الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
              جزء صفحة
              فَصْلٌ قَدْ تَبَيَّنَ تَعَارُضُ الْأَدِلَّةِ فِي الْمَسْأَلَةِ ، وَظَهَرَ أَنَّ الْأَقْوَى مِنَ الْجِهَتَيْنِ جِهَةُ الْمَانِعِينَ ، فَاقْتَضَى الْحَالُ أَنَّ الْجِهَةَ الثَّانِيَةَ ، وَهِيَ الدَّالَّةُ عَلَى الْمَعْنَى التَّبَعِيِّ لَا دَلَالَةَ لَهَا عَلَى حُكْمٍ شَرْعِيٍّ زَائِدٍ أَلْبَتَّةَ . لَكِنْ يَبْقَى فِيهَا نَظَرٌ آخَرُ رُبَّمَا أَخَالُ أَنَّ لَهَا دَلَالَةً عَلَى مَعَانٍ زَائِدَةٍ عَلَى الْمَعْنَى الْأَصْلِيِّ ، هِيَ آدَابٌ شَرْعِيَّةٌ ، وَتَخَلُّقَاتٌ حَسَنَةٌ ، يُقِرُّ بِهَا كُلُّ ذِي عَقْلٍ سَلِيمٍ ، فَيَكُونُ لَهَا اعْتِبَارٌ فِي الشَّرِيعَةِ ، فَلَا تَكُونُ الْجِهَةُ الثَّانِيَةُ خَالِيَةً عَنِ الدَّلَالَةِ جُمْلَةً ، وَعِنْدَ ذَلِكَ يُشَكَلُ الْقَوْلُ بِالْمَنْعِ مُطْلَقًا . وَبَيَانُ ذَلِكَ يَحْصُلُ بِأَمْثِلَةٍ سَبْعَةٍ : أَحَدُهَا : أَنَّ الْقُرْآنَ أَتَى بِالنِّدَاءِ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى لِلْعِبَادِ ، وَمِنَ الْعِبَادِ لِلَّهِ سُبْحَانَهُ ، إِمَّا حِكَايَةً ، وَإِمَّا تَعْلِيمًا ، فَحِينَ أَتَى بِالنِّدَاءِ مِنْ قِبَلِ اللَّهِ لِلْعِبَادِ جَاءَ بِحَرْفِ النِّدَاءِ الْمُقْتَضِي لِلْبُعْدِ ثَابِتًا غَيْرَ مَحْذُوفٍ ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى : يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ [ الْعَنْكَبُوتِ : 56 ] . قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ [ الزُّمَرِ : 53 ] . قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا [ الْأَعْرَافِ : 158 ] . يَا أَيُّهَا النَّاسُ [ الْأَعْرَافِ : 158 ] . يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا [ الْبَقَرَةِ : 104 ] . فَإِذَا أَتَى بِالنِّدَاءِ مِنَ الْعِبَادِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى; جَاءَ مِنْ غَيْرِ حَرْفٍ فَلَا تَجِدُ فِيهِ نِدَاءً بِالرَّبِّ تَعَالَى بِحَرْفِ نِدَاءٍ ثَابِتٍ بِنَاءً عَلَى أَنَّ حَرْفَ النِّدَاءِ لِلتَّنْبِيهِ فِي الْأَصْلِ ، وَاللَّهُ مُنَزَّهٌ عَنِ التَّنْبِيهِ . وَأَيْضًا; فَإِنَّ أَكْثَرَ حُرُوفِ النِّدَاءِ لِلْبَعِيدِ ، وَمِنْهَا " يَا " الَّتِي هِيَ أُمُّ الْبَابِ ، وَقَدْ أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّهُ قَرِيبٌ مِنَ الدَّاعِي خُصُوصًا ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى : وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ [ الْبَقَرَةِ : 186 ] الْآيَةَ . وَمِنَ الْخَلْقِ عُمُومًا ، لِقَوْلِهِ : مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ [ الْمُجَادَلَةِ : 7 ] . وَقَوْ‌‌‌‌لِهِ : وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ [ ق : 16 ] . فَحَصَلَ مِنْ هَذَا التَّنْبِيهِ عَلَى أَدَبَيْنِ : أَحَدُهُمَا : تَرْكُ حَرْفِ النِّدَاءِ . وَالْآخَرُ : اسْتِشْعَارُ الْقُرْبِ . كَمَا أَنَّ فِي إِثْبَاتِ الْحَرْفِ فِي الْقِسْمِ الْآخَرِ التَّنْبِيهَ عَلَى مَعْنَيَيْنِ إِثْبَاتُ التَّنْبِيهِ لِمَنْ شَأْنُهُ الْغَفْلَةُ وَالْإِعْرَاضُ وَالْغَيْبَةُ ، وَهُوَ الْعَبْدُ ، وَالدَّلَالَةُ عَلَى ارْتِفَاعِ شَأْنِ الْمُنَادَى ، وَأَنَّهُ مُنَزَّهٌ عَنْ مُدَانَاةِ الْعِبَادِ; إِذْ هُوَ فِي دُنُوِّهِ عَالٍ ، وَفِي عُلُوِّهِ دَانٍ ، سُبْحَانَهُ ! وَالثَّانِي : أَنَّ نِدَاءَ الْعَبْدِ لِلرَّبِّ نِدَاءُ رَغْبَةٍ وَطَلَبٍ لِمَا يُصْلِحُ شَأْنَهُ ، فَأَتَى فِي النِّدَاءِ الْقُرْآنِيِّ بِلَفْظِ : الرَّبِّ ‌‌‌‌فِي عَامَّةِ الْأَمْرِ; تَنْبِيهًا وَتَعْلِيمًا لِأَنْ يَأْتِيَ الْعَبْدُ فِي دُعَائِهِ بِالِاسْمِ الْمُقْتَضَى لِلْحَالِ الْمَدْعُوِّ بِهَا ، وَذَلِكَ أَنَّ الرَّبَّ فِي اللُّغَةِ : هُوَ الْقَائِمُ بِمَا يُصْلِحُ الْمَرْبُوبَ; فَقَالَ تَعَالَى فِي مَعْرِضِ بَيَانِ دُعَاءِ الْعِبَادِ : رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا [ الْبَقَرَةِ : 286 ] إِلَى آخِرِهَا ، رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا [ آلِ عِمْرَانَ : 8 ] ، وَإِنَّمَا أَتَى قَوْلُهُ تَعَالَى : وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ [ الْأَنْفَالِ : 32 ] مِنْ غَيْرِ إِتْيَانٍ بِلَفْظِ الرَّبِّ لِأَنَّهُ لَا مُنَاسَبَةَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا دَعَوْا بِهِ ، بَلْ هُوَ مِمَّا يُنَافِيهِ ، بِخِلَافِ الْحِكَايَةِ عَنْ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي قَوْلِهِ : قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ [ الْمَائِدَةِ : 114 ] الْآيَةَ; فَإِنَّ لَفْظَ الرَّبِّ فِيهَا مُنَاسِبٌ ‌‌‌‌جِدًّا . وَالثَّالِثُ : أَنَّهُ أَتَى فِيهِ الْكِنَايَةُ فِي الْأُمُورِ الَّتِي يُسْتَحْيَا مِنَ التَّصْرِيحِ بِهَا; كَمَا كَنَّى عَنِ الْجِمَاعِ بِاللِّبَاسِ وَالْمُبَاشَرَةِ ، وَعَنْ قَضَاءِ الْحَاجَةِ بِالْمَجِيءِ مِنَ الْغَائِطِ ، وَكَمَا قَالَ فِي نَحْوِهِ : كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ [ الْمَائِدَةِ : 75 ] فَاسْتَقَرَّ ذَلِكَ أَدَبًا لَنَا اسْتَنْبَطْنَاهُ مِنْ هَذِهِ الْمَوَاضِعِ ، وَإِنَّمَا دَلَالَتُهَا عَلَى هَذِهِ الْمَعَانِي بِحُكْمِ التَّبَعِ لَا بِالْأَصْلِ . وَالرَّابِعُ : أَنَّهُ أَتَى فِيهِ بِالِالْتِفَاتِ الَّذِي يُنْبِئُ فِي الْقُرْآنِ عَنْ أَدَبِ الْإِقْبَالِ مِنَ الْغَيْبَةِ إِلَى الْحُضُورِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْعَبْدِ إِذَا كَانَ مُقْتَضَى الْحَالِ يَسْتَدْعِيهِ; كَقَوْلِهِ تَعَالَى : الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ [ الْفَاتِحَةِ : 2 - 4 ] . ثُمَّ قَالَ : إِيَّاكَ نَعْبُدُ [ الْفَاتِحَةِ : 5 ] . وَبِالْعَكْسِ إِذَا اقْتَضَاهُ الْحَالُ أَيْضًا; كَقَوْلِهِ تَعَالَى : حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ [ يُونُسَ : 22 ] . وَتَأَمَّلْ فِي هَذَا الْمَسَاقِ مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى : عَبَسَ وَتَوَلَّى أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى [ عَبَسَ : 1 - 2 ] حَيْثُ عُوتِبَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِهَذَا الْمِقْدَارِ مِنْ هَذَا الْعِتَابِ ، لَكِنْ عَلَى حَالٍ تَقْتَضِي الْغَيْبَةَ الَّتِي شَأْنُهَا أَخَفُّ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمُعَاتَبِ ، ثُمَّ رَجَعَ الْكَلَامُ إِلَى الْخِطَابِ ، إِلَّا أَنَّهُ بِعِتَابٍ أَخَفَّ مِنَ الْأَوَّلِ ، وَلِذَلِكَ خُتِمَتِ الْآيَةُ بِقَوْلِهِ : كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ [ عَبَسَ : 11 ] . وَالْخَامِسُ : الْأَدَبُ فِي تَرْكِ التَّنْصِيصِ عَلَى نِسْبَةِ الشَّرِّ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى ، وَإِنْ كَانَ هُوَ الْخَالِقَ لِكُلِّ شَيْءٍ ، كَمَا قَالَ بَعْدَ قَوْلِهِ : قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ [ آلِ عِمْرَانَ : 26 ] إِلَى قَوْلِهِ بِيَدِكَ الْخَيْرُ [ آلِ عِمْرَانَ : 26 ] وَلَمْ يَقُلْ : " بِيَدِكَ الْخَيْرُ وَالشَّرُّ " ، وَإِنْ كَانَ قَدْ ذَكَرَ الْقِسْمَيْنِ مَعًا; لِأَنَّ نَزْعَ الْمُلْكِ وَالْإِذْلَالَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَنْ لَحِقَ ذَلِكَ بِهِ شَرٌّ ظَاهِرٌ ، نَعَمْ ، قَالَ فِي أَثَرِهِ : إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [ آلِ عِمْرَانَ : 26 ] تَنْبِيهًا فِي الْجُمْلَةِ عَلَى أَنَّ الْجَمِيعَ خَلْقُهُ; حَتَّى جَاءَ فِي الْحَدِيثِ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : وَالْخَيْرُ فِي يَدَيْكَ ، وَالشَّرُّ لَيْسَ إِلَيْكَ وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ : الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ [ الشُّعَرَاءِ : 78 ] إِلَخْ ، فَنَسَبَ إِلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ الْخَلْقَ ، وَالْهِدَايَةَ ، وَالْإِطْعَامَ ، وَالسَّقْيَ ، وَالشِّفَاءَ ، وَالْإِمَاتَةَ ، وَالْإِحْيَاءَ ، وَغُفْرَانَ الْخَطِيئَةِ دُونَ مَا جَاءَ فِي أَثْنَاءِ ذَلِكَ مِنَ الْمَرَضِ ، فَإِنَّهُ سَكَتَ عَنْ نِسْبَتِهِ إِلَيْهِ . وَالسَّادِسُ : الْأَدَبُ فِي الْمُنَاظَرَةِ أَنْ لَا يُفَاجِئَ بِالرَّدِّ كِفَاحًا دُونَ التَّقَاضِي بِالْمُجَامَلَةِ وَالْمُسَامَحَةِ; كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ [ سَبَأٍ : 24 ] . وَقَوْلِهِ : قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ [ الزُّخْرُفِ : 81 ] . قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إِجْرَامِي [ هُودٍ : 35 ] . وَقَوْلِهِ : قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلَا يَعْقِلُونَ [ الزُّمَرِ : 43 ] . أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ [ الْمَائِدَةِ : 104 ] . لِأَنَّ ذَلِكَ أَدْعَى إِلَى الْقَبُولِ وَتَرْكِ الْعِنَادِ وَإِطْفَاءِ نَارِ الْعَصَبِيَّةِ . وَالسَّابِعُ : الْأَدَبُ فِي إِجْرَاءِ الْأُمُورِ عَلَى الْعَادَاتِ فِي التَّسَبُّبَاتِ وَتَلَقِّي الْأَسْبَابِ مِنْهَا ، وَإِنْ كَانَ الْعِلْمُ قَدْ أَتَى مِنْ وَرَاءِ مَا يَكُونُ أَخْذًا مِنْ مَسَاقَاتِ التَّرَجِّيَاتِ الْعَادِيَّةِ; كَقَوْلِهِ تَعَالَى : عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا [ الْإِسْرَاءِ : 79 ] . فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ [ الْمَائِدَةِ : 52 ] . وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ [ الْبَقَرَةِ : 216 ] . وَمِنْ هَذَا الْبَابِ جَاءَ نَحْوُ قَوْلِهِ تَعَالَى : لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [ الْبَقَرَةِ : 21 ] . لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ [ الْأَنْعَامِ : 152 ] . وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ ، فَإِنَّ التَّرَجِّيَ وَالْإِشْفَاقَ وَنَحْوَهُمَا إِنَّمَا تَقَعُ حَقِيقَةً مِمَّنْ لَا يَعْلَمُ عَوَاقِبَ الْأُمُورِ وَاللَّهُ تَعَالَى عَلِيمٌ بِمَا كَانَ وَمَا يَكُونُ وَمَا لَمْ يَكُنْ أَنْ لَوْ كَانَ كَيْفَ كَانَ يَكُونُ ، وَلَكِنْ جَاءَتْ هَذِهِ الْأُمُورُ عَلَى الْمَجْرَى الْمُعْتَادِ فِي أَمْثَالِنَا; فَكَذَلِكَ يَنْبَغِي لِمَنْ كَانَ عَالِمًا بِعَاقِبَةِ أَمْرٍ ، بِوَجْهٍ مِنْ وُجُوهِ الْعِلْمِ الَّذِي هُوَ خَارِجٌ عَنْ مُعْتَادِ الْجُمْهُورِ - أَنْ يَحْكُمَ فِيهِ عِنْدَ الْعِبَارَةِ عَنْهُ بِحُكْمِ غَيْرِ الْعَالِمِ ، دُخُولًا فِي غِمَارِ الْعَامَّةِ ، وَإِنْ بَانَ عَنْهُمْ بِخَاصِّيَّةٍ يَمْتَازُ بِهَا ، وَهُوَ مَنِ التَّنَزُّلَاتِ الْفَائِقَةِ الْحُسْنِ فِي مَحَاسِنِ الْعَادَاتِ ، وَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ يُعْلَمُ بِأَخْبَارِ كَثِيرٍ مِنَ الْمُنَافِقِينَ ، وَيُطْلِعُهُ رَبُّهُ عَلَى أَسْرَارِ كَثِيرٍ مِنْهُمْ ، وَلَكِنَّهُ كَانَ يُعَامِلُهُمْ فِي الظَّاهِرِ مُعَامَلَةً يَشْتَرِكُ مَعَهُمْ فِيهَا الْمُؤْمِنُونَ; لِاجْتِمَاعِهِمْ فِي عَدَمِ انْخِرَامِ الظَّاهِرِ; فَمَا نَحْنُ فِيهِ نَوْعٌ مِنْ هَذَا الْجِنْسِ ، وَالْأَمْثِلَةُ كَثِيرَةٌ فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ; ظَهَرَ أَنَّ الْجِهَةَ الثَّانِيَةَ يُسْتَفَادُ بِهَا أَحْكَامٌ شَرْعِيَّةٌ وَفَوَائِدُ عَمَلِيَّةٌ لَيْسَتْ دَاخِلَةً تَحْتَ الدَّلَالَةِ بِالْجِهَةِ الْأُولَى ، وَهُوَ تَوْهِينٌ لِمَا تَقَدَّمَ اخْتِيَارُهُ . وَالْجَوَابُ : أَنَّ هَذِهِ الْأَمْثِلَةَ وَمَا جَرَى مَجْرَاهَا لَمْ يُسْتَفَدِ الْحُكْمُ فِيهَا مِنْ جِهَةِ وَضْعِ الْأَلْفَاظِ لِلْمَعَانِي ، وَإِنَّمَا اسْتُفِيدَ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى ، وَهِيَ جِهَةُ الِاقْتِدَاءِ بِالْأَفْعَالِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .

              ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


              الخدمات العلمية