الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
              جزء صفحة
              فَصْلٌ وَمِنْ ذَلِكَ أَنَّ الْمَقْصِدَ الْأَوَّلَ إِذَا تَحَرَّاهُ الْمُكَلَّفُ يَتَضَمَّنُ الْقَصْدَ إِلَى كُلِّ مَا قَصَدَهُ الشَّارِعُ فِي الْعَمَلِ مِنْ حُصُولِ مَصْلَحَةٍ أَوْ دَرْءِ مَفْسَدَةٍ ; فَإِنَّ الْعَامِلَ بِهِ إِنَّمَا قَصْدُهُ تَلْبِيَةُ أَمْرِ الشَّارِعِ ; إِمَّا بَعْدَ فَهْمِ مَا قَصَدَ ، وَإِمَّا لِمُجَرَّدِ امْتِثَالِ الْأَمْرِ ، وَعَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ فَهُوَ قَاصِدٌ مَا قَصَدَهُ الشَّارِعُ ، وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ قَصْدَ الشَّارِعِ أَعَمُّ الْمَقَاصِدِ وَأَوَّلُهَا ، وَأَنَّهُ نُورٌ صِرْفٌ لَا يَشُوبُهُ غَرَضٌ وَلَا حَظٌّ ; كَانَ الْمُتَلَقِّي لَهُ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ آخِذًا لَهُ زَكِيًّا وَافِيًا كَامِلًا ، غَيْرَ مَشُوبٍ وَلَا قَاصِرٍ عَنْ مُرَادِ الشَّارِعِ ; فَهُوَ حُرٌّ أَنْ يَتَرَتَّبَ الثَّوَابُ فِيهِ لِلْمُكَلَّفِ عَلَى تِلْكَ النِّسْبَةِ . وَأَمَّا الْقَصْدُ التَّابِعُ ; فَلَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ ذَلِكَ كُلُّهُ لِأَنَّ أَخْذَ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ بِالْحَظِّ أَوْ أَخْذَ الْعَمَلِ بِالْحَظِّ قَدْ قَصَرَهُ قَصْدُ الْحَظِّ عَنْ إِطْلَاقِهِ ، وَخَصَّ عُمُومَهُ ; فَلَا يَنْهَضُ نُهُوضَ الْأَوَّلِ . شَاهِدُهُ قَاعِدَةُ " الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ " ، وَقَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ : الْخَيْلُ لِرَجُلٍ أَجْرٌ وَلِرَجُلٍ سِتْرٌ ، وَعَلَى رَجُلٍ وِزْرٌ ، فَأَمَّا الَّذِي هِيَ لَهُ أَجْرٌ ; فَرَجُلٌ رَبَطَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَأَطَالَ لَهَا فِي مَرْجٍ أَوْ رَوْضَةٍ ، فَمَا أَصَابَتْ فِي طِيَلِهَا ذَلِكَ مِنَ الْمَرْجِ أَوِ الرَّوْضَةِ كَانَ لَهُ حَسَنَاتٍ ، وَلَوْ أَنَّهَا قَطَعَتْ طِيَلَهَا ذَلِكَ فَاسْتَنَّتْ شَرَفًا أَوْ شَرَفَيْنِ كَانَتْ آثَارُهَا وَأَرْوَاثُهَا حَسَنَاتٍ لَهُ ، وَلَوْ أَنَّهَا مَرَّتْ بِنَهَرٍ فَشَرِبَتْ مِنْهُ لَمْ يُرِدْ أَنْ يَسْقِيَ بِهِ كَانَ ذَلِكَ لَهُ حَسَنَاتٍ ; فَهِيَ لَهُ أَجْرٌ فِي هَذَا الْوَجْهِ مِنَ الْحَدِيثَ لِصَاحِبِ الْقَصْدِ الْأَوَّلِ ; لِأَنَّهُ قَصَدَ بِارْتِبَاطِهَا سَبِيلَ اللَّهِ ، وَهَذَا عَامٌّ غَيْرُ خَاصٍّ ، فَكَانَ أَجْرُهُ فِي تَصَرُّفَاتِهِ عَامًا أَيْضًا غَيْرَ خَاصٍّ ، ثُمَّ قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ : وَرَجُلٌ رَبَطَهَا تَغَنِّيًا وَتَعَفُّفًا وَلَمْ يَنْسَ حَقَّ اللَّهِ فِي رِقَابِهَا وَلَا ظُهُورِهَا ; فَهِيَ لَهُ سِتْرٌ ، فَهَذَا فِي صَاحِبِ الْحَظِّ الْمَحْمُودِ لَمَّا قَصَدَ وَجْهًا خَاصًّا وَهُوَ حَظُّهُ ; كَانَ حُكْمُهَا مَقْصُورًا عَلَى مَا قَصَدَ ، وَهُوَ السَّتْرُ ، وَهُوَ صَاحِبُ الْقَصْدِ التَّابِعِ ، ثُمَّ قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ : وَرَجُلٌ رَبَطَهَا فَخْرًا وَرِيَاءً وَنِوَاءً لِأَهْلِ الْإِسْلَامِ ; فَهِيَ عَلَى ذَلِكَ وِزْرٌ ; فَهَذَا فِي الْحَظِّ الْمَذْمُومِ الْمُسْتَمَدِّ مِنْ أَصْلِ مُتَابَعَةِ الْهَوَى ، وَلَا كَلَامَ فِيهِ هُنَا . وَيَجْرِي مَجْرَى الْعَمَلِ بِالْقَصْدِ الْأَوَّلِ الِاقْتِدَاءُ بِأَفْعَالِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، أَوْ بِالصَّحَابَةِ أَوِ التَّابِعِينَ ، لِأَنَّ مَا قَصَدُوا يَشْمَلُهُ قَصْدُ الْمُقْتَدِي فِي الِاقْتِدَاءِ ، وَشَاهِدُهُ الْإِحَالَةُ فِي النِّيَّةِ عَلَى نِيَّةِ الْمُقْتَدَى بِهِ ; كَمَا فِي قَوْلِ بَعْضِ الصَّحَابَةِ فِي إِحْرَامِهِ : " بِمَا أَحْرَمَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - " ، فَكَانَ حُجَّةً فِي الْحُكْمِ كَذَلِكَ يَكُونُ فِي غَيْرِهِ مِنَ الْأَعْمَالِ .

              ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


              الخدمات العلمية