكسرت الشين؛ لأجل الياء التي بعدها.

                                                                                                                                                                                                                              وفعل ذلك - عليه السلام - كان يرغب ألا يكون لفاطمة في الدنيا نصيب غير أخذ البلغة; ليعظم أجرها في الآخرة، وقد سألته خادما فقال: "أدلك على خير من ذلك: تسبحين وتحمدين وتكبرين"، وسارها بمحضر عائشة فبكت ثم سارها فضحكت، فقالت عائشة: ما رأيت ضحكا أقرب من بكاء منذ اليوم، فسألتها عن ذلك فقالت: ما كنت لأفشي سره.

                                                                                                                                                                                                                              [ ص: 386 ] فلما توفي فسرته لها -لما أقسمت عليها- أنه يموت من وجعه ذلك فبكيت، وأني أول أهله لحوقا به فضحكت، وأخبرني أني سيدة أهل الجنة.


                                                                                                                                                                                                                              وأمرها أن تعطي الستر؛ ليكون لها ثواب ذلك وله نصيب منه; لشفاعته الحسنة، وقد قال صلى الله عليه وسلم: "لو أنفق أحدكم ملء أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم، ولا نصيفه". قاله لخالد في بعض السابقين الأولين، فإذا كان هذا حال أمته فكيف بمقامه الرفيع؟ قال علي: سبق النبي صلى الله عليه وسلم، وصلى أبو بكر، وثلث عمر.

                                                                                                                                                                                                                              وإنما إعطاء الحلة; لأجل النساء; لأنها حرير.

                                                                                                                                                                                                                              وقول علي: (فشققتها بين نسائي)؛ المراد: نساء قومه; لأنه لم يتزوج في حياة النبي صلى الله عليه وسلم غير فاطمة.

                                                                                                                                                                                                                              وفي "مبهمات عبد الغني": من حديث أم هانئ: فراح علي وهي عليه- فقال عليه السلام: "إنما كسوتكها؛ لتجعلها خمرا بين الفواطم".

                                                                                                                                                                                                                              [ ص: 387 ] وذكر ابن أبي الدنيا في كتاب "الهدايا" عن علي قال: فشققت منها أربعة أخمر لفاطمة بنت أسد أمي، ولفاطمة زوجي، ولفاطمة بنت حمزة بن عبد المطلب قال: ونسي الراوي الرابعة.

                                                                                                                                                                                                                              قال القاضي عياض: يشبه أن تكون فاطمة بنت شيبة بن ربيعة، امرأة عقيل، أخي علي.

                                                                                                                                                                                                                              وعند أبي العلاء بن سليمان: فاطمة بنت أبي طالب المكناة أم هانئ، وقيل: فاطمة بنت الوليد بن عقبة، وقيل: فاطمة بنت عتبة بن ربيعة.

                                                                                                                                                                                                                              حكاهما القرطبي.

                                                                                                                                                                                                                              وهذا الثوب كان أهداه له أكيدر دومة.

                                                                                                                                                                                                                              ولأحمد من حديث علي بن زيد عن أنس: وأهدى له جرة من فأعطى لكل واحد من أصحابه قطعة قطعة، وأعطى جابرا قطعتين، فقال: يا رسول الله، إنك أعطيتني مرة. قال: "هذا لبنات عبد الله".

                                                                                                                                                                                                                              وفي قوله: (فرأيت الغضب في وجهه)؛ ظاهره تحريمه.

                                                                                                                                                                                                                              وأما عبد الله أخو المهلب؛ فقال: هو قال على أن النهي للكراهة فقط لا محرما، ولو كان تحريما لما عرف الكراهية من وجهه، بل من نهيه.

                                                                                                                                                                                                                              وقوله: (لا ينبغي هذا للمتقين)؛ دليل آخر، ولو كان حراما لكان المتقي فيه والمسيء واحدا، ولكنه كما قال تعالى في المتعة: حقا على المتقين [البقرة:180]، حقا على المحسنين [البقرة: 236].

                                                                                                                                                                                                                              [ ص: 388 ] قلت: ويبعد أن يكون قبل التحريم، ولا شك أن هدية ما يكره لبسه مباحة; لأن ملكه جائز، ولصاحبه التصرف بالبيع والهبة ممن يجوز لباسه له؛ كالنساء، والصبيان، وإنما حرم على الرجال خاصة دون ملكه.

                                                                                                                                                                                                                              قال المهلب: وإنما كره - عليه السلام- الحرير لابنته; لأنها ممن يرغب لها في الآخرة كما يرغب لنفسه، ولا يرضى لها تعجيل طيباتها في حياتها الدنيا، فدل هذا على أن النهي عن الحرير إنما هو من جهة السرف; لأن الحديث [الذي] يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم في تحريم الحرير، قد سألت عنه أبا محمد الأصيلي، ووقفته على لفظة (حرام). فقال لي: لا تصح لفظة (حرام) البتة، وإن صحت فإنما معناها حرام (تحريم) السنة، وحرام دون حرام، وهو كقوله - عليه السلام -: "كل ذي ناب من السباع حرام"، وفي ذلك الحديث "حل لإناثها".

                                                                                                                                                                                                                              قلت: وقد صح؛ فقد كره لابنته وهو حلال، فكذلك كما كره للرجال من أجل السرف.

                                                                                                                                                                                                                              وقال ابن بطال: من جعل تحريم الحرير كتحريم كل ذي ناب من السباع؛ فذلك دليل على التحريم; لأن جمهور الأمة على تحريم ذلك الذي هو ضد التحليل، فكيف يحتج هذا القائل بما يخالفه فيه أكثر الأمة.

                                                                                                                                                                                                                              [ ص: 389 ] وقوله في حديث عمر: "ما لي وللدنيا". هو دليل قاطع.

                                                                                                                                                                                                                              وقوله: (إنما يلبسها من لا خلاق له في الآخرة)؛ يريد به -والله أعلم- أنها لباس الكفار في الدنيا، ومن لا حظ له في الآخرة، فنهى عن مشابهتهم، واستعمال زيهم، وسيأتي بسط المسألة في موضعها من كتاب اللباس إن شاء الله.

                                                                                                                                                                                                                              وجعلت طائفة الآثار المروية في الباب في النهي عن لباس الحرير على التحريم، ولم يأت عنه ما يعارضها، إلا ما يخصصها من جواز لباسه في الحرب، وعند التداوي، وما عدا هذين الوجهين فباق على التحريم.




                                                                                                                                                                                                                              الخدمات العلمية