الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
        والحشيشة المصنوعة من ورق العنب حرام أيضا ، يجلد صاحبها كما يجلد شارب الخمر ، وهي أخبث من الخمر ، من جهة أنها تفسد العقل والمزاج ، حتى يصير في الرجل تخنث ودياثة وغير ذلك من الفساد ، والخمر أخبث ، من جهة أنها تفضي إلى المخاصمة والمقاتلة وكلاهما يصد عن ذكر الله - تعالى وعن الصلاة .

        وقد توقف بعض الفقهاء المتأخرين في حدها ، ورأى أن آكلها يعزر بما دون الحد ، حيث ظنها تغير العقل من غير طرب ، بمنزلة البنج ، ولم تجد للعلماء المتقدمين فيها كلاما ، وليس كذلك ، بل آكلوها ينشون عنها ويشتهونها ، كشراب الخمر وأكثر ، وتصدهم عن ذكر الله ، وعن الصلاة ، إذا أكثروا منها ، مع ما فيها من المفاسد الأخرى ، من الدياثة والتخنث ، وفساد المزاج والعقل وغير ذلك ، ولكن لما كانت جامدة مطعومة ليست شرابا تنازع الفقهاء في نجاستها ، على ثلاثة أقوال : في مذهب أحمد وغيره ، فقيل : هي نجسة كالخمر المشروبة ، وهذا هو الاعتبار الصحيح ، وقيل : لا ; لجمودها .

        وقيل : يفرق بين جامدها ومائعها .

        وبكل حال فهي داخلة فيما حرمه الله ورسوله ، من الخمر والمسكر لفظا أو معنى

        { قال أبو موسى الأشعري رضي الله عنه يا رسول الله . أفتنا في شربين كنا نصنعهما باليمن : [ ص: 147 ] البتع - وهو من العسل ينبذ حتى يشتد . والمزر وهو من الذرة والشعير ينبذ حتى يشتد . قال : وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أعطي جوامع الكلم بخواتيمه . فقال : كل مسكر حرام } متفق عليه في الصحيحين

        وعن النعمان بن بشير رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : { إن من الحنطة خمرا ، ومن الشعير خمرا ، ومن الزبيب خمرا ، ومن التمر خمرا ، ومن العسل خمرا ، وأنا أنهى عن كل مسكر } ، رواه أبو داود وغيره ، ولكن هذا في الصحيحين . عن عمر موقوفا عليه ، أنه خطب به على منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : " الخمر ما خامر العقل " .

        وعن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : { كل مسكر خمر وكل خمر حرام } ، وفي رواية { كل مسكر خمر ، وكل خمر حرام } رواهما مسلم في صحيحه . [ ص: 148 ]

        وعن عائشة رضي الله عنها قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : { كل مسكر حرام ، وما أسكر الفرق منه ، فملء الكف منه حرام } . قال الترمذي حسن

        وروى أهل السنن عن النبي صلى الله عليه وسلم ، من وجوه أنه قال : { ما أسكر كثيره ، فقليله حرام . } وصححه الحافظ

        وعن جابر رضي الله عنه { أن رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم ، عن شراب يشربونه بأرضهم من الذرة ، يقال : المزر ، فقال : أمسكر هو ؟ قال : نعم . فقال : كل مسكر حرام إن على الله عهدا لمن شرب المسكر ، أن يسقيه من طينة الخبال ، قالوا : يا رسول الله : وما طينة الخبال ؟ قال : عرق أهل النار } . رواه مسلم في صحيحه

        وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : { كل محرم خمر ، وكل مسكر حرام } رواه أبو داود [ ص: 149 ]

        والأحاديث في هذا الباب كثيرة مستفيضة ، جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بما أوتيه من جوامع الكلم كل ما غطى العقل وأسكر ، ولم يفرق بين نوع ونوع ، ولا تأثير لكونه مأكولا أو مشروبا ، على الخمر قد يصطبغ بها ، والحشيشة قد تذاب في الماء وتشرب ، فكل خمر يشرب ويؤكل ، والحشيشة تؤكل وتشرب ، وكل ذلك حرام ، وإنما لم يتكلم المتقدمون في خصوصها ; لأنه إنما حدث أكلها من قريب ، في أواخر المائة السادسة ، أو قريبا من ذلك ، كما أنه قد أحدثت أشربة مسكرة ، بعد النبي صلى الله عليه وسلم ، وكلها داخلة في الكلم الجوامع ، من الكتاب والسنة .

        التالي السابق


        الخدمات العلمية