27 [ ص: 342 ] ( 7 ) باب النهي عن الصلاة بالهاجرة
25 - مالك ، عن زيد بن أسلم ، عن عطاء بن يسار : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : " إن شدة الحر من فيح جهنم ، فإذا اشتد الحر [ ص: 343 ] فأبردوا عن الصلاة " .
وقال : " اشتكت النار إلى ربها فقالت : يا رب ، أكل بعضي بعضا . فأذن لها بنفسين في كل عام : نفس في الشتاء ، ونفس في الصيف " .
الاستذكار
[ ص: 344 ] 885 - قال أبو عمر : قد أسند مالك هذا الحديث بتمام معناه في الموطأ برواية له عن عبد الله بن يزيد مولى الأسود بن سفيان ، عن أبي سلمة ، وعن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان ، عن أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وفيه ألفاظ حديث زيد هذا كله ومعانيه ، وأسنده أيضا مختصرا عن أبي الزناد ، عن الأعرج ، عن أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - .
886 - وقد ذكرنا في " التمهيد " من رواه من التابعين عن أبي هريرة ، ومن رواه مع أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من الصحابة .
887 - وهو حديث عند أهل السنة والعلم بالحديث صحيح ، لا مقال فيه لأحد .
[ ص: 345 ] 888 - وأما قوله : " إن شدة الحر من فيح جهنم " فالفيح : سطوع الحر في شدة القيظ ، كذلك قال : صاحب العين وغيره من أهل العلم بلسان العرب .
889 - وأما إضافة ذلك إلى جهنم - أعاذنا الله منها - فمجاز لا حقيقة ، كما تقول العرب في الشمس إذا اشتد حرها : هذه نار ، تريد كالنار .
890 - وكذلك يقال : فلان نار ، يريد أنه يفعل كفعل النار مجازا واستعارة .
891 - ومعلوم أن نار جهنم تفضل نار بني آدم سبعين جزءا ، أو تسعة وستين جزءا .
892 - وفي هذا ما يوضح لك أن ذلك مجاز ، أو لغة معروفة في لسان العرب ، ومن قال : قولهم ، ومنه : أحرق الحزن قلبي ، وأحرق فلان فؤادي بقوله كذا ، ومن هذا المعنى قيل : الحر من فيح جهنم ، والله أعلم .
893 - وأما قوله : " فإذا اشتد الحر فأبردوا عن الصلاة " فمعنى الإبراد بها تأخيرها عن أول وقتها حتى يزول سموم الهاجرة ; لأن الوقت فيه سعة - والحمد لله - على ما مضى في كتابنا هذا واضحا .
894 - واختلف العلماء في شيء من هذا المعنى ، فذكر إسماعيل بن إسحاق [ ص: 346 ] وأبو الفرج عمرو بن محمد : أن مذهب مالك في الظهر وحدها أن يبرد بها وتؤخر في شدة الحر ، وسائر الصلوات تصلى في أوائل أوقاتها .
895 - قال أبو الفرج : أختار لك لجميع الصلوات أول أوقاتها إلا الظهر في شدة الحر ; لقوله - عليه الصلاة والسلام - : " إذا اشتد الحر فأبردوا بالصلاة " .
896 - وأما ابن القاسم فحكى عن مالك : أن الظهر تصلى إذا فاء الفيء ذراعا في الشتاء والصيف للجماعة والمنفرد ، على ما كتب به عمر إلى عماله .
897 - وقال ابن عبد الحكم ، وغيره من أصحابنا : إن معنى كتاب عمر مساجد الجماعات ، وأما المنفرد فأول الوقت أولى به ، وهو في سعة من الوقت كله .
[ ص: 347 ] 898 - وإلى هذا مال فقهاء المالكيين من البغداديين ، ولم يلتفتوا إلى رواية ابن القاسم .
899 - وقد مضى في الأوقات ما يكفي في صدر هذا الكتاب ، والحمد لله .
