الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
جزء صفحة
مشكاة المصابيح 728 - وَعَنْهُ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ( مَنْ خَرَجَ مِنْ بَيْتِهِ مُتَطَهِّرًا إِلَى صَلَاةٍ مَكْتُوبَةٍ ; فَأَجْرُهُ كَأَجْرِ الْمُحْرِمِ ، وَمَنْ خَرَجَ إِلَى تَسْبِيحِ الضُّحَى لَا يُنْصِبُهُ إِلَّا إِيَّاهُ ; فَأَجْرُهُ كَأَجْرِ الْمُعْتَمِرِ ، وَصَلَاةٌ عَلَى إِثْرِ صَلَاةٍ لَا لَغْوَ بَيْنَهُمَا كِتَابٌ فِي عِلِّيِّينَ ) ، رَوَاهُ أَحْمَدُ ، وَأَبُو دَاوُدَ . مرقاة المفاتيح 728 - ( وَعَنْهُ ) ، أَيْ : عَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ( مَنْ خَرَجَ مِنْ بَيْتِهِ مُتَطَهِّرًا إِلَى صَلَاةٍ ) : حَالٌ ، أَيْ : قَاصِدًا إِلَى الْمَسْجِدِ مَثَلًا لِأَدَاءِ الصَّلَاةِ ( مَكْتُوبَةٍ ، فَأَجْرُهُ ) : مُضَاعَفٌ ( كَأَجْرِ الْحَاجِّ ) : أَوْ مِثْلُ أَجْرِهِ ، قَالَ زَيْنُ الْعَرَبِ : أَيْ كَأَصْلِ أَجْرِهِ وَقِيلَ كَأَجْرِهِ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ يُكْتَبُ لَهُ بِكُلِّ خُطْوَةٍ أَجْرٌ كَالْحَاجِّ ، وَإِنْ تَغَايَرَ الْأَجْرَانِ كَثْرَةً وَقِلَّةً أَوْ كَمِّيَّةً ، وَكَيْفِيَّةً ، أَوْ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ يَسْتَوْفِي أَجْرَ الْمُصَلِّينَ مِنْ وَقْتِ الْخُرُوجِ إِلَى أَنْ يَرْجِعَ ، وَإِنْ لَمْ يُصَلِّ إِلَّا فِي بَعْضِ تِلْكَ الْأَوْقَاتِ كَالْحَاجِّ ، فَإِنَّهُ يَسْتَوْفِي أَجْرَ الْحَاجِّ إِلَى أَنْ يَرْجِعَ وَإِنْ لَمْ يَحُجَّ إِلَّا فِي عَرَفَةَ ( الْمُحْرِمِ ) : شُبِّهَ بِالْحَاجِّ الْمُحْرِمِ لِكَوْنِ التَّطَهُّرِ مِنَ الصَّلَاةِ بِمَنْزِلَةِ الْإِحْرَامِ مِنَ الْحَجِّ لِعَدَمِ جَوَازِهِمَا بِدُونِهِمَا ، ثُمَّ إِنَّ الْحَاجَّ إِذَا كَانَ مُحْرِمًا كَانَ ثَوَابُهُ أَتَمَّ ، فَكَذَلِكَ الْخَارِجُ إِلَى الصَّلَاةِ إِذَا كَانَ مُتَطَهِّرًا كَانَ ثَوَابُهُ أَفْضَلَ ، قَالَ الطِّيبِيُّ : مَنْ خَرَجَ مِنْ بَيْتِهِ أَيْ قَاصِدًا إِلَى الْمَسْجِدِ لِأَدَاءِ الْفَرَائِضِ ، وَإِنَّمَا قَدَّرْنَا الْقَصْدَ حَالًا لِيُطَابِقَ الْحَجَّ لِأَنَّهُ الْقَصْدُ الْخَاصُّ ، فِي النِّيَّةِ مَعَ التَّطْهِيرِ مَنْزِلَةَ الْإِحْرَامِ ، وَأَمْثَالُ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ لَيْسَتْ لِلتَّسْوِيَةِ ، كَيْفَ وَإِلْحَاقُ النَّاقِصِ بِالْكَامِلِ يَقْتَضِي فَضْلَ الثَّانِي وُجُوبًا لِيُفِيدَ الْمُبَالَغَةَ ، وَإِلَّا كَانَ عَبَثًا فَشَّبَهَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَالَ الْمُصَلِّي الْقَاصِدِ إِلَى الصَّلَاةِ الْمَكْتُوبَةِ بِحَالِ الْحَاجِّ الْمُحْرِمِ فِي الْفَضْلِ مُبَالَغَةً وَتَرْغِيبًا ، لِئَلَّا يَتَقَاعَدَ عَنِ الْجَمَاعَاتِ . ( وَمَنْ خَرَجَ إِلَى تَسْبِيحِ الضُّحَى ) ، أَيْ : صَلَاةِ الضُّحَى ، وَكُلُّ صَلَاةِ تَطَوُّعٍ تَسْبِيحَةٌ وَسُبْحَةٌ قَالَ الطِّيبِيُّ : الْمَكْتُوبَةُ وَالنَّافِلَةُ وَإِنِ اتَّفَقَتَا فِي أَنَّ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا يُسَبَّحُ فِيهَا ، إِلَّا أَنَّ النَّافِلَةَ جَاءَتْ بِهَذَا الِاسْمِ أَخَصَّ مِنْ جِهَةِ أَنَّ التَّسْبِيحَاتِ فِي الْفَرَائِضِ وَالنَّوَافِلِ سُنَّةٌ ، فَكَأَنَّهُ قِيلَ لِلنَّافِلَةِ تَسْبِيحَةٌ عَلَى أَنَّهَا شَبِيهَةٌ بِالْأَذْكَارِ فِي كَوْنِهَا غَيْرَ وَاجِبَةٍ ، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ : وَمِنْ هَذَا أَخَذَ أَئِمَّتُنَا قَوْلَهُمُ : السُّنَّةُ فِي الضُّحَى فِعْلُهَا فِي الْمَسْجِدِ ، وَيَكُونُ مِنْ جُمْلَةِ الْمُسْتَثْنَيَاتِ مِنْ خَبَرِ : أَفْضَلُ صَلَاةِ الْمَرْءِ فِي بَيْتِهِ إِلَّا الْمَكْتُوبَةَ اهـ . وَفِيهِ أَنَّهُ عَلَى فَرْضِ صِحَّةِ حَدِيثِ الْمُدُنِ يَدُلُّ عَلَى جَوَازِهِ لَا عَلَى أَفْضَلِيَّتِهِ ، أَوْ يُحْمَلُ عَلَى مَنْ يَكُونُ لَهُ مَسْكَنٌ ، أَوْ فِي مَسْكَنِهِ شَاغِلٌ وَنَحْوُهُ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ لِلْمَسْجِدِ ذِكْرٌ فِي الْحَدِيثِ أَصْلًا ، فَالْمَعْنَى مَنْ خَرَجَ مِنْ بَيْتِهِ أَوْ سُوقِهِ أَوْ شُغْلِهِ مُتَوَجِّهًا إِلَى صَلَاةِ الضُّحَى تَارِكًا أَشْغَالَ الدُّنْيَا ( لَا يُنْصِبُهُ ) : بِضَمِّ الْيَاءِ مِنَ الْإِنْصَابِ ، وَهُوَ الْإِتْعَابُ مَأْخُوذٌ مِنْ نَصِبَ بِالْكَسْرِ إِذَا تَعِبَ ، وَأَنْصَبَهُ غَيْرُهُ أَيْ أَتْعَبَهُ ، وَيُرْوَى بِفَتْحِ الْيَاءِ مِنْ نَصَبَهُ ، أَيْ : أَقَامَهُ قَالَهُ زَيْنُ الْعَرَبِ ، وَقَالَ التُّورِبِشْتِيُّ : هُوَ بِضَمِّ الْيَاءِ ، وَالْفَتْحُ احْتِمَالٌ لُغَوِيٌّ لَا أُحَقِّقُهُ رِوَايَةً ( إِلَّا إِيَّاهُ ) ، أَيْ : لَا يُتْعِبُهُ الْخُرُوجُ إِلَّا تَسْبِيحَ الضُّحَى ، وَوَضْعُ الضَّمِيرِ الْمَنْصُوبِ مَوْضِعَ الْمَرْفُوعِ ، أَيْ : لَا يُخْرِجُهُ وَلَا يُزْعِجُهُ إِلَّا هُوَ كَالْعَكْسِ فِي حَدِيثِ الْوَسِيلَةِ ، وَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَنَا هُوَ قَالَهُ الطِّيبِيُّ ، وَقِيلَ : هَذَا مِنْ بَابِ الْمَيْلِ إِلَى الْمَعْنَى دُونَ اللَّفْظِ ، وَهُوَ بَابٌ جَلِيلٌ مِنْ عِلْمِ الْعَرَبِيَّةِ ، وَجَعَلَ الْكَشَّافُ مِنْهُ قَوْلَهُ تَعَالَى : ( فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ ) فِي الْقِرَاءَةِ الشَّاذَّةِ بِالرَّفْعِ إِذْ مَعْنَى ذَلِكَ فَلَمْ يُطِيعُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ ، وَكَذَا هُنَا إِذْ مَعْنَى لَا يَنْصِبُهُ إِلَّا إِيَّاهُ لَا يَقْصِدُ وَلَا يَطْلُبُ إِلَّا إِيَّاهُ ، وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ : وَقَعَ الضَّمِيرُ الْمَنْصُوبُ مَوْضِعَ الْمَرْفُوعِ لِأَنَّهُ اسْتِثْنَاءٌ مُفَرَّغٌ يَعْنِي لَا يُتْعِبُهُ إِلَّا الْخُرُوجُ إِلَى تَسْبِيحِ الضُّحَى ، ( فَأَجْرُهُ كَأَجْرِ الْحَاجِّ ) : فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ الْعُمْرَةَ سُنَّةٌ ، ( وَصَلَاةٌ عَلَى إِثْرِ صَلَاةٍ ) : بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ ثُمَّ السُّكُونِ أَوْ بِفَتْحَتَيْنِ ، أَيْ : عَقِيبَهُ ( لَا لَغْوَ بَيْنَهُمَا ) ، أَيْ : بِكَلَامِ الدُّنْيَا ( كِتَابٌ ) ، أَيْ : عَمَلٌ مَكْتُوبٌ ( فِي عِلِّيِّينَ ) : وَهُوَ عِلْمُ الدِّيوَانِ الْخَيْرِ الَّذِي دُوِّنَ فِيهِ أَعْمَالُ الْأَبْرَارِ قَالَ تَعَالَى : كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ كِتَابٌ مَرْقُومٌ يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ مَنْقُولٌ مِنْ جَمْعِ عِلِّيٍّ فِعِّيلٍ مِنَ الْعُلُوِّ ، سُمِّيَ بِهِ لِأَنَّهُ مَرْفُوعٌ إِلَى السَّمَاءِ السَّابِعَةِ تَكْرِيمًا ، وَلِأَنَّهُ سَبَبُ الِارْتِفَاعِ إِلَى أَعْلَى الدَّرَجَاتِ ، وَالْعَلِّيَّةُ بِتَشْدِيدِ اللَّامِ وَالْيَاءِ : الْغُرْفَةُ كَذَا قَالَهُ بَعْضُهُمْ ، وَقِيلَ : أَرَادَ أَعْلَى الْأَمْكِنَةِ وَأَشْرَفَ الْمَرَاتِبِ ، أَيْ : مُدَاوَمَةُ الصَّلَاةِ مِنْ غَيْرِ تَخَلُّلِ مَا يُنَافِيهَا لَا شَيْءَ مِنَ الْأَعْمَالِ أَعْلَى مِنْهَا ، فَكَنَى عَنْ ذَلِكَ بِعِلِّيِّينَ ، وَقِيلَ : أَيْ عَمَلُ كِتَابٍ ، أَوْ مَرْفُوعٌ فِيهِ ، أَوْ سَبَبٌ كُتِبَ اسْمُ عَامِلِهِ فِي عِلِّيِّينَ ، وَهُوَ مَوْضِعٌ يُكْتَبُ فِيهِ أَعْمَالُ الصَّالِحِينَ ، ( رَوَاهُ أَحْمَدُ ، وَأَبُو دَاوُدَ ) : وَسَكَتَ عَلَيْهِ ، وَفِي سَنَدِهِ الْقَاسِمُ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، وَفِيهِ مَقَالٌ ، قَالَهُ مِيرَكُ .

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية