الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

قال المصنف رحمه الله تعالى ( وإن كان قيمة الصاع بقيمة الشاة أو أكثر ففيه وجهان ، قال أبو إسحاق : يجب عليه قيمة صاع بالحجاز ; لأنا لو أوجبنا صاعا بقيمة الشاة حصل للبائع الشاة وبدلها ، فوجب قيمة الصاع بالحجاز ; لأنه هو الأصل . ومن أصحابنا من قال : يلزمه الصاع ، وإن كان بقيمة الشاة أو أكثر . ولا يؤدي إلى الجمع بين الشاة وبدلها ; لأن الصاع ليس ببدل عن الشاة وإنما هو بدل عن اللبن . فجاز كما لو غصب عبدا فخصاه فإنه يرد العبد مع قيمته ، ولا يكون ذلك جمعا بين العبد وقيمته ; لأن القيمة بدل عن العضو المتلف ) .

التالي السابق


( الشرح ) هذا من بقية الكلام في الحالة الأولى . وهي ما إذا أراد رد المصراة بعد تلف اللبن وتقدم من المصنف رحمه الله إطلاق القول في جنس الواجب وبينا الكلام في مقداره وأن من الأصحاب من أطلق حكاية الخلاف في تفاوت المقدار ومنهم من خصص فمن المخصصين المصنف فيما ذكره هنا وهو إذا كانت قيمة الصاع [ ص: 256 ] الواجب قدر قيمة الشاة أو أكثر ففيه الوجهان اللذان حكاهما المصنف رحمه الله . وممن حكاهما كذلك مثل ما حكى المصنف شيخه القاضي أبو الطيب ، ولكنه فرض فيما إذا كان التمر يأتي على ثمن الشاة أو على الأكثر منه . فهذا يقتضي أنه إذا كانت قيمة الصاع أقل من قيمة الشاة ولكنه يأتي على أكثرها أنه يجرى الوجهان . وجوزت أن يكون ما وقفت عليه من تعليق أبي الطيب فيها زيادة لا يوافق كلام المصنف رحمه الله ابن الصباغ في الشامل وهو كثير الاتباع للقاضي أبي الطيب . وفرض المسألة فيما إذا كانت قيمته قيمة الشاة أو أكثر من نصف قيمتها فحصل الوقوف بما في تعليق أبي الطيب ; لأن الأكثر من ثمن الشاة هو ما زاد على نصفه . وكذلك قال الروياني والرافعي رحمهم الله : أن منهم من خص هذا الوجه بما إذا زادت قيمة الصاع على نصف قيمة الشاة . قطع بوجوب الصاع إذا نقصت عن النصف .

هكذا حكاه الرافعي رضي الله عنه من غير تعيين ، وحكاه الروياني عن أبي إسحاق . فهذه النقول متفقة على أن أبا إسحاق قائل بذلك فيما إذا زادت قيمة الصاع على نصف قيمة الشاة . وقد حكى الإمام عن العراقيين الوجهين ، وفرض المسألة فيما لو بلغت قيمة الصاع قيمة الشاة أو زادت . وذلك يوافق ما حكاه المصنف رحمه الله ثم حكى عن العراقيين أيضا أنه إن زادت قيمة الصاع على مثل نصف قيمة الشاة فالوجهان جاريان وليس في شيء من ذلك منافاة ، فإن كلام المصنف رحمه الله ساكت عن حكم ما إذا زادت عن النصف ونقصت عن الشاة . وكلام أبي الطيب ومن وافقه فيه زيادة بيان أن الخلاف فيها أيضا ، والقطع فيها إذا نقص عن النصف . وقد تقدم عن بعضهم إطلاق حكاية الخلاف . ولو كانت قيمة الصاع مثل نصف قيمة الشاة أو أقل وجب رده عند أبي إسحاق . صرح به الشيخ أبو حامد وغيره . وقال سليم : أنه لا خلاف فيه على المذهب . وفي تعليق أبي حامد من طريق البندنيجي والمجرد منها ذكر الوجهين في النصف كالأكثر . وذكر العجلي في كلامه على الوسيط والوجيز وجها بالتعديل أبدا أي أنه لا فرق بين أن يكون أقل من النصف أو أكثر ، وهذا هو الوجه [ ص: 257 ] الذي تقدمت حكايته عن الخراسانيين في ذكرهم للخلاف على الإطلاق في تفاوت ذلك بتفاوت اللبن ، وزيادة قيمة التمر على الشاة أو نصفها ، فرضوه في بلاد يكون التمر بها عزيزا كخراسان .

