الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

قال المصنف رحمه الله تعالى ( ولا يجوز بيع اللبن بما يتخذ منه من الزبد والسمن ; لأن ذلك مستخرج منه ، فلا يجوز بيعه كالشيرج بالسمسم ، ولا يجوز بيعه بالمخيض ; لأن المخيض لبن نزع منه الزبد ، والحليب لم ينزع منه الزبد فإذا بيع أحدهما بالآخر تفاضل اللبنان ، ولا يجوز بيعه بالشراز واللبأ والجبن ، ; لأن أجزاءها قد انعقدت فلا يجوز بيعها باللبن كيلا ، ; لأنهما يتفاضلان ، ولا يجوز بيعها وزنا ; لأن اللبن مكيل فلا يباع بجنسه وزنا ) .

التالي السابق


( الشرح ) قال القاضي أبو الطيب : الذي يتخذ من اللبن أحد عشر شيئا ، كذا في النسخة ، وصوابه اثنا عشر : الزبد ، والسمن ، والمخيض ، واللبأ ، والأقط ، والمصل ، والجبن ، والشيراز ، والدجنين ، والكشك ، والطينح ، والكواميخ ، قالها القاضي أبو الطيب وغيره والكبح قاله القاضي حسين ، والقول الجملي أن اللبن لا يجوز بيعه بما يتخذ منه من جميع ذلك ، وفي التفصيل مسائل فنوردها كما أوردها المصنف واحدة واحدة . ( المسألة الأولى ) بيع اللبن بالزبد ، قال الشافعي في المختصر : ولا خير [ ص: 450 ] في زبد غنم بلبن غنم ، ; لأن الزبد شيء من اللبن ، وقال في الأم معنى ذلك ، وقد اتفق الأصحاب على هذا الحكم ، واختلفوا في تعليله ، فالأكثرون على ما يشعر به كلام الشافعي أن الزبد شيء من اللبن ، يعني فإذا باعه باللبن واللبن مشتمل على الزبد فيكون قد باع زبدا بزبد متفاضلا ، وقال أبو إسحاق : ; لأن في الزبد شيئا من اللبن يعني فيكون بيع لبن بلبن متفاضلا ، قال الشيخ أبو حامد والقاضي أبو الطيب والمحاملي والماوردي : والتعليل الأول هو الصحيح ، قال أبو الطيب : ولم يذكر أبو إسحاق ذلك في الشرح وهو باطل ببيع اللبن باللبن ( فإن قيل : ) فاللبن باللبن في كل منهما زبد فهلا امتنع ؟ ( فالجواب ) عنه كما قيل في بيع السمسم بالسمسم وهو مذكور في مسألة بيع الشيرج بالسمسم ، فإن الجواب مذكور عنهما معا ، كذلك ذكره الشيخ أبو حامد .

( المسألة الثانية ) بيع اللبن بالسمن لا يجوز لما تقدم من تعليل الشافعي ، وجزم به الأصحاب منهم الشيخ أبو حامد والرافعي قال الشيخ أبو حامد والمحاملي : وهاهنا يبطل تعليل أبي إسحاق ; لأنه لو كان المعنى ما ذكره لجاز هاهنا ، وهذا الإلزام نزل على أن أبا إسحاق غير مخالف في ذلك قال المحاملي : وكان يجب أن يقول أبو إسحاق هاهنا : إنه لا يجوز بيع اللبن بالسمن ، ولا خلاف على المذهب أن ذلك لا يجوز ، قال الإمام : ( فإن قيل : ) قد ذكرتم أن اللبن في حكم جنس واحد لا اختلاط فيه ، فجوزوا بيع اللبن بالسمن بناء على أن اللبن جنس واحد ( قلنا ) هذا فيه بعض الغموض من طريق التعليل ، ولكنه متفق عليه ، وفي معناه بيع السمسم بالشيرج مع تجويز بيع السمسم بالسمسم ، وأقصى الممكن فيه أن اللبن إذا قوبل بالسمن فلا يمكن أن يجعل مخالفا للسمن ، فإنما يجانسه بما فيه من السمن لا بصورته وطعمه ، وإذا اعتبرنا السمن انتظم منه أنه يبيع سمنا بسمن ومخيض ، فأما اللبن باللبن فيعتمد تجانس اللبن في صفته الناجزة ، ولا ضرورة تحوج إلى تقدير تفريق الأجزاء . [ ص: 451 ] قلت ) : وهذا كما تقدم له في بيع السمن بالشيرج ، ولو قال قائل : ما الضرورة الداعية إلى تقدير تفريق الأجزاء عند مقابلة اللبن بالسمن ؟ والسمسم بالشيرج ؟ لأحوج إلى جواب غير هذا .



