الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                          جزء صفحة
                                                                                                                          المقنع لابن قدامة بَابٌ أَرْكَانُ النِّكَاحِ وَشُرُوطُهُ فَأَرْكَانُهُ : الْإِيجَابُ وَالْقَبُولُ ، وَلَا يَنْعَقِدُ الْإِيجَابُ إِلَّا بِلَفْظِ النِّكَاحِ وَالتَّزْوِيجِ بِالْعَرَبِيَّةِ لِمَنْ يُحْسِنُهُمَا ، أَوْ بِمَعْنَاهُمَا الْخَاصِّ بِكُلِّ لِسَانٍ لِمَنْ لَا يُحْسِنُهُمَا ، فَإِنْ قَدَرَ عَلَى تَعَلُّمِهِمَا بِالْعَرَبِيَّةِ ، لَمْ يَلْزَمْهُ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ ، وَالْقَبُولُ : قَبِلْتُ هَذَا النِّكَاحَ ، أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَهُ فِي حَقِّ مَنْ لَا يُحْسِنُ ، فَإِنِ اقْتَصَرَ عَلَى قَوْلِ : قَبِلْتُ ، أَوْ قَالَ الْخَاطِبُ لِلْوَلِيِّ : أَزَوَّجْتَ ؛ قَالَ : نَعَمْ ، وَلِلْمُتَزَوِّجِ : أَقَبِلْتَ ؛ قَالَ : نَعَمْ - صَحَّ ، ذَكَرَهُ الْخِرَقِيُّ ، وَيَحْتَمِلُ أَلَّا يَصِحَّ ، وَإِنْ تَقَدَّمَ الْقَبُولُ الْإِيجَابَ لَمْ يَصِحَّ وَإِنْ تَرَاخَى عَنْهُ ، صَحَّ مَا دَامَا فِي الْمَجْلِسِ ، وَلَمْ يَتَشَاغَلَا بِمَا يَقْطَعُهُ ، وَإِنْ تَفَرَّقَا قَبْلَهُ ، بَطَلَ الْإِيجَابُ ، وَعَنْهُ : لَا يَبْطُلُ . المبدع شرح المقنع بَابٌ أَرْكَانُ النِّكَاحِ وَشُرُوطُهُ أَرْكَانُ الشَّيْءِ : أَجْزَاءُ مَاهِيَّتِهِ ، فَالْمَاهِيَّةُ لَا تُوجَدُ بِدُونِ جُزْئِهَا ، فَكَذَا الشَّيْءُ لَا يَتِمُّ بِدُونِ رُكْنِهِ ، وَالشَّرْطُ : مَا يَنْتَفِي الْمَشْرُوطُ بِانْتِفَائِهِ ، وَلَيْسَ جُزْءًا لِلْمَاهِيَّةِ ( فَأَرْكَانُهُ : الْإِيجَابُ وَالْقَبُولُ ) ; لِأَنَّ مَاهِيَّةَ النِّكَاحِ مُرَكَّبَةٌ مِنْهُمَا ، وَمُتَوَقِّفَةٌ عَلَيْهِمَا . ( وَلَا يَنْعَقِدُ الْإِيجَابُ إِلَّا بِلَفْظِ النِّكَاحِ وَالتَّزْوِيجِ ) إِجْمَاعًا ; لِوُرُودِهِمَا فِي نَصِّ الْقُرْآنِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى زَوَّجْنَاكَهَا [ الْأَحْزَابِ : 37 ] وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ [ النِّسَاءِ : 22 ] وَلَا يَنْعَقِدُ بِغَيْرِهِمَا ; إِذِ الْعَادِلُ عَنْهُمَا مَعَ مَعْرِفَتِهِ لَهُمَا عَادِلٌ عَنِ اللَّفْظِ الَّذِي وَرَدَ الْقُرْآنُ بِهِمَا مَعَ الْقُدْرَةِ ، فَإِنْ قُلْتَ : قَدْ رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - زَوَّجَ رَجُلًا امْرَأَةً فَقَالَ : مَلَّكْتُكَ بِمَا مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ ، قُلْتُ : وَرَدَ فِيهِ : زَوَّجْتُكَهَا ، وَزَوَّجْنَاكَهَا ، وَأَنْكَحْتُهَا - مِنْ طُرُقٍ صَحِيحَةٍ ، فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ قَدْ جَمَعَ بَيْنَ الْأَلْفَاظِ ، وَيُحْمَلُ عَلَى أَنَّ الرَّاوِيَ رَوَى بِالْمَعْنَى ظَنًّا مِنْهُ أَنَّهُمَا بِمَعْنًى وَاحِدٍ ، أَوْ يَكُونُ خَاصًّا بِهِ ، وَعَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ لَا يَبْقَى حُجَّةً ، وَكَذَا يَنْعَقِدُ بِقَوْلِهِ لِأَمَتِهِ : أَعْتَقْتُهَا ، وَجَعَلْتُ عِتْقَهَا صَدَاقَهَا ( بِالْعَرَبِيَّةِ لِمَنْ يُحْسِنُهُمَا أَوْ ، بِمَعْنَاهُمَا الْخَاصِّ بِكُلِّ لِسَانٍ لِمَنْ لَا يُحْسِنُهُمَا ) ; لِأَنَّ ذَلِكَ فِي لُغَتِهِ نَظِيرُ الْإِنْكَاحِ وَالتَّزْوِيجِ فِي الْعَرَبِيَّةِ ( فَإِنْ قَدَرَ عَلَى تَعَلُّمِهِمَا بِالْعَرَبِيَّةِ ، لَمْ يَلْزَمْهُ ) التَّعَلُّمُ ( فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ ) اخْتَارَهُ الْمُؤَلِّفُ ، وَنَصَرَهُ فِي " الشَّرْحِ " ، وَجَزَمَ بِهِ فِي " التَّبْصِرَةِ " وَ " الْوَجِيزِ " ; لِأَنَّ النِّكَاحَ عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ ، فَصَحَّ بِغَيْرِ الْعَرَبِيَّةِ كَعَاجِزٍ . وَالثَّانِي ، وَقَدَّمَهُ السَّامَرِّيُّ وَابْنُ حَمْدَانَ : أَنْ يَلْزَمَهُ كَالتَّكْبِيرِ . ( وَالْقَبُولُ ) مِنَ الزَّوْجِ أَوْ وَكِيلِهِ ( قَبِلْتُ هَذَا النِّكَاحَ ، أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَهُ ) كَرَضِيتُهُ ( فِي حَقِّ مَنْ لَا يُحْسِنُ ) وَلَوْ هَازِلًا ، وَنُلْجِئُهُ كَالْإِيجَابِ ، وَقِيلَ : وَبِكِتَابَةٍ ، وَذَكَرَ ابْنُ عَقِيلٍ عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّهُ خَرَّجَ صِحَّتَهُ بِكُلِّ لَفْظٍ يَقْتَضِي التَّمْلِيكَ ، وَخَرَّجَهُ هُوَ فِي " عُمُدِ الْأَدِلَّةِ " مِنْ جَعْلِهِ عِتْقَ أَمَتِهِ مَهْرَهَا ، وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ : يَنْعَقِدُ بِمَا عَدَّهُ النَّاسُ نِكَاحًا بِأَيِّ لُغَةٍ وَلَفْظٍ وَفِعْلٍ كَانَ ، وَإِنَّ مِثْلَهُ كُلُّ عَقْدٍ ، وَإِنَّ الشَّرْطَ بَيْنَ النَّاسِ مَا عَدُّوهُ شُرُوطًا ، فَالْأَسْمَاءُ تُعْرَفُ حُدُودُهَا تَارَةً بِالشَّرْعِ ، وَتَارَةً بِاللُّغَةِ ، وَتَارَةً بِالْعُرْفِ ، وَكَذَلِكَ الْعُقُودُ ( فَإِنِ اقْتَصَرَ عَلَى قَوْلِ : قَبِلْتُ ) أَوْ تَزَوَّجْتُ ( أَوْ قَالَ الْخَاطِبُ لِلْوَلِيِّ : أَزَوَّجْتَ ؛ قَالَ : نَعَمْ ، وَلِلْمُتَزَوِّجِ : أَقَبِلْتَ ؛ قَالَ : نَعَمْ - صَحَّ ، ذَكَرَهُ الْخِرَقِيُّ ) فِي الْمَنْصُوصِ فِيهِمَا ، وَنَصَرَهُ فِي " الشَّرْحِ " وَغَيْرِهِ ، أَمَّا فِي الْأُولَى ; فَلِأَنَّهُ صَرِيحٌ فِي الْجَوَابِ ، فَصَحَّ النِّكَاحُ كَالْبَيْعِ ، وَأَمَّا فِي الثَّانِيَةِ ; فَلِأَنَّ الْمَعْنَى : نَعَمْ زَوَّجْتُ ، نَعَمْ قَبِلْتُ هَذَا التَّزْوِيجَ ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُوا نَعَمْ [ الْأَعْرَافِ : 44 ] كَانَ إِقْرَارًا مِنْهُمْ بِوِجْدَانِ مَا وَعَدَهُمْ رَبُّهُمْ حَقًّا ، وَبِدَلِيلِ الْإِقْرَارِ ( وَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا يَصِحَّ ) ; لِأَنَّ لَفْظَ : زَوَّجْتُهُ ، وَقَبِلْتُ هَذَا النِّكَاحَ رُكْنٌ فِي الْعَقْدِ ، فَلَمْ يَصِحَّ بِدُونِهِمَا ، وَاخْتَارَ ابْنُ عَقِيلٍ فِي الثَّانِيَةِ . فَرْعٌ : يَنْعَقِدُ نِكَاحُ أَخْرَسٍ بِإِشَارَةٍ مُفْهِمَةٍ ، نَصَّ عَلَيْهِ ، أَوْ كِتَابَةٍ ، وَذَكَرَ فِي " الْمُحَرَّرِ " أَنَّ فِي كِتَابَةِ الْقَادِرِ عَلَى النُّطْقِ وَجْهَيْنِ ، أُولَاهُمَا : عَدَمُ الصِّحَّةِ ، قَالَهُ فِي " الشَّرْحِ " ، وَإِنْ أَوْجَبَ ثُمَّ جُنَّ قَبْلِ الْقَبُولِ ، بَطَلَ كَمَوْتِهِ ، نَصَّ عَلَيْهِ ، وَفِي إِغْمَائِهِ وَجْهَانِ ، وَإِنْ نَامَ لَمْ يَبْطُلِ الْإِيجَابُ . ( وَإِنْ تَقَدَّمَ الْقَبُولُ الْإِيجَابَ ، لَمْ يَصِحَّ ) سَوَاءٌ كَانَ بِلَفْظِ الْمَاضِي : كَتَزَوَّجْتُ ابْنَتَكَ ، فَيَقُولُ : زَوَّجْتُكَ ، أَوْ بِلَفْظِ الطَّلَبِ : زَوِّجْنِي ابْنَتَكَ ، فَيَقُولُ زَوَّجْتُكَهَا ; لِأَنَّ الْقَبُولَ إِنَّمَا يَكُونُ لِلْإِيجَابِ ، فَإِذَا وُجِدَ قَبْلَهُ لَمْ يَكُنْ قَبُولًا ; لِعَدَمِ مَعْنَاهُ ، وَكَمَا لَوْ تَقَدَّمَ بِلَفْظِ الِاسْتِفْهَامِ ، وَفِيهِ احْتِمَالٌ ; لِأَنَّهُ وَجَدَ الْإِيجَابَ وَالْقَبُولَ فِيهِ ، فَصَحَّ كَمَا لَوْ تَقَدَّمَ الْإِيجَابُ ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْبَيْعِ ، أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ هَذِهِ الصِّيغَةُ ، وَأَنَّهُ لَا يَتَعَيَّنُ فِيهِ هَذَا اللَّفْظُ ، بَلْ يَصِحُّ بِأَيِّ لَفْظٍ أَدَّى الْمَعْنَى ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْخُلْعِ وَالنِّكَاحِ ، أَنَّ الْخُلْعَ يَصِحُّ تَعْلِيقُهُ عَلَى شَرْطٍ ، بِخِلَافِ النِّكَاحِ ( وَإِنْ تَرَاخَى ) الْقَبُولُ ( عَنْهُ ) أَيْ : عَنِ الْإِيجَابِ ( صَحَّ مَا دَامَا فِي الْمَجْلِسِ وَلَمْ يَتَشَاغَلَا بِمَا يَقْطَعُهُ ) ; لِأَنَّ حُكْمَ الْمَجْلِسِ حُكْمُ حَالَةِ الْعَقْدِ ; بِدَلِيلِ صِحَّةِ الْعَقْدِ فِيمَا يُشْتَرَطُ الْقَبْضُ فِيهِ ، وَثُبُوتُ الْخِيَارِ فِي عُقُودِ الْمُعَاوَضَاتِ ; وَلِأَنَّهُ مَعَ التَّشَاغُلِ يُعَدُّ كَالْمُعْرِضِ عَنِ الْإِيجَابِ ، فَلَمْ يَصِحَّ بَعْدَهُ كَمَا لَوْ رَدَّهُ ، ( وَإِنْ تَفَرَّقَا قَبْلَهُ ) أَيْ : قَبْلَ الْقَبُولِ ( بَطَلَ الْإِيجَابُ ) ; لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ مَعْنَاهُ ، فَإِنَّ الْإِعْرَاضَ قَدْ وُجِدَ مِنْ جِهَتِهِ بِالتَّفَرُّقِ ( وَعَنْهُ : لَا يَبْطُلُ ) نَقَلَهَا أَبُو طَالِبٍ ، وَاخْتَارَهَا أَبُو بَكْرٍ ، فَعَلَيْهَا لَا بُدَّ أَنْ يَقْبَلَ فِي الْمَجْلِسِ ، وَأَصْلُ هَذِهِ الرِّوَايَةِ أَنَّهُ قِيلَ لِلْإِمَامِ أَحْمَدَ : إِنَّ رَجُلًا مَضَى إِلَيْهِ قَوْمٌ ، فَقَالُوا لَهُ : زَوِّجْ فُلَانًا ، قَالَ : زَوَّجْتُهُ عَلَى أَلْفٍ ، فَرَجَعُوا إِلَى الزَّوْجِ ، فَأَخْبَرُوهُ ، فَقَالَ : قَدْ قَبِلْتُ - يَكُونُ هَذَا نِكَاحًا وَيَتَوَارَثَانِ ؛ قَالَ : نَعَمْ ، قَالَ الْقَاضِي : هُوَ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ وَكَّلَ مَنْ قَبِلَ الْعَقْدَ - وَفِيهِ نَظَرٌ .

                                                                                                                          ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                          الخدمات العلمية