900 - وقال الليث بن سعد : يصلي الصلوات كلها : الظهر وغيرها في أول الوقت في الشتاء والصيف ، وهو أفضل .
901 - وكذلك قال الشافعي ، إلا أنه استثنى فقال : إلا أن يكون إمام جماعة ينتاب من المواضع البعيدة ، فإنه يبرد بالظهر .
902 - وقد روي عنه أن أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالإبراد كان بالمدينة ; لشدة حر الحجارة ; ولأنه لم يكن بالمدينة مسجد غير مسجده ، فكان ينتاب من بعد ، فيتأذون بشدة الحر ، فأمرهم بالإبراد لما في الوقت من السعة .
903 - وقال العراقيون : تصلى الظهر في الشتاء والصيف في أول الوقت ، واستثنى أبو حنيفة شدة الحر ، فقال : يؤخر في ذلك حتى يبرد ، والاختلاف في هذا متقارب جدا .
904 - وقال الأثرم : قلت لأحمد بن حنبل : أي الأوقات أعجب إليك في الصلوات كلها ؟ قال : أولها إلا في صلاتين في العشاء الآخرة ، والظهر في شدة الحر قال : وأما في الشتاء فيعجل بها .
905 - قال أبو عمر : أما الأحاديث عن عمر في كتابه إلى عماله ففيها : إذا زاغت الشمس ، وفيها : إذا فاء الفيء ذراعا ، وقد مضى القول فيها في موضعها من صدر هذا الكتاب .
[ ص: 348 ] 906 - وقد احتج من لم ير الإبراد بالظهر بحديث خباب بن الأرت قال : " شكونا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حر الرمضاء فلم يشكنا " يقول : فلم يعذرنا ، وقد ذكرنا هذا الحديث بإسناده وعلته في " التمهيد " .
907 - وتأول من رأى الإبراد في قول خباب هذا : " فلم يشكنا " : ولم يحوجنا إلى الشكوى ; لأنه رخص لنا في الإبراد .
908 - وذكر أبو الفرج : أن أحمد بن يحيى ( ثعلبا ) فسر قوله : " فلم يشكنا " على هذا المعنى .
909 - حدثنا محمد بن إبراهيم ( بن سعيد ) حدثنا محمد بن معاوية ، حدثنا أحمد بن شعيب ، حدثنا عبيد الله بن سعيد ، حدثنا أبو سعيد مولى بني هاشم ، أخبرنا خالد بن دينار أبو خلدة قال : سمعت أنس بن مالك قال : " كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا كان الحر أبرد ، وإذا كان البرد عجل " .
910 - حدثنا عبد الله بن محمد ( بن عبد المؤمن ) قال : حدثنا محمد بن بكر ( بن عبد الرزاق ) حدثنا أبو داود قال : حدثنا عثمان بن أبي [ ص: 349 ] شيبة ، حدثنا عبيدة بن حميد ، عن أبي مالك الأشجعي ، عن كثير بن مدرك ، عن الأسود بن يزيد : " أن عبد الله بن مسعود قال : كان قدر صلاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الظهر في الصيف ثلاثة أقدام إلى خمسة ، وفي الشتاء خمسة أقدام إلى سبعة " .
911 - وحدثنا عبد الله بن محمد ، حدثنا حمزة بن محمد ، حدثنا أحمد بن شعيب قال : حدثنا أبو عبد الرحمن الآذرمي قال : حدثنا عبيدة بن حميد ، فذكره بإسناده .
912 - وهذا كله يدل على سعة الوقت ، والحمد لله .
913 - وقد تقدم قول القاسم بن محمد : ما أدركت الناس إلا وهم يصلون الظهر بعشي .
914 - وذكرنا هناك قول عمر لأبي محذورة - وهو معه بمكة : إنك في بلدة حارة ، فأبرد ، ثم أبرد ، ثم أبرد " .
