الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                        معلومات الكتاب

                                        إحكام الإحكام شرح عمدة الأحكام

                                        ابن دقيق العيد - محمد بن علي بن وهب بن مطيع

                                        جزء صفحة
                                        عمدة الأحكام 320 - الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ : { عَنْ سُبَيْعَةَ الْأَسْلَمِيَّةِ أَنَّهَا كَانَتْ تَحْتَ سَعْدِ بْنِ خَوْلَةَ - وَهُوَ مِنْ بَنِي عَامِرِ بْنِ لُؤَيٍّ ، وَكَانَ مِمَّنْ شَهِدَ بَدْرًا - فَتُوُفِّيَ عَنْهَا فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ ، وَهِيَ حَامِلٌ . فَلَمْ تَنْشَبْ أَنْ وَضَعَتْ حَمْلَهَا بَعْدَ وَفَاتِهِ ، فَلَمَّا تَعَلَّتْ مِنْ نِفَاسِهَا : تَجَمَّلَتْ لِلْخُطَّابِ ، فَدَخَلَ عَلَيْهَا أَبُو السَّنَابِلِ بْنِ بَعْكَكٍ - رَجُلٌ مِنْ بَنِي عَبْدِ الدَّارِ - فَقَالَ لَهَا : مَا لِي أَرَاك مُتَجَمِّلَةً ؟ لَعَلَّكِ تُرَجِّينَ لِلنِّكَاحِ ، وَاَللَّهِ مَا أَنْتِ بِنَاكِحٍ حَتَّى يَمُرَّ عَلَيْك أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَعَشْرٌ . قَالَتْ سُبَيْعَةُ : فَلَمَّا قَالَ لِي ذَلِكَ : جَمَعْتُ عَلَيَّ ثِيَابِي حِينَ أَمْسَيْتُ ، فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَأَلْتُهُ عَنْ ذَلِكَ ؟ فَأَفْتَانِي بِأَنِّي قَدْ حَلَلْتُ حِينَ وَضَعْتُ حَمْلِي ، وَأَمَرَنِي بِالتَّزْوِيجِ إنْ بَدَا لِي } . إحكام الإحكام قَالَ ابْنُ شِهَابٍ : وَلَا أَرَى بَأْسًا أَنْ تَتَزَوَّجَ حِينَ وَضَعَتْ ، وَإِنْ كَانَتْ فِي دَمِهَا ، غَيْرَ أَنَّهُ لَا يَقْرَبُهَا زَوْجُهَا حَتَّى تَطْهُرَ . فِي الْحَدِيثِ : دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْحَامِلَ تَنْقَضِي عِدَّتُهَا بِوَضْعِ الْحَمْلِ أَيَّ وَقْتٍ كَانَ وَهُوَ مَذْهَبُ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ . وَقَالَ بَعْضُهُمْ مِنْ الْمُتَقَدِّمِينَ : إنَّ عِدَّتَهَا أَقْصَى الْأَجَلَيْنِ فَإِنْ تَقَدَّمَ وَضْعُ الْحَمْلِ عَلَى تَمَامِ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ وَعَشْرٍ : انْتَظَرَتْ تَمَامَهَا . وَإِنْ تَقَدَّمَتْ الْأَرْبَعَةُ الْأَشْهُرُ وَالْعَشْرُ عَلَى وَضْعِ الْحَمْلِ : انْتَظَرَتْ وَضْعَ الْحَمْلِ . وَقِيلَ : إنَّ بَعْضَ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ الْمَالِكِيَّةِ : اخْتَارَ هَذَا الْمَذْهَبَ ، وَهُوَ سَحْنُونٌ . وَسَبَبُ الْخِلَافِ : تَعَارُضُ عُمُومِ قَوْله تَعَالَى { وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ } مَعَ قَوْله تَعَالَى { وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ } فَإِنَّ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْ الْآيَتَيْنِ عَامٌّ مِنْ وَجْهٍ ، وَخَاصٌّ مِنْ وَجْهٍ . فَالْآيَةُ الْأُولَى : عَامَّةٌ فِي الْمُتَوَفَّى عَنْهُنَّ أَزْوَاجُهُنَّ ، سَوَاءٌ كُنَّ حَوَامِلَ أَمْ لَا . وَالثَّانِيَةُ : عَامَّةٌ فِي أُولَاتِ الْأَحْمَالِ ، سَوَاءٌ كُنَّ مُتَوَفَّى عَنْهُنَّ أَمْ لَا . وَلَعَلَّ هَذَا التَّعَارُضَ هُوَ السَّبَبُ لِاخْتِيَارِ مَنْ اخْتَارَ أَقْصَى الْأَجَلَيْنِ لِعَدَمِ تَرْجِيحِ أَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ وَذَلِكَ يُوجِبُ أَنْ لَا يُرْفَعَ تَحْرِيمُ الْعِدَّةِ السَّابِقُ إلَّا بِيَقِينِ الْحِلِّ وَذَلِكَ بِأَقْصَى الْأَجَلَيْنِ . غَيْرَ أَنَّ فُقَهَاءَ الْأَمْصَارِ اعْتَمَدُوا عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ فِي أَنَّهُ تَخْصِيصٌ لِعُمُومِ قَوْله تَعَالَى { وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ } مَعَ ظُهُورِ الْمَعْنَى فِي حُصُولِ الْبَرَاءَةِ بِوَضْعِ الْحَمْلِ " . وَأَبُو السَّنَابِلِ بْنُ بَعْكَكٍ " بِفَتْحِ السِّينِ وَ " بَعْكَكٍ " بِفَتْحِ الْبَاءِ وَسُكُونِ الْعَيْنِ ، وَفَتْحِ الْكَافِ - وَهُوَ ابْنُ الْحَجَّاجِ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ السَّبَّاقِ بْنِ عَبْدِ الدَّارِ ، هَكَذَا نُسِبَ . وَقِيلَ فِي نَسَبِهِ غَيْرُ ذَلِكَ قِيلَ : اسْمُهُ عَمْرٌو . وَقِيلَ : حَبَّةُ - بِالْبَاءِ - وَقِيلَ : حَنَّةُ - بِالنُّونِ . وَقَوْلُهَا " فَأَفْتَانِي بِأَنِّي قَدْ حَلَلْتُ حِينَ وَضَعْتُ حَمْلِي " يَقْتَضِي انْقِضَاءَ الْعِدَّةِ بِوَضْعِ الْحَمْلِ ، وَإِنْ لَمْ تَطْهُرْ مِنْ النِّفَاسِ . كَمَا صَرَّحَ بِهِ الزُّهْرِيُّ فِيمَا بَعْدَ ذَلِكَ . وَهُوَ مَذْهَبُ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ . وَقَالَ بَعْضُ الْمُتَقَدِّمِينَ : لَا تَحِلُّ مِنْ الْعِدَّةِ حَتَّى تَطْهُرَ مِنْ النِّفَاسِ . وَلَعَلَّ بَعْضَهُمْ أَشَارَ إلَى تَعَلُّقٍ فِي هَذَا بِقَوْلِهِ " فَلَمَّا تَعَلَّتْ مِنْ نِفَاسِهَا " أَيْ طَهُرَتْ " قَالَ لَهَا : قَدْ حَلَلْت فَانْكِحِي مَنْ شِئْت " رَتَّبَ الْحِلَّ عَلَى التَّعَلِّي فَيَكُونُ عِلَّةً لَهُ وَهَذَا ضَعِيفٌ لِتَصْرِيحِ هَذِهِ الرِّوَايَةِ بِأَنَّهُ أَفْتَاهَا بِالْحِلِّ بِوَضْعِ الْحَمْلِ . وَهُوَ أَصْرَحُ مِنْ ذَلِكَ التَّرْتِيبِ الْمَذْكُورِ . يَعْنِي تَرْتِيبَ الْحِلِّ عَلَى التَّعَلِّي . وَرُبَّمَا اسْتَدَلَّ بِهَذَا الْحَدِيثِ بَعْضُهُمْ عَلَى أَنَّ الْعِدَّةَ تَنْقَضِي بِوَضْعِ الْحَمْلِ عَلَى أَيِّ وَجْهٍ كَانَ - مُضْغَةً أَوْ عَلَقَةً ، اسْتَبَانَ فِيهِ الْخَلْقُ أَمْ لَا - مِنْ حَيْثُ إنَّهُ رَتَّبَ الْحِلَّ عَلَى وَضْعِ الْحَمْلِ مِنْ غَيْرِ اسْتِفْصَالٍ . وَتَرْكُ الِاسْتِفْصَالِ فِي قَضَايَا الْأَحْوَالِ يَنْزِلُ مَنْزِلَةَ الْعُمُومِ فِي الْمَقَالِ وَهَذَا هَهُنَا ضَعِيفٌ ; لِأَنَّ الْغَالِبَ هُوَ الْحَمْلُ التَّامُّ الْمُتَخَلِّقُ ، وَوَضْعُ الْمُضْغَةِ وَالْعَلَقَةِ نَادِرٌ . وَحَمْلُ الْجَوَابِ عَلَى الْغَالِبِ ظَاهِرٌ . وَإِنَّمَا تَقْوَى تِلْكَ الْقَاعِدَةُ حَيْثُ لَا يَتَرَجَّحُ بَعْضُ الِاحْتِمَالَاتِ عَلَى بَعْضٍ وَيَخْتَلِفُ الْحُكْمُ بِاخْتِلَافِهَا . وَقَوْلُ ابْنِ شِهَابٍ : قَدْ قَدَّمْنَا أَنَّهُ قَوْلُ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ . وَالْمَنْقُولُ عَنْهُ خِلَافُ ذَلِكَ : وَهُوَ الشَّعْبِيُّ وَالنَّخَعِيُّ وَحَمَّادٌ .

                                        ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                        الخدمات العلمية