الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
              جزء صفحة
              الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ لَمَّا كَانَ التَّكْلِيفُ مَبْنِيًّا عَلَى اسْتِقْرَاءِ عَوَائِدِ الْمُكَلَّفِينَ ; وَجَبَ أَنْ يُنْظَرَ فِي أَحْكَامِ الْعَوَائِدِ لِمَا يَنْبَنِي عَلَيْهَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى دُخُولِ الْمُكَلَّفِ تَحْتَ حُكْمِ التَّكْلِيفِ . فَمِنْ ذَلِكَ أَنَّ مَجَارِيَ الْعَادَاتِ فِي الْوُجُودِ أَمْرٌ مَعْلُومٌ لَا مَظْنُونٌ ، وَأَعْنِي فِي الْكُلِّيَّاتِ لَا فِي خُصُوصِ الْجُزْئِيَّاتِ ، وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ أُمُورٌ : أَحَدُهَا : أَنَّ الشَّرَائِعَ بِالِاسْتِقْرَاءِ إِنَّمَا جِيءَ بِهَا عَلَى ذَلِكَ ، وَلَتُعْتَبَرُ بِشَرِيعَتِنَا ; فَإِنَّ التَّكَالِيفَ الْكُلِّيَّةَ فِيهَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَنْ يُكَلَّفُ مِنَ الْخَلْقِ مَوْضُوعَةٌ عَلَى وِزَانٍ وَاحِدٍ ، وَعَلَى مِقْدَارٍ وَاحِدٍ ، وَعَلَى تَرْتِيبٍ وَاحِدٍ ، لَا اخْتِلَافَ فِيهِ بِحَسَبِ مُتَقَدِّمٍ وَلَا مُتَأَخِّرٍ ، وَذَلِكَ وَاضِحٌ فِي الدَّلَالَةِ عَلَى أَنَّ مَوْضُوعَاتِ التَّكَالِيفِ وَهِيَ أَفْعَالُ الْمُكَلَّفِينَ كَذَلِكَ ، وَأَفْعَالُ الْمُكَلَّفِينَ إِنَّمَا تَجْرِي عَلَى تَرْتِيبِهَا إِذَا كَانَ الْوُجُودُ بَاقِيًا عَلَى تَرْتِيبِهِ ، وَلَوِ اخْتَلَفَتِ الْعَوَائِدُ فِي الْمَوْجُودَاتِ ; لَاقْتَضَى ذَلِكَ اخْتِلَافَ التَّشْرِيعِ وَاخْتِلَافَ التَّرْتِيبِ وَاخْتِلَافَ الْخِطَابِ ; فَلَا تَكُونُ الشَّرِيعَةُ عَلَى مَا هِيَ عَلَيْهِ ، وَذَلِكَ بَاطِلٌ . وَالثَّانِي : أَنَّ الْإِخْبَارَ الشَّرْعِيَّ قَدْ جَاءَ بِأَحْوَالِ هَذَا الْوُجُودِ عَلَى أَنَّهَا دَائِمَةٌ غَيْرُ مُخْتَلِفَةٍ إِلَى قِيَامِ السَّاعَةِ ; كَالْإِخْبَارِ عَنِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا فِيهِمَا مِنَ الْمَنَافِعِ وَالتَّصَارِيفِ وَالْأَحْوَالِ ، وَأَنَّ سُنَّةَ اللَّهِ لَا تَبْدِيلَ لَهَا ، وَأَنَّ لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ، كَمَا جَاءَ بِإِلْزَامِ الشَّرَائِعِ عَلَى ذَلِكَ الْوِزَانِ أَيْضًا ، وَالْخَبَرُ مِنَ الصَّادِقِ لَا يَكُونُ بِخِلَافِ مُخْبَرِهِ بِحَالٍ ; فَإِنَّ الْخِلَافَ بَيْنَهُمَا مُحَالٌ . وَالثَّالِثُ : أَنَّهُ لَوْلَا أَنَّ اطِّرَادَ الْعَادَاتِ مَعْلُومٌ ; لَمَا عُرِفَ الدِّينُ مِنْ أَصْلِهِ فَضْلًا عَنْ تَعَرُّفِ فُرُوعِهِ ; لِأَنَّ الدِّينَ لَا يُعْرَفُ إِلَّا عِنْدَ الِاعْتِرَافِ بِالنُّبُوَّةِ وَلَا سَبِيلَ إِلَى الِاعْتِرَافِ بِهَا إِلَّا بِوَاسِطَةِ الْمُعْجِزَةِ ، وَلَا مَعْنَى لِلْمُعْجِزَةِ إِلَّا أَنَّهَا فِعْلٌ خَارِقٌ لِلْعَادَةِ ، وَلَا يَحْصُلُ فِعْلٌ خَارِقٌ لِلْعَادَةِ إِلَّا بَعْدَ تَقْرِيرِ اطِّرَادِ الْعَادَةِ فِي الْحَالِ وَالِاسْتِقْبَالِ كَمَا اطَّرَدَتْ فِي الْمَاضِي ، وَلَا مَعْنَى لِلْعَادَةِ إِلَّا أَنَّ الْفِعْلَ الْمَفْرُوضَ لَوْ قُدِّرَ وُقُوعُهُ غَيْرَ مُقَارِنٍ لِلتَّحَدِّي لَمْ يَقَعْ إِلَّا عَلَى الْوَجْهِ الْمَعْلُومِ فِي أَمْثَالِهِ ; فَإِذَا وَقَعَ مُقْتَرِنًا بِالدَّعْوَةِ خَارِقًا لِلْعَادَةِ عُلِمَ أَنَّهُ لَمْ يَقَعْ كَذَلِكَ مُخَالِفًا لِمَا اطَّرَدَ إِلَّا وَالدَّاعِي صَادِقٌ ، فَلَوْ كَانَتِ الْعَادَةُ غَيْرَ مَعْلُومَةٍ ، لَمَا حَصَلَ الْعِلْمُ بِصِدْقِهِ اضْطِرَارًا ; لِأَنَّ وُقُوعَ مِثْلِ ذَلِكَ الْخَارِقِ لَمْ يَكُنْ يُدْعَى بِدُونِ اقْتِرَانِ الدَّعْوَةِ وَالتَّحَدِّي ، لَكِنَّ الْعِلْمَ حَاصِلٌ ; فَدَلَّ عَلَى أَنَّ مَا انْبَنَى عَلَيْهِ الْعِلْمُ مَعْلُومٌ أَيْضًا ، وَهُوَ الْمَطْلُوبُ . فَإِنْ قِيلَ : هَذَا مُعَارَضٌ بِمَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ اطِّرَادَ الْعَوَائِدِ غَيْرُ مَعْلُومٍ ، بَلْ إِنْ كَانَ فَمَظْنُونٌ ، وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ أَمْرَانِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّ اسْتِمْرَارَ أَمْرٍ فِي الْعَالَمِ مُسَاوٍ لِابْتِدَاءِ وَجُودِهِ ; لِأَنَّ الِاسْتِمْرَارَ إِنَّمَا هُوَ بِالْإِمْدَادِ الْمُسْتَمِرِّ ، وَالْإِمْدَادُ مُمْكِنٌ أَنْ لَا يُوجَدَ ، كَمَا أَنَّ اسْتِمْرَارَ الْعَدَمِ عَلَى الْمَوْجُودِ فِي الزَّمَنِ الْأَوَّلِ كَانَ مُمْكِنًا فَلَمَّا حَصَلَ أَحَدُ طَرَفَيِ الْإِمْكَانِ مَعَ جَوَازِ بَقَائِهِ عَلَى أَصْلِ الْعَدَمِ ; فَكَذَلِكَ وَجُودُهُ فِي الزَّمَانِ الثَّانِي مُمْكِنٌ ، وَعَدَمُهُ كَذَلِكَ ، فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ ; فَكَيْفَ يَصِحُّ مَعَ إِمْكَانِ عَدَمِ اسْتِمْرَارِ وَجُودِهِ الْعِلْمُ بِاسْتِمْرَارِ وَجُودِهِ ، هَلْ هَذَا إِلَّا عَيْنُ الْمُحَالِ ؟ وَالثَّانِي : إِنَّ خَوَارِقَ الْعَادَاتِ فِي الْوُجُودِ غَيْرُ قَلِيلٍ ، بَلْ ذَلِكَ كَثِيرٌ وَلَا سِيَّمَا مَا جَرَى عَلَى أَيْدِي الْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ مِنْ ذَلِكَ ، وَكَذَلِكَ مَا انْخَرَقَ لِلْأَوْلِيَاءِ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ وَفِي الْأُمَمِ قَبْلَهَا مِنَ الْعَادَاتِ ، وَالْوُقُوعُ زَائِدٌ عَلَى مُجَرَّدِ الْإِمْكَانِ ، فَهُوَ أَقْوَى فِي الدَّلَالَةِ ، فَإِذًا لَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ مَجَارِيَ الْعَادَاتِ مَعْلُومَةً الْبَتَّةَ . فَالْجَوَابُ عَنِ الْأَوَّلِ أَنَّ الْجَوَازَ الْعَقْلِيَّ غَيْرُ مُنْدَفِعٍ عَقْلًا ، وَإِنَّمَا انْدَفَعَ بِالسَّمْعِ الْقَطْعِيِّ ، وَإِذَا انْدَفَعَ بِالسَّمْعِ وَهُوَ جَمِيعُ مَا تَقَدَّمَ مِنَ الْأَدِلَّةِ ; لَمْ يُفِدْ حُكْمَ الْجَوَازِ الْعَقْلِيِّ . وَلَا يُقَالُ : إِنَّ هَذَا تَعَارُضٌ فِي الْقَطْعِيَّاتِ وَهُوَ مُحَالٌ . لِأَنَّا نَقُولُ : إِنَّمَا يَكُونُ مُحَالًا إِذَا تَعَارَضَا مِنْ وَجْهٍ وَاحِدٍ ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ هُنَا ، بَلِ الْجَوَازُ الْعَقْلِيُّ هُنَا بَاقٍ عَلَى حُكْمِهِ فِي أَصْلِ الْإِمْكَانِ ، وَالِامْتِنَاعِ السَّمْعِيِّ رَاجِعٌ إِلَى الْوُقُوعِ ، وَكَمْ مِنْ جَائِزٍ غَيْرُ وَاقِعٍ ؟ ! وَكَذَلِكَ نَقُولُ : الْعَالَمُ كَانَ قَبْلَ وُجُودِهِ مُمْكِنًا أَنْ يَبْقَى عَلَى أَصْلِهِ مِنَ الْعَدَمِ وَيُمْكِنُ أَنْ يُوجَدَ ; فَنِسْبَةُ اسْتِمْرَارِ الْعَدَمِ عَلَيْهِ أَوْ إِخْرَاجِهِ إِلَى الْوُجُودِ مِنْ جِهَةِ نَفْسِهِ نِسْبَةٌ وَاحِدَةٌ ، وَقَدْ كَانَ مِنْ جِهَةِ عِلْمِ اللَّهِ فِيهِ لَا بُدَّ أَنْ يُوجَدَ ; فَوَاجِبٌ وُجُودُهُ ، وَمُحَالٌ اسْتِمْرَارُ عَدَمِهِ ، وَإِنْ كَانَ فِي نَفْسِهِ مُمْكِنُ الْبَقَاءِ عَلَى أَصْلِ الْعَدَمِ ; وَلِذَلِكَ قَالُوا : مِنَ الْجَائِزِ تَنْعِيمُ مَنْ مَاتَ عَلَى الْكُفْرِ ، وَتَعْذِيبُ مَنْ مَاتَ عَلَى الْإِسْلَامِ ، وَلَكِنَّ هَذَا الْجَائِزَ مُحَالُ الْوُقُوعِ مِنْ جِهَةِ إِخْبَارِ اللَّهِ تَعَالَى أَنَّ الْكُفَّارَ هُمُ الْمُعَذَّبُونَ ، وَأَنَّ الْمُسْلِمِينَ هُمُ الْمُنَعَّمُونَ ; فَلَمْ يَتَوَارَدِ الْجَوَازُ وَالِامْتِنَاعُ وَالْوُجُوبُ عَلَى مَرْمًى وَاحِدٍ ، كَذَلِكَ هَاهُنَا ; فَالْجَوَازُ مِنْ حَيْثُ نَفْسِ الْجَائِزِ ، وَالْوُجُوبِ أَوْ الِامْتِنَاعِ مِنْ حَيْثُ أَمْرٍ خَارِجٍ ; فَلَا يَتَعَارَضَانِ . وَعَنِ الثَّانِي أَنَّا