والوجهان في المسألة على هذا الوجه المخصوص مشهوران في طريقة العراقيين ولم يذكرهما غيرهم ، إلا من حكاهما عنهم كالإمام والغزالي ومن وافقهما ، وذكرهما على الإطلاق كما تقدم لا يعرف إلا في طريقة الخراسانيين والعلة التي ذكرها المصنف رحمه الله للوجه الأول إنما تظهر في الفرض الذي فرضه هو . لا فيما فرضه أبو الطيب وموافقوه . ولعل المصنف رحمه الله إنما عدل عن الصورة التي فرضها أبو الطيب لذلك حتى يصح استدلاله . وفي كلام الإمام تعليله بمعنى يمكن اطراده فيهما ، فإنه قال : إن الرسول صلى الله عليه وسلم وإن نص على الصاع من التمر فقد أفهمنا أنه مبذول في مقابلة شيء فائت من المبيع يقع منه موقع التابع من المتبوع فينبغي أن لا يتعدى على هذا حد التابع ، والغلو في كل شيء مذموم ، وقد يغلو المبيع للفظ الشارع فيقع في مسلك أصحاب الظاهر . ووجه الغزالي رحمه الله بأنا نعلم أنه عليه السلام قدره به ; لأنه وقع في ذلك الوقت قريبا من قيمة اللبن المجتمع في الضرع ، ولك أن تقول : إن هذا يقتضي أن لا يضبط ذلك بنصف قيمة الشاة ، وإنا إذا علمنا زيادة قيمة الصاع على ما في زمان النبي صلى الله عليه وسلم لم نوجبه وعلة العراقيين سالمة عن هذا السؤال ولكن هذا يوافق الوجه الذاهب بأن الوجه من التمر بمقدار قيمة اللبن مطلقا ، وسيأتي في التفريع إيضاح لهذا إن شاء الله تعالى . وممن نسب هذا الوجه إلى أبي إسحاق كما نسبه المصنف شيخه أبو الطيب والبندنيجي وسليم وابن الصباغ رحمهم الله .

وقال سليم : إنه أصح ، وهذا الوجه يرى أنه لا يجب الصاع في هذه الحالة ، وسنذكر في التفريع حقيقة ما يوجبه ، ونتعرض فيه إلى لفظ المصنف إن شاء الله تعالى . والوجه الثاني حكوه عن الأصحاب ، وهو الأصح ، وممن صححه [ ص: 258 ] الجرجاني والرافعي وابن أبي عصرون أنه يلزمه الصاع وإن زادت قيمته على قيمة الشاة للحديث ، وإطلاق نص الشافعي رضي الله عنه أيضا يقتضي ذلك ولكنه غير مصرح به إنما صرح أنه لا فرق بين أن يكثر اللبن أو يقل ، ولا فرق بين أن تكون قيمته وقيمة اللبن سواء أو متفاوتة كما تقدم عنه . وأما قيمة الصاع مع قيمة الشاة فلم يتعرض لها في ذلك الكلام ، ولكن إطلاقه يقتضي أن لا فرق أيضا ولأن الصاع بدل عن اللبن فلم يدل على مساواته له فإذا لم تعتبر مساواته له فقدم اعتبار مساواته للشاة أولى ، وقد تقدم عن حكاية الشيخ أبي محمد أن ابن سريج مال إلى ذلك القول ، ولعله المراد ببعض الأصحاب هنا ، وقد أجاب المصنف عما تمسك به أبو إسحاق بما ذكره ، وهو حق والمسألة التي استشهد بها فيما إذا غصب العبد وخصاه صحيحة على القول الجديد أن جراح العبد تتقدر من قيمته كجراح الحر من ديته ، فإنه على هذا يجب عليه كمال القيمة ، وعلى القديم وهو أنها لا تتقدر ، فالواجب ما نقص من القيمة ، فإن لم ينقص شيء فلا شيء عليه وإن نقص وجب عليه ذلك النقص وهذا مبين في باب الغصب .

وقد يكون النقصان زائدا على نصف القيمة كما لو قطع يديه ورجليه ونقص من قيمته أكثر من النصف ، فإنه على القديم يصح الاستشهاد بهذه المسألة أيضا فإنه يرده ويرد أكثر من نصف قيمته على القديم والقاضي أبو الطيب لم يستشهد بما ذكره المصنف رحمه الله وإنما استشهد بما إذا باع سلعة بعبد قيمة كل منهما ألف ثم يزيد العبد فتبلغ قيمته ألفين ، ويجد المشتري في السلعة عيبا فيردها ويسترجع العبد ، وقيمته ألفان ، وذلك قيمة الثمن والمثمن . وما استشهد به المصنف رحمه الله تبع فيه الشيخ أبا حامد وهو أولى ; لأن الزيادة هنا في القيمة فقط والعين المستردة واحدة لم يسترجع معها شيئا آخر ، ومسألة الغصب استرجع مع العبد الناقص قيمته فكان نظير استرجاع الشاة التي ذهب لبنها مع صاع يساوي قيمتها . وقد يقول المنتصر لأبي إسحاق : إن الأصل في المصراة ضمان اللبن التالف ببدله على قياس المتلفات ، ولكن الشارع جعل الصاع بدلا لما في ذلك من قطع النزاع مع قرب قيمة الصاع من قيمة اللبن [ ص: 259 ] في ذلك الوقت غالبا ، فإذا زادت قيمته على ذلك زيادة مفرطة فبعد إقامته بدلا عن لبن لا يساوي جزءا منه يقع موقعا بخلاف ضمان ما فات من العبد المغصوب فإن ذلك واجب متأصل .

( والجواب ) عن هذا أن الشرع لما أوجب في لبن الغنم ولبن الإبل مع العلم بتفاوتهما تفاوتا ظاهرا بدلا واحدا ، علم أن ذلك بدل في جميع الأحوال والشرع إذا أناط الأمور المضطربة بشيء منضبط لا ينظر إلى ما قد يقع نادرا ، وإذا وقع ذلك النادر لا يلتفت إليه بل يجرى على الضابط الشرعي ، لا سيما والمشتري ههنا يتمكن من الإمساك ، فإن أراد فسبيله رد ما جعله الشرع بدلا . وقول الإمام : إن الغلو مذموم ( جوابه ) أن المعنى إذا ظهر وسلم وجب اعتباره ، وإذا لم يسلم وجب اتباع اللفظ . ولا يسمى ذلك غلوا مذموما والمختص بأهل الظاهر الذي ذموا به هو التمسك باللفظ مع ظهور المعنى وصحته بخلافه ، والعالم في الحقيقة هو الجامع بين اللفظ والمعنى ، والله أعلم . وقال صاحب الوافي فيما أجاب به المصنف عن قول أبي إسحاق بأن الصاع وإن كان قيمة اللبن إلا أنه لم يكن مقصودا ، وإنما كان على سبيل التبع ، ولا يزيد على قيمة المتبوع الذي هو الشاة ، وهذا الكلام ليس بالقوي بالنسبة إلى ما تقدم ، ونقل الإمام عن صاحب التقريب أنه قطع جوابه باعتبار قيمة الوسط في صورة الوجهين .

( التفريع ) إن قلنا بالأصح ووجوب الصاع للاتباع فلا إشكال ( وإن قلنا ) بالوجه الأول ، وقول أبي إسحاق : إنه لا يجب الصاع في هذه الحالة فقد قال المصنف رحمه الله : إنه يجب عليه قيمة صاع بالحجاز ، وهكذا قال جماعة من العراقيين والرافعي رحمه الله وقال القاضي أبو الطيب : إنه يقوم بقيمة المدينة وهو أخص ، فإن الحجاز يشمل مكة والمدينة واليمامة ومخاليفها ، كما فسره الشافعي والأصحاب رضي الله عنهم وذكره المصنف في كتاب الجزية ، نسأل الله تعالى أن ييسر علينا الوصول إلى ذلك المكان في خير وعافية . وقال ابن الرفعة : إن من أطلق الحجاز أراد المدينة كما قاله القاضي أبو الطيب لأن الخبر ورد فيها ، ويوافقه ما تقدم عن الماوردي [ ص: 260 ] أنه عند الإعواز يرجع إلى قيمة المدينة على أحد الوجهين . هذا ما ذكره العراقيون على قول أبي إسحاق وأما الإمام فإنه قال : إن لم نر إيجاب الصاع في هذه الصورة اعتبرنا القيمة الوسط للتمر بالحجاز واعتبرنا بحسب ذلك قيمة مثل ذلك الحيوان اللبون بالحجاز وإذا نحن فعلنا هكذا جرى الأمر في المبذول على الحد المطلوب ، وهكذا الكلام من الإمام فيه إجمال . وقال الغزالي في الوسيط : على هذا الوجه يعدل بالقيمة فنقول : قيمة الشاة وسط ، وقيمة صاع وسط في أكثر الأحوال .

