أحاديث الهداية
قال : ( وليس للمستعير أن يؤاجر ما استعاره ، فإن آجره فعطب ضمن ) ؛ لأن الإعارة دون الإجارة والشيء لا يتضمن ما هو فوقه ؛ ولأنا لو صححناه لا يصح إلا لازما ؛ لأنه حينئذ يكون بتسليط من المعير ، وفي وقوعه لازما زيادة ضرر بالمعير لسد باب الاسترداد إلى انقضاء مدة الإجارة فأبطلناه ، فإن آجره ضمنه حين سلمه ؛ لأنه إذا لم تتناوله العارية كان غصبا ؛ وإن شاء المعير ضمن المستأجر لأنه قبضه بغير إذن المالك لنفسه ، ثم إن ضمن المستعير لا يرجع على المستأجر ؛ لأنه ظهر أنه آجر ملك نفسه ، وإن ضمن المستأجر يرجع على المؤاجر إذا لم يعلم أنه كان عارية في يده دفعا لضرر الغرر بخلاف ما إذا علم .
قال : ( وله أن يعيره إذا كان مما لا يختلف باختلاف المستعمل ) وقال الشافعي رحمه الله : ليس له أن يعيره ؛ لأنه إباحة المنافع على ما بينا من قبل والمباح له لا يملك الإباحة وهذا ؛ لأن المنافع غير قابلة للملك لكونها معدومة ، وإنما جعلناها موجودة في الإجارة للضرورة ، وقد اندفعت الإباحة هاهنا ، ونحن نقول : هو تمليك المنافع على ما ذكرنا فيملك الإعارة كالموصى له بالخدمة ، والمنافع اعتبرت قابلة للملك في الإجارة فتجعل كذلك في الإعارة دفعا للحاجة ، وإنما لا تجوز فيما يختلف باختلاف المستعمل دفعا لمزيد الضرر عن المعير ؛ لأنه رضي باستعماله لا باستعمال غيره .
قال رضي الله عنه : وهذا إذا صدرت الإعارة مطلقة ، وهي على أربعة أوجه :
أحدها : أن تكون مطلقة في الوقت والانتفاع ، وللمستعير فيه أن ينتفع به أي نوع شاء في أي وقت شاء عملا بالإطلاق .
والثاني : أن تكون مقيدة فيهما ، وليس له أن يجاوز فيه ما سماه عملا بالتقييد إلا إذا كان خلافا إلى مثل ذلك أو إلى خير منه ، والحنطة مثل الحنطة ، والشعير خير من الحنطة إذا كان كيلا .
والثالث : أن تكون مقيدة في حق الوقت مطلقة في حق الانتفاع .
والرابع : عكسه ، وليس له أن يتعدى ما سماه ، فلو استعار دابة ولم يسم شيئا ، له أن يحمل ويعير غيره للحمل ؛ لأن الحمل لا يتفاوت ، وله أن يركب ويركب غيره وإن كان الركوب مختلفا ؛ لأنه لما أطلق فيه فله أن يعين حتى لو ركب بنفسه ليس له أن يركب غيره ؛ لأنه تعين ركوبه ، ولو أركب غيره ليس له أن يركبه حتى لو فعله ضمن ؛ لأنه تعين الإركاب .


