الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
معلومات الكتاب

مدخل إلى الأدب الإسلامي

الدكتور / نجيب الكيلاني

الأدب الإسلامي... مصطلح لكل العصور [ ص: 37 ]

إن القيم الإسلامية الكبرى تفرض سلطانها على كل العصور، تستوي في ذلك عصور الازدهار والتسامي، وعصور التخلف والتدهور، لأن هـذه القيم مرتبطة أوثق الارتباط بالعقيدة الإسلامية وبمنهجها، والعجيب أيضا أنها تبسط هـيمنتها على كل الذين يعيشون على أرض الإسلام، سواء أكانوا مسلمين أو غير مسلمين، لأنها في حقيقة الأمر قيم حضارية عامة، تتغلغل في النظر إلى الأشياء، وفي الفكر والسلوك، وفي العلوم الدنيوية والدينية، وفي التشريع والسياسة والحرب والسلم والاقتصاد، وفي الهدف والوسيلة، وفي آداب الكلمة أيضا، وقد يشذ الأفراد، أو تضل الجماعات، أو يضعف السلطان وتختل الموازين، لكن هـذه القيم تظل واضحة بارزة مهما ظل بعض فعلها معطلا، فهي باقية ما بقيت السماء والأرض، صامدة صمود القرآن العظيم، تشع بأنوارها الباهرة عبر العصور المتلاحقة، لأنها أولا وأخيرا من الرسالة الخاتمة، ومن الكلمة الأخيرة التي نزلت من السماء إلى الأرض.

وتتميز هـذه القيم بأنها تضم تصورا كاملا شاملا نموذجيا لكل نواحي الحياة، فالفضيلة خلق شخصي، وسلوك اجتماعي، ومنهج عملي، وحكم راشد، وعدالة سمحاء، وجهاد وعرق، وإبداع وتطور، وسياسة أمينة، وعاطفة نقية، لا تلبس الحق بالباطل، ولا تغرق في متاهات اللذة الآثمة، والجشع القاتل، والسيطرة الجائرة، والحرية الضالة، والأنانية المدمرة، والمادية الفتاكة.. من هـنا استطاعت هـذه القيم أن تصنع حضارة فذة، وتقدم تجربة حية رائدة، ثم اعتورتها عوامل الضعف والقوة، والارتفاع والانخفاض، والنصر والهزيمة [ ص: 38 ] لكن هـذه التغيرات كانت تعكس دائما مدى الالتزام بهذه القيم أو التحلل منها، كانت حركة الإنسان سلبا أو إيجابا، وانحرافا أو تطابقا، هـي المؤشر لظاهرة النجاح والفشل في أي عصر من العصور.

وكان طبيعيا أن تفرز هـذه القيم أدبا..

وكان منطقيا أن نطلق على هـذا الأدب مصطلح ( الأدب الإسلامي ) ، تماما كما وضع المسلمون مصطلحات أخرى وثيقة الصلة بتلك القيم، كمصطلحات: الفقه الإسلامي، والاقتصاد الإسلامي، والحكم الإسلامي، والتاريخ الإسلامي، والفتوحات الإسلامية.. الخ، فالإسلام هـو الأدب الشرعي، دفع هـذه ( الكائنات ) من روحه ودمه، فجعلها تعيش وتنمو، وتغلغل في أعماق التحرك التاريخي، وتصبغ الفكر والسلوك والتصور، وتصنع المنهج الضابط لهذه النشاطات وغيرها.