( فإن قيل ) هو عشر الشاة مثلا أوجبنا من التمر ما هو قيمة عشر الشاة وكذلك قال ابن عبد السلام في اختصاره للنهاية : إنه يعتبر قيمة تلك المصراة بالحجاز ، والقيمة المتوسطة للتمر بالحجاز فيجب من التمر بهذه النسبة ، وكلام الإمام المذكور كالظاهر في هذا المعنى وتنزيله عليه ، ولم يذكر الإمام في التفريع على الوجه الذي حكاه العراقيون في هذه الصورة غير ذلك ; لأن الوجهين المذكورين على مقتضى نقله يتفرعان على أن الواجب هو الصاع . وأما الوجه الآخر الذي حكاه في صدر كلامه أن الواجب مقدار قيمة اللبن من التمر كيف كان فلم نذكره هنا ; لأنه قسيم الوجه الذي عليه يفرع ، فلذلك لم يذكر هنا إلا وجه التعديل ، وعبارته بعد ذلك : في لبن الجارية المصراة قدر قيمة اللبن من التمر أو القوت لا يناقض ذلك ; لأن مقصوده به الوجه المذكور هناك في صدر كلامه ، ولا يجيء عليه قول التعديل .

وقول الغزالي : إذا قيل : هو عشر الشاة مثلا أوجبنا من التمر ما هو قيمة عشر الشاة ، مراده - والله أعلم - بالشاة الأولى الشاة الوسط ، وبالشاة الثانية الشاة المصراة المبيعة ، مثاله إذا قيل : قيمة الصاع الوسط في الغالب درهم وقيمة شاة وسط في الغالب عشرة ، وقيمة الشاة المبيعة خمسة فإنا نوجب من الصاع نصف عشر ما يساوي عشر قيمة الشاة ، كما إذا كان الصاع في ذلك الوقت مثلا بخمسة ، فنوجب منه عشرة ، وهو يساوي نصف درهم ، وإن كان الصاع في ذلك الوقت يساوي ثلاثة ، فوجب سدسه ; لأنه يساوي عشر قيمة هذه الشاة وهو نصف درهم . [ ص: 261 ] إذا عرف ذلك فقد نقل الرافعي رحمه الله عن الإمام أنه يعتبر القيمة الوسط للتمر بالحجاز ، وقيمة مثل ذلك الحيوان بالحجاز ، فإذا كان اللبن عشر الشاة مثلا أوجبنا من الصاع عشر قيمة الشاة ، ولم أر في النهاية إلا ما حكيته قبل ذلك من الكلام الذي فيه إجمال ، ونسبت الكلام الذي فيه إجمال إلي والكلام الذي بعده في الجارية ، وقد ثبت أنه لا تناقض بينهما وأن كلام الإمام الأول منزل على ما قاله الغزالي وبين الغزالي والرافعي اختلاف فإن الغزالي ينسب قيمة الصاع من قيمة الشاة ، فإذا كان قيمة الصاع عشر قيمة الشاة أوجب عشر الصاع وأول كلام الرافعي رضي الله عنه يقتضي ذلك لكن آخره يقتضي نسبة اللبن من قيمة الشاة فإنه قال : فإذا كان اللبن عشر الشاة مثلا أوجبنا من الصاع عشر قيمة الشاة ، واللبن لم يجر له ولا لتقويمه ذكر ، وإنما ذكر التمر فالوجه أن يقول : فإذا كان التمر .

وقد جوزت أن يكون ذكر اللبن بدل التمر سهوا من ناسخ لكنه هكذا فيما وقفت عليه من النسخ وفي نسخ الروضة أيضا . فأول كلام الرافعي وآخره لا يلتئمان التئاما ظاهرا ، إلا أن يكون المراد : بقيمة اللبن ، على حذف مضاف ويكون المراد بقيمة اللبن التمر ; لأنه بدله وذلك تعسف . على أنه يمكن أن يقال بالآخر فقط بأن يقوم اللبن وتقوم الشاة وينسب قيمة اللبن منها ، لكن صدر كلام الرافعي وكلام الإمام يأبى ذلك ، ويقتضي تقويم التمر ، وأيضا لا أعلم أحدا من الأصحاب قال بتقويم اللبن ، ثم إن كلام الرافعي والغزالي رحمهما الله متفقان على أنا بعد النسبة نوجب من الصاع ما اقتضته النسبة ، فنوجب في المثال المذكور أن يرد من الصاع تمرا يساوي عشر قيمة الشاة ، وذلك مخالف لما قاله جميع العراقيين من أن المردود فيه الصاع بالحجاز وبين الكلامين تفاوت ظاهر . والظاهر من كلام العراقيين أنه لا يرد شيئا من التمر . قال ابن الرفعة : وهو الأشبه بمذهب أبي إسحاق فإنه يرى أن الصاع من التمر أصل ; لأجل الخبر كيف كان الحال ، وأنه الواجب ، وما يوجد يكون بدلا عنه ولا يجوز أن يجعل بعض صاع بدلا من صاع .



( فرع ) هو من تتمة الكلام في ذلك . اشترى شاة بصاع تمر [ ص: 262 ] ثم أراد ردها بالتصرية ففيه وجهان حكاهما الماوردي في الحاوي وغيره . ( أحدهما ) وهو الأصح يردها ويرد معها صاعا ، ولا اعتبار بزيادة الثمن ونقصه كما لا اعتبار بقلة اللبن وكثرته ولا يكون ذلك ربا ; لأن الربا في العقود لا في الفسوخ ، قال صاحب التتمة : إلا أن ذلك سوء تدبير منه في المال فيقتضي الحجر ( قلت ) ومتى فرض الأمر كذلك فينبغي امتناع الرد ; لأنه سفه كما تقدم لنا ، فيما إذا صارفه دراهم بدنانير على عينها ، وخرج ببعضها عيب كخشونة الفضة وقلنا بجواز التفريق . ( فإن قلنا ) الإجازة بكل الثمن قال القاضي أبو الطيب : لم يكن له حظ في رد المعيب ; لأنه سفه فنبقيه على ملكه أصلح له ، وقد تقدم ذلك ، وأن غير أبي الطيب يشعر كلامهم أنه يتعين العدول إلى قول الإجازة بالقسط . قياس ذلك أن يتفقوا على امتناع الرد ، ورد الصاع ، ثم إما أن يمنع الرد مطلقا وهو قياس قول أبي الطيب وإما أن يرجع إلى القول الآخر الذي سيأتي ، وهو قياس الاحتمال الآخر في مسألة الصرف فراجعه هناك .

( والوجه الثاني ) في هذا الفرع أنه يرد بقدر نقص التصرية من الثمن ; لأن الرد لاستدراك النقص ، فعلى هذا يقوم الشاة لو لم تكن مصراة فإذا قيل عشرة قومت مصراة ، فإذا قيل ثمانية ، علم أن نقص التصرية هو الخمس ، فيرد المشتري معها خمس الصاع الذي اشتراها به ، فهذا الوجه الذي في هذه الصورة هو موافق لما قاله الغزالي والرافعي فتأيد ما قالاه به . قال ابن الرفعة : لا ; لأن ما قاله الغزالي فيما إذا ساوت قيمة الصاع قيمة الشاة لا الثمن ، وما ذكره الماوردي فيما إذا ساوى الصاع الثمن وبينهما فرق ; لأن التمر قد يكون بقدر قيمة الشاة ، وقد يكون أكثر منها ، وقد يكون أقل ، نعم الغالب مقاربة الثمن للقيمة وهذا الوجه قائله ناظر فيه إلى الغلبة ، ومع هذا يصح أن تعضد الخلاف الذي ذكره الغزالي به . وفي هذا الفرع وجه ثالث ذكره الجوري أنه يرد الشاة وقيمة اللبن ذهبا أو ورقا ، قياسا على ما إذا اشترى حليا بمثله من الذهب ، ثم وجد به عيبا وحدث عنده [ ص: 263 ] عيب . ووجه رابع مجزوم به في تعليق الطبري عن ابن أبي هريرة أنه يردها ولا شيء عليه .