915 - وقال مالك : إن أهل الأهواء لا يبردون ، يعني الخوارج .
916 - وأما قوله : " اشتكت النار إلى ربها فقالت : يا رب ، أكل بعضي بعضا " فإن أهل العلم اختلفوا في ذلك فحمله بعضهم على الحقيقة ، وحمله منهم جماعة على المجاز .
[ ص: 350 ] 917 - فالذين حملوه على الحقيقة قالوا : أنطقها الله الذي أنطق كل شيء ، وفهم عنها كما فهم عن الأيدي والأرجل والجلود ، وأخبر عن شهادتها ونطقها ، وعن النمل بقولها ، وعن الجبال بتسبيحها .
918 - واحتجوا بقوله تعالى : " يا جبال أوبي معه " ( سبأ : 10 ) أي : سبحي معه .
919 - وبقوله : " يسبحن بالعشي والإشراق " ( ص : 18 ) .
920 - وبقوله : " وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم " ( الإسراء : 44 ) .
921 - وبقوله : " وتقول هل من مزيد " ( ق : 30 ) .
922 - وبقوله : " سمعوا لها تغيظا وزفيرا " ( الفرقان : 12 ) .
923 - وبقوله : " قالتا أتينا طائعين " ( فصلت : 11 ) .
924 - فلما كان مثل هذا - وهو في القرآن كثير - حملوا بكاء السماء والأرض [ ص: 351 ] وانفطار السماء ، وانشقاق الأرض ، وهبوط الحجارة من خشية الله ، كل ذلك وما كان مثله على الحقيقة ، وكذلك إرادة الجدار الانقضاض .
925 - واحتجوا على صحة ما ذهبوا إليه من الحقيقة في ذلك بقوله تعالى : " يقص الحق " ( الأنعام : 57 ) .
926 - وبقوله : " والحق أقول " ( ص : 84 ) .
927 - وأما الذين حملوا ذلك كله ، وما كان مثله على المجاز قالوا : أما قوله : " سمعوا لها تغيظا وزفيرا " " تكاد تميز من الغيظ " فهذا تعظيم من الله تعالى لشأنها .
928 - قالوا : وقول النبي - عليه السلام - : " اشتكت النار إلى ربها " من باب قول عنترة : وشكا إلي بعبرة وتحمحم .
929 - وقول الآخر :
شكا إلي جملي طول السرى صبرا جميلا فكلانا مبتلى
[ ص: 352 ] 930 - وكقول الحارثي :
يريد الرمح صدر أبي براء ويرغب عن دماء بني عقيل
931 - وقال غيره :
رب قوم غبروا من عيشهم في نعيم وسرور وغدق
سكت الدهر زمانا عنهم ثم أبكاهم دما حين نطق
932 - وقال غيره :
وعظتك أجداث صمت ونعتك أزمنة جفت
وتكلمت عن أوجه تبلى وعن صور سبت
وأرتك قبرك في القبور وأنت حي لم تمت
933 - وهذا كثير في أشعارهم ، وقد ذكرنا كثيرا منها في التمهيد ، وقالوا : هذا كله على المجاز والتمثيل ، والمعنى في ذلك : أنها لو كانت ممن تنطق لكان نطقها هذا وفعلها .
934 - وذكروا قول حسان بن ثابت حيث يقول :
لو أن اللوم ينسب كان عبدا قبيح الوجه أعور من ثقيف
935 - وسئل أبو العباس أحمد بن يزيد النحوي ، عن قول الملك : " إن هذا أخي له تسع وتسعون نعجة ولي نعجة واحدة " ( ص : 23 ) وهم الملائكة .
[ ص: 353 ] لا أزواج لهم فقال : نحن طول النهار نفعل هذا ، فنقول : ضرب زيد عمرا ، وإنما هذا تقدير كأن المعنى : إذا وقع هذا فكيف الحكم فيه ؟ .
936 - وذكروا قول عدي بن زيد العبادي للنعمان بن المنذر : أتدري ما تقول هذه الشجرة أيها الملك ؟ قال : وما تقول ؟ قال : تقول :
رب ركب قد أناخوا حولنا يشربون الخمر بالماء الزلال
ثم أضحوا لعب الدهر بهم وكذاك الدهر حال بعد حال
937 - وأحسن ما قيل في معنى هذا الحديث ، ما ورد عن الحسن البصري .
938 - قال أبو عمر : القول الأول يعضده عموم الخطاب ، وظاهر الكتاب ، وهو أولى بالصواب ، والله أعلم .
939 - وأحسن ما قيل في هذا المعنى ما فسره الحسن البصري قال : اشتكت النار إلى ربها فقالت : يا رب أكل بعضي بعضا فخفف عني قال : فخفف عنها ، وجعل لها كل عام نفسين ، فما كان من برد يهلك شيئا فهو من زمهريرها ، وما كان من سموم يهلك شيئا فهو من حرها .
940 - فقوله : من زمهرير ( يهلك شيئا وحر يهلك شيئا ) يفسر ما أشكل من ذلك لكل ذي فهم .
941 - ومعلوم أن نفسها في الشتاء غير الشتاء ، ونفسها في الصيف غير الصيف ، لقوله : نفس في الشتاء ونفس في الصيف .
[ ص: 354 ] 942 - وقول الحسن : من زمهريرها وحرها ، موجود في الأحاديث المسندة الصحاح .
943 - حدثنا سعيد بن نصر قال : حدثنا قاسم بن أصبغ قال : حدثنا محمد بن وضاح قال : حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال : حدثنا عبد الله بن إدريس ، عن الأعمش ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : اشتكت النار إلى ربها فقالت يا رب ، أكل بعضي بعضا ، فجعل لها نفسا في الشتاء ونفسا في الصيف ، فشدة ما تجدون من البرد من زمهريرها ، وشدة ما تجدون في الصيف من الحر من سمومها .
944 - والشدة والشدائد هو معنى قول الحسن . والله أعلم .
945 - وفي هذا الحديث دليل على أن الجنة والنار مخلوقتان بعد ، وهو قول جماعة أهل السنة : أهل الفقه ، والحديث .
946 - وحجتهم من الآثار في ذلك حديث أنس عن النبي - عليه السلام - أنه قال لجبريل - عليه السلام - : " لم أر ميكائيل ضاحكا قط ، فقال : ما ضحك ميكائيل منذ خلقت النار " .
947 - وقد ذكرناه بإسناده في التمهيد . وحديث أبي هريرة عن النبي - عليه السلام - قال : " لما خلق الله الجنة دعا جبريل فأرسله إليها فقال : انظر إلى الجنة وإلى ما أعددت لأهلها " الحديث بطوله ، ذكرناه بإسناده وتمامه في التمهيد ، وأحاديث سواه في معناه ، والحمد لله .
[ ص: 355 ] 948 - قال أبو عمر : هذا آخر ما عمله مالك - رحمه الله - في الأوقات ، وقدم باب الوقوت على باب العمل في الوضوء ; ليدل على أن أول فرض الصلاة دخول وقتها ، وأن الوضوء لا يلزم لها إلا بعد دخول وقتها ، ولكنه مباح عمله قبل .
949 - وسقط ليحيى بن يحيى باب النهي عن الصلاة بعد الصبح وبعد العصر من موضعه الذي هو فيه في الموطأ عند جماعة رواته ، وهو عندهم قبل هذا الباب وبعد باب النوم عن الصلاة ، فلما سقط له هاهنا استدركه فوضعه في آخر كتاب الصلاة بعد باب العمل في الدعاء ، وليس له هناك مدخل ، فرأينا أن نضعه في كتابنا هذا هنا لما ذكرناه ، وبالله توفيقنا .