ولم يكن هـذا التصور أمرا شاذا كما يدعي بعضهم، لأن الفلسفات الكبيرة كلها - دعك من صوابها أو خطئها - أفرزت آدابا - وانطلقت من قيم معينة، فسميت آدابها بأسمائها، وتمتلئ ساحة الآداب المعاصرة اليوم بأسماء لها دلالاتها وعلاقاتها بتصورات فلسفية متباينة.. الأدب الوجودي .. الأدب الاشتراكي أو الماركسي أو الواقعي الاشتراكي الأدب العبثي .. أدب اللامعقول .. الأدب التبشيري أو التنصيري أو المسيحي .. الأدب الصيهوني .. حتى الرومانسية والكلاسيكية والرمزية والفرويدية والطبيعية وغيرها، كلها نبتت في ( أرضية فلسفية ) [ ص: 39 ] معينة، فلا نرى لونا من ألوان الأدب في أوروبا مثلا إلا وارتبط تنظيره بفيلسوف من الفلاسفة المحدثين أو القدامى، وعلى الرغم من أن الوجوديين قد أقروا بالالتزام في فنون النثر، ورفضوه بالنسبة للشعر، إلا أن غالبية الشعراء قديما وحديثا ينتمون إلى مدارس فلسفية أو فكرية بعينها، ويترجمون عن التأثر بها. فلماذا يعاب على المسلمين بالذات دعواهم إلى الأدب الإسلامي؟

أحرام على بلابله الدوح حلال للطير من كل جنس؟

وإذا كانت العلاقة بين بعض المدارس الأدبية والفلسفية التي تنتمي إليها علاقة تبدو أحيانا مخلخلة أو مفتعلة أو متناقضة، أو قل: غير مقنعة، فإن علاقة الأدب الإسلامي بأبيه الشرعي الإسلام علاقة عضوية وثيقة لا يمكن فصمها إلا في الفترات الشاذة العصيبة، وفي عصور الجهل الأيديولوجي والمحن السياسية والاستعمارية، وهذا راجع لسبب أساسي ورئيس وهو أن الإسلام ليس فلسفة تجريدية، ولا منهجا فضوليا يسمح له بالولوج إلى جهة، ويمنع من الدخول إلى جهة أخرى، بل هـو صيغة شاملة كاملة تغطي جوانب الحياة كلها، كما أن الإسلام ليس مجرد فرضية أو نظرية تقف في استعلاء على ربوة منعزلة، وتنتظر من يتوسل إليها بالقرابين والكلمات، ولكنه واقع حي معاش، فيه عظمة العصمة الإلهية، والاستجابة الصحية لواقع الحياة الإنسانية بما فيها من استقامة وشذوذ، وقوة وضعف، ومادة وروح، وفيه أيضا انفتاح واع على تجارب البشر، ومستجدات الحياة، دون شعور بالخوف والتردد، أو عقد من نقص [ ص: 40 ] ومهانة، إن صلابة الاستمساك بالثابت، وعظمة المسايرة مع المتطور، والقدرة على المرونة الأصلية، على ضوء المفاهيم والقواعد الشامخة ذات الصبغة الإلهية، كما أن فيه سماحة الفهم الصحيح للأديان الأخرى وما فيها من صدق أو تحريف ( آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير ) (البقرة: 285) .

ومن الطبيعي والمنطقي أن ( الأدب الإسلامي ) ينمو ويترعرع في ظل ( القرآن الكريم ) ورحابه، وينهل من فيضه، ويغتني بمنهجه وأسلوبه ونماذجه، ويستمد منه عناصر الصدق والطهارة والقوة والدقة والأمانة، ويستشرف منه الغاية، ويغتنم الوسيلة، وفي فجر الدعوة الإسلامية، أقام الرسول صلى الله عليه وسلم للشعر منبرا في المسجد، كما قال عن شاعره حسان : ( إنه ينطق بروح القدس ) ، كما قال صلى الله عليه وسلم أيضا: ( إن من الشعر حكمة، وإن من البيان لسحرا ) ، وهكذا استمد الشعر الإسلامي منذ شروق الدعوة ألفاظ القرآن وعباراته وقيمه وأحكامه، وسار الشعر - وهو أهم فنون الأدب آنذاك - في ركاب الزحف الإسلامي المقدس، موشحا بالقيم الفكرية والفنية أو الجمالية، منطلقا إلى غايات أسمى وأعمق من غايات الشعر الجاهلي الذي ظل أسير العصبيات والقبليات والفخر والهجاء والمديح..

إن إشعاعات القيم الإسلامية اخترقت الحواجز والسدود، وخالطت علم العلماء، وأدب الأدباء، وسلوك الساسة واللغويين والفقهاء، [ ص: 41 ] وحققت ذلك التجانس الهائل في مجالات الفكر والسلوك، دون قيود على الإبداع الفني، أو التجريب العلمي، أو الابتكار الحربي والإداري والحرفي، ومن هـنا تولدت حضارة فذة، بعيدة عن التشوهات الخلقية والخلقية، فضربت مثلا رائدا في تاريخ الحضارات الإنسانية قديمها وحديثها، ثم كانت هـي الأساس لما جاء بعدها من حضارات تالية أو معاصرة، على الرغم من الانتكاسة الرهيبة التي يعاني منها المجتمع الإسلامي اليوم.

وعلى الرغم من وجود فئات ظلت معتنقة للنصرانية أو اليهودية في إطار المجتمع المسلم إلا أن هـذه الفئات - مع ولائها لدينها - ظلت معتنقة لتقاليد الحضارة الإسلامية وفية لمنهجها وسلوكها، فصدرت عن هـؤلاء آداب وفنون وعلوم لا تختلف كثيرا عن نتاج القرائح المسلمة الملتزمة، وهكذا طغى عليهم النصر التاريخي النادر المثال للحضارة الإسلامية، ولو لم يفعلوا ذلك لانقرضوا وما سمع بهم أحد، وهذه الظاهرة فيها أيضا ما يدل دلالة واضحة على تسامح الإسلام وشموخه، كما أن فيها أن النصر لا يكون بالحديد والنار، وإنما بعظمة المبادئ الإلهية الخالدة التي تنحني أمام عظمتها الرءوس.

الأدب الإسلامي - برغم ترهات المبطلين والمخدوعين - جزء من بنية البناء الإسلامي الكبير، وهو التعبير بالكلمة عن أيديولوجيتنا العظيمة، ووسيلة أساسية من وسائل الدعوة في هـذا العصر، وهو منهج إعلامنا في مواجهة الإعلام الصليبي والشيوعي والماركسي والوجودي المدمر، هـو [ ص: 42 ] ( سلاح العصر ) في معارك الفنون والخبر والطوابير الخامسة، وهو أولا وأخيرا الحامل ( لمضمون ) العقيدة التي نحيا لها وبها، ونستشهد في سبيلها ( ألم تر كيف ضرب الله مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء * تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها ويضرب الله الأمثال للناس لعلهم يتذكرون * ومثل كلمة خبيثة كشجرة خبيثة اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار * يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة ويضل الله الظالمين ويفعل الله ما يشاء ) (إبراهيم: 24-27) .

واللغة العربية تستمد بقاءها وتميزها من القرآن الكريم الذي كتب بها، فزادها شرفا ورفعة، وربطها بأعظم قيم الوجود وعقائده، وجعلها تمتد بين السماء والأرض أبد الآبدين، ومن ثم فإنها اللغة الطبيعية والأساسية للأدب الإسلامي، ولكن هـذا لا يعني قصر الأدب الإسلامي عليها وحدها، لأن تباين العالم الإسلامي واختلاف لغاتة يجعل من الضروري لهذا الأدب العالمي أن يكتب بلغات أخرى كالفارسية والأردية والتركية، بل والإنجليزية والفرنسية والألمانية وغيرها من لغات الدنيا، ولا غرابة في ذلك، فأدب الواقعية الاشتراكية، وكذلك الأدب الوجودي وغيره يكتب بمختلف اللغات، وفي كل لغة جمالياتها وقدرتها التعبيرية المؤثرة، والواقع أننا نطرب لكلمات الشاعر الفليسوف إقبال كما نطرب لأشعار ابن الفارض والبوصيري وشوقي وغيرهم، ومن المعروف أن لغات العالم الإسلامي قد تطعمت بالكثير من الألفاظ العربية [ ص: 43 ] وأساليب لغة القرآن وجمالها، واستلهمت قيمه البلاغية والفصاحية، ونهلت من مضامينه الفكرية الخالدة، والأمل يحدونا أن تصبح اللغة العربية سائدة في مختلف بلدان العالم الإسلامي، دون أن يعني ذلك إلغاء لغاته المحلية، ولا شك أن تجربة باكستان في هـذا المضمار تعتبر تجربة رائدة، بعد أن أصبحت العربية لغة أساسية في بعض مراحل التعليم، فضلا عن أن القرآن يقرأ بالعربية في كل تلك الأنحاء، وكذلك الحديث الشريف. وقد يقول قائل:

