الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                        معلومات الكتاب

                                                                                                        نصب الراية في تخريج أحاديث الهداية

                                                                                                        الزيلعي - جمال الدين عبد الله بن يوسف الزيلعي

                                                                                                        جزء صفحة
                                                                                                        أحاديث الهداية

                                                                                                        كتاب الشفعة

                                                                                                        الشفعة . مشتقة من الشفع ، وهو الضم سميت بها لما فيها من ضم المشتراة إلى عقار الشفيع .

                                                                                                        قال : ( الشفعة واجبة للخليط في نفس المبيع ، ثم للخليط في حق المبيع ، كالشرب والطريق ثم للجار ) أفاد هذا اللفظ ثبوت حق الشفعة  لكل واحد من هؤلاء وأفاد الترتيب .

                                                                                                        أما الثبوت فلقوله عليه الصلاة والسلام { : الشفعة لشريك لم يقاسم }ولقوله عليه الصلاة والسلام { : جار الدار أحق بالدار والأرض ينتظر له وإن كان غائبا إذا كان طريقهما واحدا } ولقوله عليه الصلاة والسلام { : الجار أحق بسقبه قيل : يا رسول الله ما سقبه ؟ قال : شفعته }ويروى { الجار أحق بشفعته } وقال الشافعي رحمه الله : لا شفعة بالجوار لقوله عليه الصلاة والسلام { : الشفعة فيما لم يقسم فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة }؛ ولأن حق الشفعة معدول به عن سنن القياس ، لما فيه من تملك المال على الغير من غير رضاه وقد ورد الشرع به فيما لم يقسم وهذا ليس في معناه ؛ لأن مؤنة القسمة تلزمه في الأصل دون الفرع . ولنا ما روينا ؛ ولأن ملكه متصل بملك الدخيل اتصال تأبيد وقرار فيثبت له حق الشفعة عند وجود المعاوضة بالمال اعتبارا بمورد الشرع ، وهذا ؛ لأن الاتصال على هذه الصفة ، إنما انتصب سببا فيه لدفع ضرر الجوار ، إذ هو مادة المضار على ما عرف ، وقطع هذه المادة بتملك الأصل أولى ؛ لأن الضرر في حقه بإزعاجه عن خطة آبائه أقوى ، وضرر القسمة مشروع لا يصلح علة لتحقيق ضرر غيره .

                                                                                                        وأما الترتيب فلقوله عليه الصلاة والسلام { : الشريك أحق من الخليط والخليط أحق من الشفيع }فالشريك في نفس المبيع ، والخليط في حقوق المبيع ، والشفيع هو الجار ؛ ولأن الاتصال بالشركة في المبيع أقوى ؛ لأنه في كل جزء ؛ وبعده الاتصال في الحقوق ؛ لأنه شركة في مرافق الملك ، والترجيح يتحقق بقوة السبب ؛ ولأن ضرر القسمة إن لم يصلح علة صلح مرجحا .

                                                                                                        قال : ( وليس للشريك في الطريق والشرب والجار شفعة مع الخليط في الرقة ) لما ذكرنا أنه مقدم .

                                                                                                        قال : ( فإن سلم فالشفعة للشريك في الطريق فإن سلم أخذها الجار ) لما بينا من الترتيب ، والمراد بهذا الجار الملاصق وهو الذي على ظهر الدار المشفوعة وبابه في سكة أخرى .

                                                                                                        وعن أبي يوسف : أن مع وجود الشريك في الرقبة لا شفعة لغيره سلم أو استوفى ؛ لأنهم محجوبون به ، ووجه الظاهر : أن السبب قد تقرر في حق الكل ، إلا أن للشريك حق التقدم فإذا سلم كان لمن يليه بمنزلة دين الصحة مع دين المرض ، والشريك في المبيع قد يكون في بعض منها كما في منزل معين من الدار أو جدار معين منها ، وهو مقدم على الجار في المنزل وكذا على الجار في بقية الدار في أصح الروايتين عن أبي يوسف رحمه الله ؛ لأن اتصاله أقوى والبقعة واحدة ، ثم لا بد أن يكون الطريق أو الشرب خاصا حتى تستحق الشفعة بالشركة فيه . فالطريق الخاص ، أن لا يكون نافذا والشرب الخاص أن يكون نهرا لا تجري فيه السفن ، وما تجري فيه فهو عام ، وهذا عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله.

                                                                                                        وعن أبي يوسف رحمه الله : أن الخاص أن يكون نهرا يسقى منه قراحان أو ثلاثة ، وما زاد على ذلك فهو عام ، فإن كانت سكة غير نافذة يتشعب منها سكة غير نافذة وهي مستطيلة فبيعت دار في السفلى فلأهلها الشفعة خاصة دون أهل العليا ، وإن بيعت للعليا فلأهل السكتين ، والمعنى ما ذكرنا في كتاب أدب القاضي ، ولو كان نهر صغير يأخذ منه نهر أصغر منه فهو على قياس الطريق فيما بيناه .

                                                                                                        قال : ( ولا يكون الرجل بالجذوع على الحائط شفيع شركة ولكنه شفيع جوار ) ؛ لأن العلة هي الشركة في العقار وبوضع الجذوع لا يصير شريكا في الدار إلا أنه جار ملازق .

                                                                                                        قال : ( والشريك في الخشبة تكون على حائط الدار جار ) لما بينا .

                                                                                                        التالي السابق



                                                                                                        الخدمات العلمية