الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                          جزء صفحة
                                                                                                                          بَابُ صَلَاةِ التَّطَوُّعِ . التَّطَوُّعُ : تَفْعُّلٌ مِنْ طَاعَ يَطُوعُ إِذَا انْقَادَ . " ثُمَّ الْوِتْرُ " . يَجُوزُ فِيهِ الْجَرُّ عَطْفًا عَلَى الْكُسُوفِ وَالِاسْتِسْقَاءِ ، وَالرَّفْعُ أَجْوَدُ ؛ عَطْفًا عَلَى صَلَاةٍ . " وَإِنْ أَوْتَرَ " . يُقَالُ : وَتَرَ الصَّلَاةَ إِذَا جَعَلَهَا وِتْرًا ، وَأَوْتَرَ أَكْثَرُ . نَقَلَهَا أَبُو عُثْمَانَ وَغَيْرُهُ . " سَرَدَ ثَمَانِيًا " . وَقَوْلُهُ فِي " الضُّحَى : وَأَكْثَرُهَا ثَمَانٍ " وَسَائِرُ مَا وَرَدَ عَلَيْكَ فِي الْكِتَابِ . قَالَ الْجَوْهَرِيُّ : ثَمَانِيَةُ رِجَالٍ وَثَمَانِي نِسْوَةٍ ، وَهُوَ فِي الْأَصْلِ مَنْسُوبَةٌ إِلَى الثُّمُنِ ؛ لِأَنَّهُ الْجُزْءُ الَّذِي صَيَّرَ السَّبْعَةَ ثَمَانِيَةً فَهُوَ ثُمُنُهَا ، ثُمَّ فَتَحُوا أَوَّلَهُ ، وَحَذَفُوا مِنْهُ إِحْدَى يَاءَيِ النَّسَبِ ، وَعَوَّضُوا مِنْهَا الْأَلْفَ كَمَا فَعَلُوا [ فِي الْمَنْسُوبِ إِلَى الْيَمَنِ فَثَبَتَتْ يَاؤُهُ عِنْدَ الْإِضَافَةِ وَالنَّصْبِ ، كَمَا ثَبَتَتْ يَاءُ الْقَاضِي ، وَتَسْقُطُ مَعَ التَّنْوِينِ عِنْدَ الرَّفْعِ وَالْجَرِّ ] وَمَا جَاءَ فِي مَصْرُوفٍ فَعَلَى تَوَهُّمِ أَنَّهُ جَمْعٌ . " يَقْرَأُ فِي الْأُولَى سَبِّحْ " . سَبِّحْ : عَلَمٌ عَلَى السُّورَةِ الْمَبْدُوءَةِ بِ سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى [ الْأَعْلَى 1 ] . ذَهَبَ جَمَاعَةٌ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ إِلَى أَنَّ مَعْنَاهُ : قُلْ سُبْحَانَ رَبِّيَ الْأَعْلَى وَ قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ عَلَمٌ عَلَى هَذِهِ السُّورَةِ وَكَذَلِكَ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ عَلَمٌ عَلَى سُورَةِ الْإِخْلَاصِ ، وَقَدْ سُمِّيَ كَثِيرٌ مِنْ سُوَرِ الْقُرْآنِ بِأَوَّلِ آيَةٍ مِنْهَا كَسُورَةِ ( طه ) وَ ( يس ) وَنَحْوِهِمَا . " نَسْتَعِينُكَ وَنَسْتَهْدِيكَ وَنَسْتَغْفِرُكَ " . أَيْ نَطْلُبُ مِنْكَ الْعَوْنَ وَالْهِدَايَةَ وَالْمَغْفِرَةَ . " وَنُؤْمِنُ بِكَ وَنَتُوبُ إِلَيْكَ " . " نُؤْمِنُ " ؛ أَيْ نُصَدِّقُ " وَنَتُوبُ إِلَيْكَ " ؛ أَيْ نَفْعَلُ التَّوْبَةَ . وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهَا فِي بَابِ الْحَيْضِ ، " وَنَتَوَكَّلُ عَلَيْكَ " إِلَى آخِرِ الدُّعَاءِ . قَالَ الْجَوْهَرِيُّ : التَّوَكُّلُ إِظْهَارُ الْعَجْزِ وَالِاعْتِمَادُ عَلَى غَيْرِكِ ، وَالِاسْمُ التُّكْلَانُ ، وَاتَّكَلْتُ عَلَى فُلَانٍ فِي أَمْرِي إِذَا اعْتَمَدْتَهُ . قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ الْكَرِيمِ بْنُ هَوَازِنَ : التَّوَكُّلُ مَحِلُّهُ الْقَلْبُ ، وَالْحَرَكَةُ فِي الظَّاهِرِ لَا تُنَافِي التَّوَكُّلَ بِالْقَلْبِ بَعْدَ تَحْقِيقِ الْعَبْدِ أَنَّ التَّقْدِيرَ مِنْ قِبَلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ . وَقَالَ ذُو النُّونِ الْمِصْرِيُّ : التَّوَكُّلَ تَرْكُ تَدْبِيرِ النَّفْسِ وَالِانْخِلَاعُ مِنَ الْحَوْلِ وَالْقُوَّةِ . وَقَالَ سَهْلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ : التَّوَكُّلُ الِاسْتِرْسَالُ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى مَا يُرِيدُ . وَعَنْهُ قَالَ : التَّوَكُّلُ قَلْبٌ عَاشَ مَعَ اللَّهِ بِلَا عَلَاقَةٍ . وَقِيلَ : التَّوَكُّلُ الثِّقَةُ بِمَا فِي يَدِ اللَّهِ وَالْيَأْسُ عَمَّا فِي أَيْدِي النَّاسِ . وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ ، يَطُولُ شَرْحُهُ . " وَنُثْنِي عَلَيْكَ الْخَيْرَ " . أَيْ نَمْدَحُكَ وَنَصِفُكَ بِالْخَيْرِ ، قَالَ الْجَوْهَرِيُّ : وَأَثْنَى عَلَيْهِ خَيْرًا وَالِاسْمُ الثَّنَاءُ ، وَالنَّثَا بِتَقْدِيمِ النُّونِ : مَقْصُورٌ مِثْلُ الثَّنَاءِ إِلَّا أَنَّهُ فِي الْخَيْرِ وَالشَّرِّ ، وَالثَّنَاءُ فِي الْخَيْرِ خَاصَّةً . قَالَ الْإِمَامُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ مَالِكٍ فِي " مُثَلَّثِهِ " : الثَّنَاءُ الْمَدْحَ ، فَظَاهِرُ هَذَا أَنَّ الثَّنَاءَ مَخْصُوصٌ بِالْخَيْرِ ، وَالنَّثَا : بِتَقْدِيمِ النُّونِ مُشْتَرِكٌ بَيْنَهُمَا . وَقَالَ أَبُو عُثْمَانَ سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمَعَافِرِيُّ فِي " أَفْعَالِهِ " وَأَثْنَيْتُ عَلَى الرَّجُلِ : وَصَفْتُهُ بِخَيْرٍ أَوْ بِشَرٍّ " وَنَشْكُرُكَ " تَقَدَّمَ ذِكْرُ الشُّكْرِ فِي أَوَّلِ الْكِتَابِ . " وَلَا نَكْفُرُكَ " . قَالَ صَاحِبُ " الْمَشَارِقِ " فِيهَا : أَصْلُ الْكُفْرِ : الْجَحْدُ ؛ لِأَنَّ الْكَافِرَ جَاحِدٌ نِعْمَةَ رَبِّهِ عَلَيْهِ وَسَاتِرٌ لَهَا ، وَمِنْهُ : " تَكْفُرْنَ الْعَشِيرَ " يَعْنِي الزَّوْجَ ؛ أَيْ يَجْحَدْنَ إِحْسَانَهُ ، وَالْمُرَادُ هُنَا - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - كُفْرُ النِّعْمَةِ لِاقْتِرَانِهِ بِ " نَشْكُرُكُ وَنَعْبُدُكُ " . قَالَ الْجَوْهَرِيُّ : وَمَعْنَى " الْعِبَادَةِ " : الطَّاعَةُ مَعَ الْخُضُوعِ وَالتَّذَلُّلِ وَهُوَ جِنْسٌ مِنَ الْخُضُوعِ لَا يَسْتَحِقُّهُ إِلَّا اللَّهُ تَعَالَى ، وَهُوَ خُضُوعٌ لَيْسَ فَوْقَهُ خُضُوعٌ ، وَسُمِيَّ الْعَبْدُ عَبْدًا ؛ لِذِلَّتِهِ وَانْقِيَادِهِ لِمَوْلَاهُ . وَيُقَالُ : طَرِيقٌ مُعَبَّدٌ إِذَا كَانَ مُذَلَّلًا مَوْطُوءًا بِالْأَقْدَامِ . " وَنَسْعَى " . قَالَ الْجَوْهَرِيُّ : سَعَى الرَّجُلُ يَسْعَى سَعْيًا ؛ أَيْ عَدَا وَكَذَلِكَ إِذَا عَلِمَ وَكَسَبَ . وَقَالَ صَاحِبُ " الْمَشَارِقِ " وَقَالَ بَعْضُهُمْ : وَالسَّعْيُ إِذَا كَانَ بِمَعْنَى الْجَرْيِ وَالْمُضِيِّ تَعَدَّى بِ " إِلَى " وَإِذَا كَانَ بِمَعْنَى الْعَمَلِ فَبِاللَّامِ . قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا [ الْإِسْرَاءِ 19 ] . " وَنَحْفِدُ " . بِفَتْحِ النُّونِ وَيَجُوزُ ضَمُّهَا ، يُقَالُ : حَفَدَ بِمَعْنَى أَسْرَعَ وَأَحْفَدَ لُغَةٌ فِيهِ . حَكَاهُمَا الشَّيْخُ فِي " فَعَلَ وَأَفْعَلَ " . وَقَالَ أَبُو السَّعَادَاتِ فِي " نِهَايَتِهِ " نَسْعَى وَنُحْفِدُ ؛ أَيْ نُسْرِعُ فِي الْعَمَلِ وَالْخِدْمَةِ . وَقَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ : نُحْفِدُ نُبَادِرُ وَأَصْلُ الْحَفْدِ مُدَارَكَةُ الْخَطْوِ وَالْإِسْرَاعُ . " إِنَّ عَذَابَكَ الْجِدَّ " . الْجِدُّ : بِكَسْرِ الْجِيمِ نَقِيضُ الْهَزْلِ ، فَكَأَنَّهُ قَالَ : إِنَّ عَذَابَكَ الْحَقُّ . قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ مَالِكٍ فِي " مُثَلَّثِهِ " : الْجَدُّ يَعْنِي بِالْفَتْحِ مِنَ النَّسَبِ مَعْرُوفٌ ، وَهُوَ أَيْضًا الْعَظَمَةُ وَالْحَظُّ وَالْقَطْعُ وَالْوَكْفُ وَالرَّجُلُ الْعَظِيمُ . وَالْجِدُّ يَعْنِي بِالْكَسْرِ : الِاجْتِهَادُ ، وَنَقِيضُ الْهَزْلِ وَشَاطِئُ النَّهْرِ ، وَالْجُدُّ يَعْنِي بِالضَّمِّ : الرَّجُلُ الْعَظِيمُ وَالْبِئْرُ عَنْدَ الْكَلَأِ ، وَجَانِبُ الشَّيْءِ ، وَجَمْعُ أَجَدَّ وَهُوَ الضَّرْعُ الْيَابِسُ وَجَمْعُ جَدَّاءَ وَهِيَ الشَّاةُ الْيَابِسَةُ الضَّرْعِ وَالْمَقْطُوعَةُ ، وَالسَّنَةُ الْمُجْدِبَةُ وَالنَّاقَةُ الْمَقْطُوعَةُ الْأُذُنِ ، وَالْمَرْأَةُ بِلَا ثَدْيِ وَالْفَلَاةُ بِلَا مَاءٍ . " وَمُلْحِقٌ " . قَالَ الْجَوْهَرِيُّ : لَحِقَهُ وَلَحِقَ بِهِ أَدْرَكَهُ وَأَلْحَقَهُ بِهِ غَيْرَهُ وَالْحَقَهُ أَيْضًا بِمَعْنَى لَحِقَهُ ، وَفِي الدُّعَاءِ : " إِنَّ عَذَابَكَ بِالْكَفَّارِ مُلْحِقٌ " بِكَسْرِ الْحَاءِ ؛ أَيْ لَاحِقٌ بِهِمْ ، وَالْفَتْحُ [ أَيْضًا ] صَوَابٌ . آخِرُ كَلَامِهِ .

                                                                                                                          ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                          الخدمات العلمية