قَدَّمْنَا أَنَّ الْعِلْمَ الْمَحْكُومَ بِهِ عَلَى الْعَادَاتِ إِنَّمَا هُوَ فِي كُلِّيَّاتِ الْوُجُودِ لَا فِي جُزْئِيَّاتِهِ ، وَمَا اعْتُرِضَ بِهِ مِنْ بَابِ الْأُمُورِ الْجُزْئِيَّةِ الَّتِي لَا تَخْرِمُ كُلِّيَّةً ، وَلِذَلِكَ لَمْ يَدْخُلْ ذَلِكَ عَلَى أَرْبَابِ الْعَوَائِدِ شَكًّا وَلَا تَوَقُّفًا فِي الْعَمَلِ عَلَى مُقْتَضَى الْعَادَاتِ الْبَتَّةَ ، وَلَوْلَا اسْتِقْرَارُ الْعِلْمِ بِالْعَادَاتِ ; لَمَا ظَهَرَتِ الْخَوَارِقُ كَمَا تَقَدَّمَ ، وَهُوَ مِنْ أَنْبَلِ الْأَدِلَّةِ عَلَى الْعِلْمِ بِمَجَارِيَ الْعَادَاتِ ، وَأَصْلُهُ لِلْفَخْرِ الرَّازِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى ، فَإِذَا رَأَيْنَا جُزْئِيًّا انْخَرَقَتْ فِيهِ الْعَادَةُ عَلَى شَرْطِ ذَلِكَ ; دَلَّنَا عَلَى مَا تَدُلُّ عَلَيْهِ الْخَوَارِقُ مِنْ نُبُوَّةِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِنِ اقْتَرَنَتْ بِالتَّحَدِّي ، أَوْ وِلَايَةِ الْوَلِيِّ إِنْ لَمْ تَقْتَرِنْ ، أَوِ اقْتَرَنَتْ بِدَعْوَى الْوِلَايَةِ عَلَى الْقَوْلِ بِجَوَازِ ذَلِكَ ، وَلَا يَقْدَحُ انْخِرَاقُهَا فِي عِلْمِنَا بِاسْتِمْرَارِ الْعَادَاتِ الْكُلِّيَّةِ ، كَمَا إِذَا رَأَيْنَا عَادَةً جَرَتْ فِي جُزْئِيَّةٍ مِنْ هَذَا الْعَالَمِ فِي الْمَاضِي وَالْحَالِ ; غَلَبَ عَلَى ظُنُونِنَا أَيْضًا اسْتِمْرَارُهَا فِي الِاسْتِقْبَالِ ، وَجَازَ عِنْدَنَا خَرْقُهَا بِدَلِيلِ انْخِرَاقِ مَا انْخَرَقَ مِنْهَا ، وَلَا يَقْدَحُ ذَلِكَ فِي عِلْمِنَا بِاسْتِمْرَارِ الْعَادِيَّاتِ الْكُلِّيَّةِ ، وَهَكَذَا حُكْمُ سَائِرِ مَسَائِلِ الْأُصُولِ ، أَلَا تَرَى أَنَّ الْعَمَلَ بِالْقِيَاسِ قَطْعِيٌّ ، وَالْعَمَلَ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ قَطْعِيٌّ ، وَالْعَمَلَ بِالتَّرْجِيحِ عِنْدَ تَعَارُضِ الدَّلِيلَيْنِ الظَّنِّيَّيْنِ قَطْعِيٌّ ، إِلَى أَشْبَاهِ ذَلِكَ ، فَإِذَا جِئْتَ إِلَى قِيَاسٍ مُعَيَّنٍ لِتَعْمَلَ بِهِ كَانَ الْعَمَلُ [ بِهِ ] ظَنِّيًّا ، أَوْ أَخَذْتَ فِي الْعَمَلِ بِخَبَرٍ وَاحِدٍ مُعَيَّنٍ وَجَدْتَهُ ظَنِّيًّا لَا قَطْعِيًّا ، وَكَذَلِكَ سَائِرُ الْمَسَائِلِ ، وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ قَادِحًا فِي أَصْلِ الْمَسْأَلَةِ الْكُلِّيَّةِ ، وَهَذَا كُلُّهُ ظَاهِرٌ .

              ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


              الخدمات العلمية