( المسألة الثالثة ) بيع اللبن بالمخيض ، وهو الردغ الذي استخرج منه الزبد ، جزم به الأصحاب لا يجوز لما تقدم من تعليل الشافعي ، والمصنف أفرده بالعلة التي ذكرها ; لأنه مستبعد أن يقال : إن المخيض متخذ من اللبن ، بل هو نفس اللبن نزع منه الزبد ، لا سيما على العلة التي ذكرها في الزبد والسمن أنه مستخرج من اللبن ، وجمع بذلك بينه وبين الشيرج مع السمسم ، فإن ذلك لا يصح أن يقال في المخيض ، فلهذا أفرده ، وكذلك القاضي أبو الطيب صنع كما صنع المصنف ، وقال أيضا : ولأنه لا يجوز بيع الكسب بالسمسم ، وإن كان أبو إسحاق في بيع اللبن بالزبد لا يجعل للزبد الكامن في اللبن حكما فيلزمه أن يجوز اللبن بالمخيض لانتفاء العلة التي ذكرها في اللبن بالزبد ، فيرد عليه هنا كما ورد عليه في اللبن بالسمن .



( المسألة الرابعة ) بيعه بالشيرازي وهو واللبأ والجبن ، والعلة في الثلاثة ما ذكره المصنف ، وكذلك علل القاضي أبو الطيب وزاد هو وأبو حامد أن في الجبن أنفحة وملحا فيكون بيع لبن وشيء بلبن ، وزاد أبو حامد أن النار قد أخذت منه ، وفي معناها بيع اللبن بالأقط . قال الشافعي رضي الله عنه في الأم : ولا خير في لبن غنم بأقط غنم ، من قبل أن الأقط لبن معقود ، فإذا بعت اللبن بالأقط أجزت اللبن باللبن مجهولا ومتفاضلا ، أو جمعتهما معا ، فإذا اختلف اللبن والأقط فلا بأس ، وصرح به الأصحاب كذلك ، وكذلك الطينح الذي يتخذ من اللبن ; لأن أجزاءه مفقودة ومخالطة غيره فلا يجوز بيعها بحليب . قاله أبو الطيب وفصل ابن الصباغ فقال : إن لم تنعقد أجزاؤه وإنما سخن فإنه يجوز بيع بعضه ببعض كالعسل المصفى بالسمن أو النار الخفيفة وإن طبخ حتى انعقدت أجزاؤه أو اختلط معه غيره لم يجز . [ ص: 452 ] ورأيت في شرح الكفاية للصيمري أنه يجوز بيع الحليب باللبأ متفاضلا يدا بيد ، والظاهر أن ذلك غلط في النسخة ، وكذلك الأقط لا يجوز بيعه باللبن للعلة التي ذكرها وعلل القاضي الروياني امتناع بيع اللبن باللبأ بأن أصله الكيل واللبأ المعمول للأكل لا يكال ، ; لأن النار عقدت أجزاءه فيؤدي إلى التفاضل ، وعلل في ذلك بالباقي بالجبن والمصل وشبههما ، وكذلك المصل لا يجوز بيعه باللبن للعلة المذكورة ، وفيه ملح أيضا ، قال أبو حامد وأبو الطيب والمحاملي ; والمصل ماء الأقط على المشهور ، عصارة الأقط حين يطبخ ويعصر ; وقيل : ماء اللبن النيء ، وقيل : المخيض ، وكذلك الكشك لهذه العلة ; وما فيه من الحشائش قاله أبو الطيب ، وهو قريب من الكشك الذي يعمل في بلادنا ، فإنه يدش القمح ويعجن باللبن الحامض أو غيره ويصير ذلك من قاعدة مد عجوة ، وقد وقع في كلام الإمام إطلاق الكشك بمعنى آخر ، شرحه ابن الرفعة بالقمح المهروش المزال عنه القشر فقط ، الذي يعمل منه طعام القمحية ، وليس ذلك المراد هنا ، وقد تقدم الكلام على ذلك ، وأنه لا يجوز بيع بعضه ببعض ، وعدم جواز الجبن باللبن ، نص عليه الشافعي في باب بيع الآجال من الأم والأصحاب ، ومحله إذا كانا من جنس واحد . فائدة قال الأصمعي : واللبن اللبأ مقصور مهموز .



( فرع ) جزم ابن أبي هريرة في التعليق بأن الرائب بالزبد جائز ، قال : ; لأن ما فيه تابع .

( فرع ) بيع الحليب بالحليب أو بغيره من الألبان ، إنما يجوز إذا لم يكن في واحد منهما ماء ، قاله أبو الطيب وغيره قال الشافعي في الأم : ولا خير في الحليب بالمضروب ، ; لأن في المضروب ماء ، فإن كان يطرح فيه بالضرب فهذا معنى آخر فلا يجوز بيع الدوغ بالحليب ، ; لأنه يؤدي إلى تفاضل اللبنين وحملوا قول الشافعي على المخيض الذي طرح فيه ماء للضرب .



[ ص: 453 ] تنبيه ) بيع الشيء بما يتخذ منه يمتنع في جميع المطعومات لا اختصاص له باللبن جائز في الذهب والفضة كالمداخل والصوابي المصبوغة ، نقل المحاملي هذا الأصل عن نصه في الصرف ، والفرق بينهما أن الذهب والفضة إذا اتخذ منه مصوغ فإن ذلك المتخذ لا يستحيل بالصياغة ، بل هو ذهب وفضة على ما كان عليه ، وما يتخذ من المطعومات يستحيل عن صفته ، فإذا بيع بأصله كيلا بكيل حصل التفاضل بالنسبة إلى حالة الادخار .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث