الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
              جزء صفحة
              الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ إِذَا ثَبَتَ أَنَّ لِلْكَلَامِ مِنْ حَيْثُ دَلَالَتِهِ عَلَى الْمَعْنَى اعْتِبَارَيْنِ : مِنْ جِهَةِ دَلَالَتِهِ عَلَى الْمَعْنَى الْأَصْلِيِّ ، وَمِنْ جِهَةِ دَلَالَتِهِ عَلَى الْمَعْنَى التَّبَعِيِّ الَّذِي هُوَ خَادِمٌ لِلْأَصْلِيِّ; كَانَ مِنَ الْوَاجِبِ أَنْ يُنْظَرَ فِي الْوَجْهِ الَّذِي تُسْتَفَادُ مِنْهُ الْأَحْكَامُ ، وَهَلْ يَخْتَصُّ بِجِهَةِ الْمَعْنَى الْأَصْلِيِّ ، أَوْ يَعُمُّ الْجِهَتَيْنِ مَعًا ؟ أَمَّا جِهَةُ الْمَعْنَى الْأَصْلِيِّ; فَلَا إِشْكَالَ فِي صِحَّةِ اعْتِبَارِهَا فِي الدَّلَالَةِ عَلَى الْأَحْكَامِ بِإِطْلَاقٍ ، وَلَا يَسَعُ فِيهِ خِلَافٌ عَلَى حَالٍ ، وَمِثَالُ ذَلِكَ صِيَغُ الْأَوَامِرِ وَالنَّوَاهِي ، وَالْعُمُومَاتِ وَالْخُصُوصَاتِ ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مُجَرَّدًا مِنَ الْقَرَائِنِ الصَّارِفَةِ لَهَا عَنْ مُقْتَضَى الْوَضْعِ الْأَوَّلِ . وَأَمَّا جِهَةُ الْمَعْنَى التَّبَعِيِّ; فَهَلْ يَصِحُّ اعْتِبَارُهَا فِي الدَّلَالَةِ عَلَى الْأَحْكَامِ مِنْ حَيْثُ يُفْهَمُ مِنْهَا مَعَانٍ زَائِدَةٌ عَلَى الْمَعْنَى الْأَصْلِيِّ أَمْ لَا ؟ هَذَا مَحَلُّ تَرَدُّدٍ ، وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الطَّرَفَيْنِ وَجْهٌ مِنَ النَّظَرِ . فَلِلْمُصَحِّحِ أَنْ يَسْتَدِلَّ بِأَوْجُهٍ : أَحَدُهَا : أَنَّ هَذَا النَّوْعَ إِمَّا أَنْ يَكُونَ مُعْتَبَرًا فِي دَلَالَتِهِ عَلَى مَا دَلَّ عَلَيْهِ ، أَوْ لَا ، وَلَا يُمْكِنُ عَدَمُ اعْتِبَارِهِ; لِأَنَّهُ إِنَّمَا أَتَى بِهِ لِذَلِكَ الْمَعْنَى فَلَا بُدَّ مِنِ اعْتِبَارِهِ فِيهِ ، وَهُوَ زَائِدٌ عَلَى الْمَعْنَى الْأَصْلِيِّ وَإِلَّا لَمْ يَصِحَّ ، فَإِذَا كَانَ هَذَا الْمَعْنَى يَقْتَضِي حُكْمًا شَرْعِيًّا; لَمْ يُمْكِنْ إِهْمَالُهُ وَاطِّرَاحُهُ ، كَمَا لَا يُمْكِنُ ذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى النَّوْعِ الْأَوَّلِ; فَهُوَ إِذًا مُعْتَبَرٌ ، وَهُوَ الْمَطْلُوبُ . وَالثَّانِي : أَنَّ الِاسْتِدْلَالَ بِالشَّرِيعَةِ عَلَى الْأَحْكَامِ إِنَّمَا هُوَ مِنْ جِهَةِ كَوْنِهَا بِلِسَانِ الْعَرَبِ ، لَا مِنْ جِهَةِ كَوْنِهَا كَلَامًا فَقَطْ ، وَهَذَا الِاعْتِبَارُ يَشْمَلُ مَا دَلَّ بِالْجِهَةِ الْأَوْلَى ، وَمَا دَلَّ بِالْجِهَةِ الثَّانِيَةِ ، هَذَا وَإِنْ قُلْنَا : إِنَّ الثَّانِيَةَ مَعَ الْأُولَى كَالصِّفَةِ مَعَ الْمَوْصُوفِ كَالْفَصْلِ وَالْخَاصِّ; فَذَلِكَ كُلُّهُ غَيْرُ ضَائِرٍ ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ ، فَتَخْصِيصُ الْأُولَى بِالدَّلَالَةِ عَلَى الْأَحْكَامِ دُونَ الثَّانِيَةِ تَخْصِيصٌ مِنْ غَيْرِ مُخَصَّصٍ ، وَتَرْجِيحٌ مِنْ غَيْرِ مُرَجَّحٍ ، وَذَلِكَ كُلُّهُ بَاطِلٌ ، فَلَيْسَتِ الْأُولَى إِذْ ذَاكَ بِأَوْلَى لِلدَّلَالَةِ مِنَ الثَّانِيَةِ ، فَكَانَ اعْتِبَارُهُمَا مَعًا هُوَ الْمُتَعَيَّنَ . وَالثَّالِثُ : أَنَّ الْعُلَمَاءَ قَدِ اعْتَبَرُوهَا وَاسْتَدَلُّوا عَلَى الْأَحْكَامِ مِنْ جِهَتِهَا فِي مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ ، كَمَا اسْتَدَلُّوا عَلَى أَنَّ أَكْثَرَ مُدَّةِ الْحَيْضِ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا بِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : تَمْكُثُ إِحْدَاكُنَّ شَطْرَ دَهْرِهَا لَا تُصَلِّي ، وَالْمَقْصُودُ الْإِخْبَارُ بِنُقْصَانِ الدِّينِ ، لَا الْإِخْبَارُ بِأَقْصَى الْمُدَّةِ ، وَلَكِنَّ الْمُبَالَغَةَ اقْتَضَتْ ذِكْرَ ذَلِكَ ، وَلَوْ تُصُوِّرَتِ الزِّيَادَةُ لَتَعَرَّضَ لَهَا . وَاسْتَدَلَّ الشَّافِعِيُّ عَلَى تَنْجِيسِ الْمَاءِ الْقَلِيلِ بِنَجَاسَةٍ لَا تُغَيِّرُهُ ، بِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : إِذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ نَوْمِهِ فَلَا يَغْمِسْ يَدَهُ فِي الْإِنَاءِ ، حَتَّى يَغْسِلَهَا الْحَدِيثَ; فَقَالَ : لَوْلَا أَنَّ قَلِيلَ النَّجَاسَةِ يُنَجِّسُ لَكَانَ تَوَهُّمُهُ لَا يُوجِبُ الِاسْتِحْبَابَ; فَهَذَا الْمَوْضِعُ لَمْ يُقْصَدْ فِيهِ بَيَانُ حُكْمِ الْمَاءِ الْقَلِيلِ تَحُلُّهُ قَلِيلُ النَّجَاسَةِ ، لَكِنَّهُ لَازِمٌ مِمَّا قُصِدَ ذِكْرُهُ . وَكَاسْتِدْلَالِهِمْ عَلَى تَقْدِيرِ أَقَلِّ مُدَّةِ الْحَمْلِ سِتَّةَ أَشْهُرٍ أَخْذًا مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى : وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا [ الْأَحْقَافِ : 15 ] ، مَعَ قَوْلِهِ : وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ [ لُقْمَانَ : 14 ] ; فَالْمَقْصِدُ فِي الْآيَةِ الْأُولَى بَيَانُ مُدَّةِ الْأَمْرَيْنِ جَمِيعًا مِنْ غَيْرِ تَفْصِيلٍ ، ثُمَّ بَيَّنَ فِي الثَّانِيَةِ مُدَّةَ الْفِصَالِ قَصْدًا ، وَسَكَتَ عَنْ بَيَانِ مُدَّةِ الْحَمْلِ وَحْدَهَا قَصْدًا ، فَلَمْ يَذْكُرْ لَهُ مُدَّةً فَلَزِمَ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ أَقَلَّهَا سِتَّةُ أَشْهُرٍ . وَقَالُوا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ ، إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى : حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ [ الْبَقَرَةِ : 187 ] الْآيَةَ ، إِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ الْإِصْبَاحِ جُنُبًا ، وَصِحَّةِ الصِّيَامِ ; لِأَنَّ إِبَاحَةَ الْمُبَاشَرَةِ إِلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ تَقْتَضِي ذَلِكَ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَقْصُودَ الْبَيَانِ; لِأَنَّهُ لَازِمٌ مِنَ الْقَصْدِ إِلَى بَيَانِ إِبَاحَةِ الْمُبَاشَرَةِ وَالْأَكْلِ وَالشُّرْبِ . وَاسْتَدَلُّوا عَلَى أَنَّ الْوَلَدَ لَا يُمْلَكُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ [ الْأَنْبِيَاءِ : 26 ] . وَأَشْبَاهُ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ; فَإِنَّ الْمَقْصُودَ بِإِثْبَاتِ الْعُبُودِيَّةِ لِغَيْرِ اللَّهِ وَخُصُوصًا لِلْمَلَائِكَةِ نَفْيُ اتِّخَاذِ الْوَلَدِ ، لَا أَنَّ الْوَلَدَ لَا يُمْلَكُ ، لَكِنَّهُ لَزِمَ مِنْ نَفْيِ الْوِلَادَةِ أَنْ لَا يَكُونَ الْمَنْسُوبُ إِلَيْهَا إِلَّا عَبْدًا ، إِذْ لَا مَوْجُودَ إِلَّا رَبٌّ أَوْ عَبْدٌ . وَاسْتَدَلُّوا عَلَى ثُبُوتِ الزَّكَاةِ فِي قَلِيلِ الْحُبُوبِ وَكَثِيرِهَا بِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ : فِيمَا سَقَتِ السَّمَاءُ الْعُشْرُ الْحَدِيثَ ، مَعَ أَنَّ الْمَقْصُودَ تَقْدِيرُ الْجُزْءِ الْمُخْرَجِ لَا تَعْيِينَ الْمُخْرَجِ مِنْهُ ، وَمِثْلُهُ كُلُّ عَامٍّ نَزَلَ عَلَى سَبَبٍ ، فَإِنَّ الْأَكْثَرَ عَلَى الْأَخْذِ بِالتَّعْمِيمِ اعْتِبَارًا بِمُجَرَّدِ اللَّفْظِ وَالْمَقْصُودِ ، وَإِنْ كَانَ السَّبَبُ عَلَى الْخُصُوصِ . وَاسْتَدَلُّوا عَلَى فَسَادِ الْبَيْعِ وَقْتَ النِّدَاءِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : وَذَرُوا الْبَيْعَ [ الْجُمُعَةِ : 9 ] مَعَ أَنَّ الْمَقْصُودَ إِيجَابُ السَّعْيِ لَا بَيَانَ فَسَادِ الْبَيْعِ . وَأَثْبَتُوا الْقِيَاسَ الْجَلِيَّ قِيَاسًا كَإِلْحَاقِ الْأَمَةِ بِالْعَبْدِ فِي سِرَايَةِ الْعِتْقِ ، مَعَ أَنَّ الْمَقْصُودَ فِي قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : مَنْ أَعْتَقَ شِرْكًا لَهُ فِي عَبْدٍ مُطْلَقُ الْمِلْكِ ; لَا خُصُوصُ الذِّكْرِ . إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْمَسَائِلِ الَّتِي لَا تُحْصَى كَثْرَةً ، وَجَمِيعُهَا تَمَسُّكٌ بِالنَّوْعِ الثَّانِي لَا بِالنَّوْعِ الْأَوَّلِ ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ; ثَبَتَ أَنَّ الِاسْتِدْلَالَ مِنْ جِهَتِهِ صَحِيحٌ مَأْخُوذٌ بِهِ . وَلِلْمَانِعِ أَنْ يَسْتَدِلَّ أَيْضًا بِأَوْجُهٍ : أَحَدُهَا : أَنَّ هَذِهِ الْجِهَةَ إِنَّمَا هِيَ بِالْفَرْضِ خَادِمَةٌ لِلْأُولَى وَبِالتَّبَعِ لَهَا; فَدَلَالَتُهَا عَلَى مَعْنًى إِنَّمَا يَكُونُ مِنْ حَيْثُ هِيَ مُؤَكِّدَةٌ لِلْأُولَى ، وَمُقَوِّيَةٌ لَهَا وَمُوَضِّحَةٌ لِمَعْنَاهَا ، وَمُوقِعَةٌ لَهَا مِنَ الْأَسْمَاعِ مَوْقِعَ الْقَبُولِ ، وَمِنَ الْعُقُولِ مَوْقِعَ الْفَهْمِ ، كَمَا نَقُولُ فِي الْأَمْرِ الْآتِي لِلتَّهْدِيدِ أَوِ التَّوْبِيخِ; كَقَوْلِهِ : اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ [ فُصِّلَتْ : 40 ] . وَقَوْلِهِ : ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ [ الدُّخَانِ : 49 ] . فَإِنَّ مِثْلَ هَذَا لَمْ يُقْصَدْ بِهِ الْأَمْرُ ، وَإِنَّمَا هُوَ مُبَالَغَةٌ فِي التَّهْدِيدِ أَوِ الْخِزْيِ ، فَلِذَلِكَ لَمْ يُقْبَلْ أَنْ يُؤْخَذَ مِنْهُ حُكْمٌ فِي بَابِ الْأَوَامِرِ ، وَلَا يَصِحُّ أَنْ يُؤْخَذَ ، وَكَمَا نَقُولُ فِي نَحْوِ : وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا [ يُوسُفَ : 82 ] : إِنَّ الْمَقْصُودَ : سَلْ أَهْلَ الْقَرْيَةِ ، وَلَكِنْ جُعِلَتِ الْقَرْيَةُ مَسْئُولَةً مُبَالَغَةً فِي الِاسْتِيفَاءِ بِالسُّؤَالِ أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ; فَلَمْ يَنْبَنِ عَلَى إِسْنَادِ السُّؤَالِ لِلْقَرْيَةِ حُكْمٌ ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ : خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ [ هُودٍ : 107 ] بِنَاءً عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهُمَا تَفْنَيَانِ وَلَا تَدُومَانِ ، لَمَّا كَانَ الْمَقْصُودُ بِهِ الْإِخْبَارَ بِالتَّأْبِيدِ لَمْ يُؤْخَذْ مِنْهُ انْقِطَاعُ مُدَّةِ الْعَذَابِ لِلْكُفَّارِ . . . إِلَى أَشْيَاءَ مِنْ هَذَا الْمَعْنَى لَا يُؤْتَى عَلَى حَصْرِهَا ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ; فَلَيْسَ لَهَا مِنَ الدَّلَالَةِ عَلَى الْمَعْنَى الَّذِي وُضِعَتْ لَهُ أَمْرٌ زَائِدٌ عَلَى الْإِيضَاحِ وَالتَّأْكِيدِ وَالتَّقْوِيَةِ لِلْجِهَةِ الْأُولَى; فَإِذًا لَيْسَ لَهَا خُصُوصُ حُكْمٍ يُؤْخَذُ مِنْهَا زَائِدًا عَلَى ذَلِكَ بِحَالٍ . وَالثَّانِي : أَنَّهُ لَوْ كَانَ لَهَا مَوْضِعُ خُصُوصِ حُكْمٍ يُقَرَّرُ شَرْعًا دُونَ الْأُولَى لَكَانَتْ هِيَ الْأَوْلَى; إِذْ كَانَ يَكُونُ تَقْرِيرُ ذَلِكَ الْمَعْنَى مَقْصُودًا بِحَقِّ الْأَصْلِ; فَتَكُونُ الْعِبَارَةُ عَنْهُ مِنَ الْجِهَةِ الْأَوْلَى لَا مِنَ الثَّانِيَةِ ، وَقَدْ فَرَضْنَاهُ مِنَ الثَّانِيَةِ ، هَذَا خُلْفٌ لَا يُمْكِنُ . لَا يُقَالُ : إِنَّ كَوْنَهَا دَالَّةً بِالتَّبَعِ لَا يَنْفِي كَوْنَهَا دَالَّةً بِالْقَصْدِ ، وَإِنْ كَانَ الْقَصْدُ ثَانِيًا كَمَا نَقُولُ فِي الْمَقَاصِدِ الشَّرْعِيَّةِ : إِنَّهَا مَقَاصِدُ أَصْلِيَّةٌ وَمَقَاصِدُ تَابِعَةٌ ، وَالْجَمِيعُ مَقْصُودٌ لِلشَّارِعِ ، وَيَصِحُّ مِنَ الْمُكَلَّفِ الْقَصْدُ إِلَى الْمَقَاصِدِ التَّابِعَةِ مَعَ الْغَفْلَةِ عَنِ الْأَصْلِيَّةِ ، وَيَنْبَنِي عَلَى ذَلِكَ فِي أَحْكَامِ التَّكْلِيفِ حَسَبَ مَا يَأْتِي بَعْدُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ; فَكَذَلِكَ نَقُولُ هُنَا : إِنْ دَلَالَةَ الْجِهَةِ الثَّانِيَةِ لَا تَمْنَعُ قَصْدَ الْمُكَلَّفِ إِلَى فَهْمِ الْأَحْكَامِ مِنْهَا; لِأَنَّ نِسْبَتَهَا مِنْ فَهْمِ الشَّرِيعَةِ نِسْبَةُ تِلْكَ مِنَ الْأَخْذِ بِهَا عَمَلًا ، وَإِذَا اتَّحَدَتِ النِّسْبَةُ كَانَ التَّفْرِيقُ بَيْنَهُمَا غَيْرَ صَحِيحٍ ، وَلَزِمَ مِنِ اعْتِبَارِ إِحْدَاهُمَا اعْتِبَارُ الْأُخْرَى ، كَمَا يَلْزَمُ مِنْ إِهْمَالِ إِحْدَاهُمَا إِهْمَالُ الْأُخْرَى . لِأَنَّا نَقُولُ : هَذَا - إِنْ سُلِّمَ - مِنْ أَدَلِّ الدَّلِيلِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ ; لِأَنَّهُ إِذَا كَانَ النِّكَاحُ بِقَصْدِ قَضَاءِ الْوَطَرِ مَثَلًا صَحِيحًا ، مِنْ حَيْثُ كَانَ مُؤَكِّدًا لِلْمَقْصُودِ الْأَصْلِيِّ مِنَ النِّكَاحِ ، وَهُوَ النَّسْلُ فَغَفْلَةُ الْمُكَلَّفِ عَنْ كَوْنِهِ مُؤَكِّدًا لَا يَقْدَحُ فِي كَوْنِهِ مُؤَكِّدًا فِي قَصْدِ الشَّارِعِ ، فَكَذَلِكَ نَقُولُ فِي مَسْأَلَتِنَا : إِنَّ الْجِهَةَ الثَّانِيَةَ مِنْ حَيْثُ الْقَصْدُ فِي اللِّسَانِ الْعَرَبِيِّ إِنَّمَا هِيَ مُؤَكِّدَةٌ لِلْأُولَى فِي نَفْسِ مَا دَلَّتْ عَلَيْهِ الْأُولَى ، وَمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ هُوَ الْمَعْنَى الْأَصْلِيُّ ، فَالْمَعْنَى التَّبَعِيُّ رَاجِعٌ إِلَى الْمَعْنَى الْأَصْلِيِّ ، وَيَلْزَمُ مِنْ هَذَا أَنْ لَا يَكُونَ فِي الْمَعْنَى التَّبَعِيِّ زِيَادَةٌ عَلَى الْمَعْنَى الْأَصْلِيِّ ، وَهُوَ الْمَطْلُوبُ . وَأَيْضًا; فَإِنَّ بَيْنَ الْمَسْأَلَتَيْنِ فَرْقًا ، وَذَلِكَ أَنَّ النِّكَاحَ بِقَصْدِ قَضَاءِ الْوَطَرِ إِنْ كَانَ دَاخِلًا مِنْ وَجْهٍ تَحْتَ الْمَقَاصِدِ التَّابِعَةِ لِلضَّرُورِيَّاتِ ، فَهُوَ دَاخِلٌ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ تَحْتَ الْحَاجِيَّاتِ لِأَنَّهُ رَاجِعٌ إِلَى قَصْدِ التَّوْسِعَةِ عَلَى الْعِبَادِ فِي نَيْلِ مَآرِبِهِمْ ، وَقَضَاءِ أَوْطَارِهِمْ ، وَرَفْعِ الْحَرَجِ عَنْهُمْ ، وَإِذَا دَخَلَ تَحْتَ أَصْلِ الْحَاجِيَّاتِ; صَحَّ إِفْرَادُهُ بِالْقَصْدِ مِنْ هَذِهِ الْجِهَةِ ، وَرَجَعَ إِلَى كَوْنِهِ مَقْصُودًا لَا بِالتَّبَعِيَّةِ ، بِخِلَافِ مَسْأَلَتِنَا; فَإِنَّ الْجِهَةَ التَّابِعَةَ لَا يَصِحُّ إِفْرَادُهَا بِالدَّلَالَةِ عَلَى مَعْنًى غَيْرِ التَّأْكِيدِ لِلْأُولَى; لِأَنَّ الْعَرَبَ مَا وَضَعَتْ كَلَامَهَا عَلَى ذَلِكَ إِلَّا بِهَذَا الْقَصْدِ ، فَلَا يُمْكِنُ الْخُرُوجُ عَنْهُ إِلَى غَيْرِهِ . وَالثَّالِثُ : أَنَّ وَضْعَ هَذِهِ الْجِهَةِ عَلَى أَنْ تَكُونَ تَبَعًا لِلْأُولَى يَقْتَضِي أَنَّ مَا تُؤَدِّيهِ مِنَ الْمَعْنَى لَا يَصِحُّ أَنْ يُؤْخَذَ إِلَّا مِنْ تِلْكَ الْجِهَةِ ، فَلَوْ جَازَ أَخْذُهُ مَنْ غَيْرِهَا لَكَانَ خُرُوجًا بِهَا عَنْ وَضْعِهَا ، وَذَلِكَ غَيْرُ صَحِيحٍ ، وَدَلَالَتُهَا عَلَى حُكْمٍ زَائِدٍ عَلَى مَا فِي الْأُولَى خُرُوجٌ لَهَا عَنْ كَوْنِهِ تَبَعًا لِلْأُولَى ، فَيَكُونُ اسْتِفَادَةُ الْحُكْمِ مِنْ جِهَتِهَا عَلَى غَيْرِ فَهْمٍ عَرَبِيٍّ ، وَذَلِكَ غَيْرُ صَحِيحٍ ، فَمَا أَدَّى إِلَيْهِ مِثْلُهُ ، وَمَا ذُكِرَ مِنِ اسْتِفَادَةِ الْأَحْكَامِ بِالْجِهَةِ الثَّانِيَةِ غَيْرُ مُسَلَّمٍ ، وَإِنَّمَا هِيَ رَاجِعَةٌ إِلَى أَحَدِ أَمْرَيْنِ : إِمَّا إِلَى الْجِهَةِ الْأُولَى ، وَإِمَّا إِلَى جِهَةٍ ثَالِثَةٍ غَيْرِ ذَلِكَ . فَأَمَّا مُدَّةُ الْحَيْضِ; فَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْحَدِيثَ دَالٌّ عَلَيْهَا ، وَفِيهِ النِّزَاعُ ، وَلِذَلِكَ يَقُولُ الْحَنَفِيَّةُ : إِنَّ أَكْثَرَهَا عَشْرَةُ أَيَّامٍ ، وَإِنْ سُلِّمَ; فَلَيْسَ ذَلِكَ مِنْ جِهَةِ دَلَالَةِ اللَّفْظِ بِالْوَضْعِ ، وَفِيهِ الْكَلَامُ . وَمَسْأَلَةُ الشَّافِعِيِّ فِي نَجَاسَةِ الْمَاءِ مِنْ بَابِ الْقِيَاسِ أَوْ غَيْرِهِ ، وَأَقَلِّ مُدَّةِ الْحَمْلِ مَأْخُوذٌ مِنَ الْجِهَةِ الْأُولَى لَا مِنَ الْجِهَةِ الثَّانِيَةِ ، وَكَذَلِكَ مَسْأَلَةُ الْإِصْبَاحِ جُنُبًا; إِذْ لَا يُمْكِنُ غَيْرُ ذَلِكَ ، وَأَمَّا كَوْنُ الْوَلَدِ لَا يُمْلَكُ ، فَالِاسْتِدْلَالُ عَلَيْهِ بِالْآيَةِ مَمْنُوعٌ وَفِيهِ النِّزَاعُ ، وَمَا ذُكِرَ فِي مَسْأَلَةِ الزَّكَاةِ ، فَالْقَائِلُ بِالتَّعْمِيمِ - إِنَّمَا بَنَى عَلَى أَنَّ الْعُمُومَ مَقْصُودٌ ، وَلَمْ يَبْنِ عَلَى أَنَّهُ غَيْرُ مَقْصُودٍ ، وَإِلَّا كَانَ تَنَاقُضًا; لِأَنَّ أَدِلَّةَ الشَّرِيعَةِ إِنَّمَا أُخِذَ مِنْهَا الْأَحْكَامُ الشَّرْعِيَّةُ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ هُوَ مَقْصُودُ الشَّارِعِ ، فَكَيْفَ يَصِحُّ الِاسْتِدْلَالُ بِالْعُمُومِ مَعَ الِاعْتِرَافِ بِأَنَّ ظَاهِرَهُ غَيْرُ مَقْصُودٍ ، وَهَكَذَا الْعَامُّ الْوَارِدُ عَلَى سَبَبٍ مِنْ غَيْرِ فَرْقٍ ، وَمَنْ قَالَ بِفَسْخِ الْبَيْعِ وَقْتَ النِّدَاءِ بِنَاءً عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى : وَذَرُوا الْبَيْعَ [ الْجُمُعَةِ : 9 ] فَهُوَ عِنْدُهُ مَقْصُودٌ لَا مُلْغًى ، وَإِلَّا لَزِمَ التَّنَاقُضُ فِي الْأَمْرِ كَمَا ذُكِرَ ، وَكَذَلِكَ شَأْنُ الْقِيَاسِ الْجَلِيِّ لَمْ يَجْعَلُوا دُخُولَ الْأَمَةِ فِي حُكْمِ الْعَبْدِ بِالْقِيَاسِ ، إِلَّا بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْعَبْدَ هُوَ الْمَقْصُودُ بِالذِّكْرِ بِخُصُوصِهِ ، وَهَكَذَا سَائِرُ مَا يُفْرَضُ فِي هَذَا الْبَابِ . فَالْحَاصِلُ أَنَّ الِاسْتِدْلَالَ بِالْجِهَةِ الثَّانِيَةِ عَلَى الْأَحْكَامِ لَا يَثْبُتُ ، فَلَا يَصِحُّ إِعْمَالُهُ أَلْبَتَّةَ ، وَكَمَا أَمْكَنَ الْجَوَابُ عَنِ الدَّلِيلِ الثَّالِثِ ، كَذَلِكَ يُمْكِنُ فِي الْأَوَّلِ وَالثَّانِي ، فَإِنَّ فِي الْأَوَّلِ مُصَادَرَةً عَلَى الْمَطْلُوبِ لِأَنَّهُ قَالَ فِيهِ : فَإِذَا كَانَ الْمَعْنَى الْمَدْلُولُ عَلَيْهِ يَقْتَضِي حُكْمًا شَرْعِيًّا; فَلَا يُمْكِنُ إِهْمَالُهُ ، وَهَذَا عَيْنُ مَسْأَلَةِ النِّزَاعِ ، وَالثَّانِي مُسَلَّمٌ ، وَلَكِنْ يَبْقَى النَّظَرُ فِي اسْتِقْلَالِ الْجِهَةِ الثَّانِيَةِ بِالدَّلَالَةِ عَلَى حُكْمٍ شَرْعِيٍّ وَهُوَ الْمُتَنَازَعُ فِيهِ; فَالصَّوَابُ إِذًا الْقَوْلُ بِالْمَنْعِ مُطْلَقًا ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .

              ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


              الخدمات العلمية