إنه من الخطر أن نهمل مصطلح ( الأدب العربي ) الذي توارثناه جيلا بعد جيل، وأصبح يشكل تراثا ضخما عامرا بالكنوز والعطاءات العلمية والفنية، ونحن لا نهدف إلى ذلك مطلقا، فالعربية كما قلنا لغة القرآن، والحفاظ عليها فريضة، فضلا عن أنها اللغة الأولى والأساسية للأدب الإسلامي، إن الذي نريده في الواقع هـو أن يكون الأدب العربي أدبا إسلاميا، أو بتعبير آخر أن يكون مصطلح ( الأدب الإسلامي ) ضمنيا أدبا عربيا بالدرجة الأولى، ولا يظنن ظان أن أدبنا العربي منذ فجر الدعوة ومرورا بعهود الخلفاء الراشدين والأمويين والعباسيين والعثمانيين وغيرهم حتى يومنا هـذا، لم يكن هـذا الأدب إلا ترجمانا للثقافة الإسلامية وحضارتها يستوي في ذلك الأدباء المسلمون وغيرهم الذين نعموا بالحياة والحرية والتعبير والعمل في ظل المجتمع الإسلامي أبان صعوده وهبوطه، فالثقافة الحقيقية منهج في الفكر والسلوك، ولم يكن المجتمع الإسلامي بكل طوائفه وفئاته وأقلياته من معتنقي الأديان الأخرى إلا متأثرين بذلك الطابع الإسلامي الشامل، ولهذا فإن إحياء مصطلح ( الأدب الإسلامي ) إنما هـو في الواقع [ ص: 44 ] إيضاح لأيديولوجية ما نسميه بالأدب العربي أو الفارسي أو غيرهما، وهو بمثابة إعادة الأمور إلى وضعها الصحيح، ولا يمكن تفسير الغفلة التي سادت القرون الغابرة إلا لأنهم اعتبروا الأمر تحصيل، فالأدب العربي إسلامي بالضرورة، أو هـكذا يجب أن يكون، لأنه ترجمان الحضارة الإسلامية بكل جوانبها، ولأنه كان وعاء للتبادلات الفنية والفلسفية العلمية بين مختلف الجنسيات والثقافات القديمة، ولا يقلل من هـذه الحقيقة انسياق الشعراء وراء بدع العصبيات والمدح والفخر الجاهلي والمجون، فذلك التمرد ( الفني ) والذي يرتبط بالشعر أكثر من غيره ) . ( والشعراء يتبعهم الغاوون * ألم تر أنهم في كل واد يهيمون * وأنهم يقولون ما لا يفعلون * إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وذكروا الله كثيرا وانتصروا من بعد ما ظلموا وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون ) . (الشعراء : 224- 227) .

إن النظرة العامة للشعر العربي القديم باعتبار ( أعذبه أكذبه ) . وعلى أساس أن الشعراء يهيمون في كل واد، وأنهم يقولون ما لا يفعلون، قد جعل المؤرخين والكتاب يتقبلون مصطلح ( الأدب العربي ) باقتناع ورضا، ولو أنهم استمسكوا بالآداب والقواعد التي رسمها الرسول صلى الله عليه وسلم لشعراء الدعوة الإسلامية، حين أقام للشعر في المسجد منبرا، وحينما طلب منهم أن يجابهوا الشرك وأعداء الإسلام، لو أنهم فعلوا ذلك لما حدث الانفصال بين والشعر والدين بعد العصر الأول، ولما انعزل هـؤلاء الإسلاميون من الشعراء في مواقعهم الخاصة، بعيدا عن انهيار الشعر [ ص: 45 ] وجنوحه إلى الانحراف والنفاق والتكسب، وبيع الكلمة في سوق الرقيق.

والأدب الإسلامي بداهة لا يرتبط بعصر دون عصر، إنما هـو أدب كل العصور، لكن مفهومه الواضح المتصل بالعقيدة، يتشكل تبعا لأحداث التطور، وترادف الإبداعات المتجددة، ونحن نرى المذاهب الأدبية الغربية نفسها ترتدي أثوابا جديدة من وقت لآخر، فالكلاسيكية القديمة اتخذت عند عصر البعث الأوروبي شكل الكلاسيكية الحديثة ، كذلك تعددت ( الواقعية ) ، وأصبح لها عشرات الأسماء والمفاهيم ( والرمزية ) تنوعت، بل إن أدباء المذهب الواحد، في العصر الواحد، كانوا أنماطا متمايزة ولم يتقوقعوا في قوالب محددة جامدة من صنع المذهب.

نقول: لم يغب المنهج الإسلامي عن الأدب العربي في مختلف العصور، فإذا ما تفحصنا كتابات أديب رائد مجدد ( كالجاحظ ) نلاحظ أنه يحدد أهم وظيفة للأدب، وهي ( إصلاح العالم، والمساهمة في تكوين الفرد تكوينا جديدا ) وهذا التصور في معناه العام لا يختلف عما قاله الروائي السينمائي المعاصر ( إنجمار برجمان ) - ( مهمة الفن إعادة تشكيل الحياة ) .

ويقول الجاحظ أيضا: لكل ضرب من الحديث ضرب من اللفظ ولكل نوع من المعاني نوع من الأسماء.. إن غاية البيان وعلم الجمال هـو الفهم والإفهام وحينما يتحدث الجاحظ عن أحسن الكلام يقول: [ ص: 46 ] هـو الذي يصنع في القلوب صنيع الغيث في التربة الكريمة ويرى الجاحظ أيضا أن الحداثة لا تتعلق بزمن دون آخر، لأنها لا تتعلق بالرمز بقدر ما تتعلق وقدرته على التأثير.. فالصياغة هـي الجديدة وهي الحداثة، لأن المعاني موجودة فعلا من قبل.

الأدب الإسلامي إذن إفراز طبيعي لمجتمع مسلم، والذين يعارضون هـذا التصور يهدرون الأصول والبديهيات والوقائع التاريخية، ويتجاهلون التجارب الإنسانية الوفيرة، ويجعلون الفنون منبتة الصلة بتربتها وبيئتها وينابيعها الفكرية والدينية، ويخلعون عنها صفة التعبير الصادق، وينزعون أواصرها التي تعطيها سر نموها وجمالها وتأثيرها، وإلا فأتوا إلينا بأدب لم يصدر عن منطلقات إنسانية عاطفة وفكرا وموقفا، بصرف النظر عن ماهية هـذه العاطفة، أو طبيعة هـذا الفكر، أو كنه ذلك المؤلف.

كل ما أريد أن أخلص إليه في هـذا الموقع هـو أن نضع حدا لهذا الجدل الصاخب حول المشروعية الأدبية لمصطلح ( الأدب الإسلامي ) ، وأن ينطلق الأدباء الإسلاميون نحو غايتهم الواضحة، وفق برامج متفوقة، ووعي صادق، وأن يهتموا بتأصيل القيم الجمالية، ومضامينهم الفكرية الأصيلة، لأن التجربة هـي ساحة الامتحان الحقيقي، والنجاح الحق يفرض وجوده، ويفسح للأديب مكانا لائقا في دنيا الكلمة، ويجعله شريكا - بل رائدا - في بناء الإنسان والمجتمع الجديد، وهو في الوقت نفسه، يرتفع بالأذواق، ويسمو بالروح، ويحيى الوجدان، [ ص: 47 ] ويقوم اعوجاج النفس، ويتصدى للهجمة الشرسة التي تريد أن تعصف بمقومات وجودنا كله.

والأدب الإسلامي وثيق الصلة بالصحوة الإسلامية المعاصرة في مجالات التشريع والسياسة والاقتصاد والتعليم والإعلام، وقيام هـذا الأدب بمهامه يعتبر أمرا حيويا لتجنب العثرات، واستمرار المسيرة، والتمهيد لغد أفضل، وحشد الطاقات لصنع التغيير المرتقب، وبدون الأدب الإسلامي نكون قد أهملنا سلاحا فعالا من أهم أسلحة المعركة. [ ص: 48 ]

التالي السابق


الخدمات العلمية