( فرع ) هذا الذي تقدم من اعتبار قيمة الحجاز أو المدينة . هو الذي ذكره أكثر العراقيين ، وقد تقدم عن الماوردي فيما إذا أعوز التمر حكاية وجه أنه يعتبر قيمة أقرب البلاد إليه تفريعا على قول أبي إسحاق . وقياس ذلك أن يأتي هنا فإنه لا فرق بين أن يعوز التمر وبين أن يجوز له العدول إلى القيمة ، فإذا ضممت ذلك وما قاله الغزالي رحمه الله في كلام المصنف رضي الله عنه حصل لك في هذه المسألة - أعني مسألة الكتاب - أربعة أوجه ( أصحها ) وجوب الصاع . ( الثاني ) وجوب قيمته بالمدينة ( الثالث ) وجوب قيمته بأقرب البلاد إليه ( الرابع ) وجوب بعض صاع لمقتضى التوزيع ، ليس في الفرع الذي قاله الماوردي الوجهان اللذان ذكرهما عند إمكان رد التمر ، وما حكيناه عن الجوري وابن أبي هريرة ، وأما إن أعوز فسيأتي إن شاء الله تعالى .

( فرع ) إذا أوجبنا رد الصاع التمر فيما إذا اشتراها بتمر وهو الأصح ، فلو أنه رضي بها ثم أراد الإقالة قال القاضي حسين وصاحب التتمة : إن قلنا : الإقالة عقد فلا يجوز ; لأنه يلزمه أن يرد بدل اللبن تمرا فكأنه باع شاة وصاع تمر بتمر . ( وإن قلنا ) الإقالة فسخ جاز ; لأن الفسوخ لا ربا فيها ( قلت ) وهذا الخلاف في الإقالة يأتي على كل من الوجهين اللذين حكاهما الماوردي وأما الذي حكاه الجوري أنه يرد قيمة اللبن نقدا فيجوز ، سواء قلنا الإقالة بيع أو فسخ .

( فرع ) عن البندنيجي أنه يعتبر قيمة الرد كرجل أقرض رجلا صاعا من تمر بالحجاز ، ولقيه بخراسان ، له مطالبته بقيمة الحجاز يوم المطالبة ، وليس له مطالبته بالتمر كذا ههنا ، وكذلك يقتضيه كلام الشيخ أبي حامد ( قلت ) فلو فرضنا قيمة التمر يوم الرد بالحجاز كثيرة تزيد على نصف قيمة الشاة لغلاء سعر التمر ورخص الشاة ، فكيف الحال في ذلك ( يمكن ) أن يقال يلزمه ذلك كما في القرض . ويمكن أن يقال يتعين التمر ; لأنه الأصل ولا فائدة في العدول عنه ، [ ص: 264 ] وقد تقدم من كلام الإمام أنه يعتبر القيمة الوسط ، وينبغي أن يحمل ذلك على الوسط من الأنواع حتى يكون موافقا لكلام البندنيجي ، لكن قول الغزالي في أكثر الأحوال ظاهر بخلافه ، وأنه لا يعتبر وقت الرد ، وما قاله العراقيون أقل .

( فرع ) الذي يقول بإيجاب شيء من التمر فيما إذا اشترى شاة بصاع تمر وردها بالتصرية بمقتضى التوزيع . قال ابن الرفعة : ليت شعري ماذا يقول عند فقد التمر فليته قال والظاهر أنه يقول : يرد ما اقتضاه التوزيع من القيمة ، وعلى ما ذكره العراقيون يكون الواجب قيمة صاع من تمر الحجاز كما سلف ، وتقدم وجه آخر عن الحاوي أنه يجب قيمة صاع تمر بأقرب بلاد التمر إليه . ( قلت ) وما قاله أنه ظاهر متعين على هذا الوجه وحينئذ يكون في هذه الصورة أربعة أوجه ( أصحها ) إيجاب قيمة بعض الصاع بالمدينة ( والثاني ) قيمة الصاع بأقرب البلاد ( والثالث ) إيجاب قيمة بعض الصاع بالمدينة على ما اقتضاه التوزيع ( والرابع ) إيجاب بعض قيمة صاع بأقرب البلاد إليه ، وقد تقدم ما ذكره الجوري وابن أبي هريرة . ( فائدة ) قول المصنف رحمه الله : لأنه هو الأصل ، أي ; لأن التمر هو الأصل . كذلك صرح به الشيخ أبو حامد ، فيحمل كلام المصنف عليه ، ويكون المعنى أن صاع التمر بالحجاز هو الأصل ، فإذا تعذر رده رجعنا إلى قيمته بالحجاز كمن أقرض تمرا بالحجاز ولقيه بخراسان فطالبه بقيمة الحجاز .

( فرع ) رأيت في شرح التنبيه لابن يونس أنه إذا أراد قيمة الصاع فإنا نوجب فيه صاعا من تمر بالحجاز ، ويشبه أن يكون في النسخة تصحيف ، ولعله يوجب قيمة صاع ، والله أعلم .

( فرع ) تقدم في جنس الواجب رده مع المصراة سبعة أوجه ، وفي مقداره أربعة أوجه ( أصحها ) صاع تمر ( والثاني ) بقدر قيمة التمر ( والثالث ) إن زاد الصاع فيما يقتضيه التعديل وإلا وجب الصاع ( والرابع ) إن زاد فالواجب القيمة بالحجاز وإلا فالواجب الصاع ولم يقل أحد فيما أعلمه : إنه إن زاد الصاع فالواجب قيمة الصاع من التمر وإلا وجب التمر ، فإذا خلطت الأوجه بعضها ببعض [ ص: 265 ] وجمعتها حصل لك فيما ترده مع المصراة خمسة وعشرون وجها من ضرب الأربعة في ستة .

( وأما ) السابع وهو ما حكاه أبو محمد فلا يأتي خلاف في المقدار فيه ، وترتيبها هكذا ( أصحها ) أن الواجب صاع من تمر مطلقا - كثر اللبن أو قل - زادت قيمته أو نقصت ( الثاني ) صاع من القوت الغالب ( الثالث ) صاع على التخيير بين الأقوات ما عدا الأقط ( الرابع ) التمر أو ما هو أعلا منه ( الخامس ) التمر أو غالب قوت البلد ( السادس ) لو كان التمر موجودا فصاع منه وإلا فصاع من الغالب فهذه ستة ، ومثلها أن الواجب بقيمة اللبن من هذه الأشياء على الخلاف فيها صارت اثني عشر وستة إن زادت قيمة الصاع على الشاة أو نصفها فالواجب ما يقتضيه التعديل من هذه الأشياء الستة على الخلاف فيها وإن لم تزد فالواجب الصاع من الأمور المذكورة فهذه ثمانية عشر وستة ، أنه إن زادت قيمة الصاع فالواجب قيمته وإلا فهذه الأشياء الستة على الخلاف ، والخامس والعشرون ما حكاه الشيخ أبو محمد من الجري على قياس المضمونات وهو أضعفها ، ولا يمكن أخذه مع الأربعة ، والله أعلم .

( فرع ) فإن كان باع الشاة المصراة بصاع من تمر ، فيجيء فيها بمقتضى التركيب ثمانية وعشرون وجها ، هذه الخمسة والعشرون المذكورة وثلاثة أخرى ( أحدها ) أنه يجب من الصاع بقدر نقص التصرية من التمر ( والثاني ) يرد قيمة اللبن ذهبا أو فضة ( والثالث ) يردها ولا شيء عليه ، فقد تقدم ذلك واعلم أن تركيب هذه الوجوه ذكر لتستفاد ويعرف كيفية النظر في ذلك ولكن إثباتها لذلك متوقف على أن كل واحد من أصحاب الوجوه قائل بالوجوه التي تركب معها ، حتى يصح التركيب ، وقد فعل الأصحاب مثل ذلك في مواضع والله سبحانه وتعالى أعلم . .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث