الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
جزء صفحة
مشكاة المصابيح 5582 - وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : " آخِرُ مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ رَجُلٌ ، يَمْشِي مَرَّةً ، وَيَكْبُو مَرَّةً ، وَتَسْفَعُهُ النَّارُ مَرَّةً ، فَإِذَا جَاوَزَهَا الْتَفَتَ إِلَيْهَا فَقَالَ : تَبَارَكَ الَّذِي نَجَّانِي مِنْكِ ، لَقَدْ أَعْطَانِي اللَّهُ شَيْئًا مَا أَعْطَاهُ أَحَدًا مِنَ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ ، فَتُرْفَعُ لَهُ شَجَرَةٌ فَيَقُولُ : أَيْ رَبِّ أَدْنِنِي مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ فَلْأَسْتَظِلَّ بِظِلِّهَا وَأَشْرَبَ مِنْ مَائِهَا فَيَقُولُ اللَّهُ : يَا ابْنَ آدَمَ لَعَلِّي إِنْ أَعْطَيْتُكَهَا سَأَلْتَنِي غَيْرَهَا ؟ فَيَقُولُ : لَا يَا رَبِّ ، وَيُعَاهِدُهُ أَنْ لَا يَسْأَلَهُ غَيْرَهَا ، وَرَبُّهُ يَعْذُرُهُ ; لِأَنَّهُ يَرَى مَا لَا صَبْرَ لَهُ عَلَيْهِ ، فَيُدْنِيهِ مِنْهَا ; فَيَسْتَظِلُّ بِظِلِّهَا ، وَيَشْرَبُ مِنْ مَائِهَا ، ثُمَّ تُرْفَعُ لَهُ شَجَرَةٌ هِيَ أَحْسَنُ مِنَ الْأُولَى ، فَيَقُولُ : أَيْ رَبِّ ! أَدْنِنِي مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ لِأَشْرَبَ مِنْ مَائِهَا ، وَأَسْتَظِلَّ بِظِلِّهَا ، لَا أَسْأَلُكَ غَيْرَهَا ، فَيَقُولُ : يَا ابْنَ آدَمَ ! أَلَمْ تُعَاهِدْنِي أَنْ لَا تَسْأَلَنِي غَيْرَهَا ؟ فَيَقُولُ : لَعَلِّي إِنْ أَدْنَيْتُكَ مِنْهَا تَسْأَلُنِي غَيْرَهَا ؟ فَيُعَاهِدُهُ أَنْ لَا يَسْأَلَهُ غَيْرَهَا ، وَرَبُّهُ يَعْذُرُهُ لِأَنَّهُ يَرَى مَا لَا صَبْرَ لَهُ عَلَيْهِ ، فَيُدْنِيهِ مِنْهَا ; فَيَسْتَظِلُّ بِظِلِّهَا ، وَيَشْرَبُ مِنْ مَائِهَا ، ثُمَّ تُرْفَعُ لَهُ شَجَرَةٌ عِنْدَ بَابِ الْجَنَّةِ هِيَ أَحْسَنُ مِنَ الْأُولَيَيْنِ ، فَيَقُولُ : أَيْ رَبِّ ! أَدْنِنِي مِنْ هَذِهِ فَلِأَسْتَظِلَّ بِظِلِّهَا وَأَشْرَبَ مِنْ مَائِهَا ، لَا أَسْأَلُكَ غَيْرَهَا ، فَيَقُولُ : يَا ابْنَ آدَمَ ! أَلَمْ تُعَاهِدْنِي أَنْ لَا تَسْأَلَنِي غَيْرَهَا ؟ قَالَ : بَلَى يَا رَبِّ هَذِهِ لَا أَسْأَلُكَ غَيْرَهَا ، وَرَبُّهُ يَعْذُرُهُ لِأَنَّهُ يَرَى مَا لَا صَبْرَ لَهُ عَلَيْهِ ، فَيُدْنِيهِ مِنْهَا ، فَإِذَا أَدْنَاهُ مِنْهَا سَمِعَ أَصْوَاتَ أَهْلِ الْجَنَّةِ ، فَيَقُولُ : يَا رَبِّ ! أَدْخِلْنِيهَا ، فَيَقُولُ : يَا ابْنَ آدَمَ مَا يَصْرِينِي مِنْكَ ؟ أَيُرْضِيكَ إِنْ أَعْطَيْتُكَ الدُّنْيَا وَمِثْلَهَا مَعَهَا ، قَالَ : أَيْ رَبِّ ! أَتَسْتَهْزِئُ مِنِّي وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ ؟ فَضَحِكَ ابْنُ مَسْعُودٍ ; فَقَالَ : أَلَا تَسْأَلُونِي مِمَّا أَضْحَكُ ؟ فَقَالُوا : مِمَّ تَضْحَكُ ؟ فَقَالَ ضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالُوا : مِمَّ تَضْحَكُ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ : مِنْ ضَحِكِ رَبِّ الْعَالَمِينَ حِينَ قَالَ : أَتَسْتَهْزِئُ مِنِّي وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ ؟ فَيَقُولُ : إِنِّي لَا أَسْتَهْزِئُ مِنْكَ ، وَلَكِنِّي عَلَى مَا أَشَاءُ قَادِرٌ " . رَوَاهُ مُسْلِمٌ . مرقاة المفاتيح 5582 - ( وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : آخِرُ مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ رَجُلٌ ، فَهُوَ يَمْشِي مَرَّةً ) : قَالَ الطِّيبِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ : الْفَاءُ يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ تَفْصِيلِيَّةً أَبْهَمَ أَوَّلًا دُخُولَهُ الْجَنَّةَ ، ثُمَّ فَصَّلَ كَيْفِيَّةَ دُخُولِهَا ثَانِيًا ، وَأَنْ تَكُونَ لِتَعْقِيبِ الْأَخْبَارِ ، وَإِنْ تَقَدَّمَ مَا بَعْدَهَا عَلَى مَا قَبْلَهَا فِي الْوُجُودِ ، فَوَقَعَتْ مَوْقِعَ ثُمَّ فِي هَذَا الْمَعْنَى ، كَأَنَّهُ قِيلَ : أُخْبِرُكُمْ عَقِيبَ هَذَا الْقَوْلِ حَالَهُ ، فَهُوَ يَمْشِي قَبْلَ دُخُولِهِ فِي الْجَنَّةِ مَرَّةً ( وَيَكْبُو ) : بِضَمِّ الْمُوَحَّدَةِ أَيْ : يَقِفُ ، وَقِيلَ : يَسْقُطُ لِوَجْهِهِ ( مَرَّةً ) أَيْ : أُخْرَى ( وَتَسْفَعُهُ النَّارُ ) : بِفَتْحِ الْفَاءِ أَيْ : تُحْرِقُهُ ( مَرَّةً ) ، أَوْ يُجْعَلُ عَلَامَةً عَلَيْهِ مِنْ سَوَادِ الْوَجْهِ وَزُرْقَةِ الْعَيْنِ ، يُقَالُ : سَفْعٌ مِنَ النَّارِ أَيْ عَلَامَةٌ مِنْهَا ، وَسَفَعْتُ الشَّيْءَ إِذَا جَعَلْتُ عَلَيْهِ عَلَامَةً . قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ : أَيْ تَلْفَحُهُ لَفْحًا يَسِيرًا ; فَيَتَغَيَّرُ لَوْنُ بَشْرَتِهِ ، وَقِيلَ : أَيْ تُعَلِّمُهُ عَلَامَةً ، أَيْ : أَثَرًا مِنْهَا ، وَفِي الْقَامُوسِ : لَفَحَتِ النَّارُ بِحَرِّهَا أَحْرَقَتْ ، وَسَفَعَ الشَّيْءَ كَمَنَعَهُ أَعْلَمَهُ وَوَسَمَهُ وَالسَّمُومُ وَجْهَهُ : لَفَحَهُ لَفْحًا يَسِيرًا ( فَإِذَا جَاوَزَهَا الْتَفَتَ إِلَيْهَا فَقَالَ : تَبَارَكَ ) أَيْ : تَعَظَّمَ وَتَعَالَى أَوْ تَكَاثَرَ خَيْرُهُ ( الَّذِي نَجَّانِي مِنْكِ ) : هَذَا فَرَحٌ بِمَا أُعْطِيَهُ مِنَ النَّجَاةِ ، وَقَوْلُهُ : لَقَدْ أَعْطَانِي اللَّهُ شَيْئًا مَا أَعْطَاهُ أَحَدًا مِنَ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ ) : جَوَابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ ، أَقْسَمَ مِنَ الْفَرَحِ أَنَّ نَجَاتَهُ نِعْمَةٌ مَا ظَفِرَ بِهَا أَحَدٌ مِنَ الْعَالَمِينَ ، وَلَعَلَّ وَجْهَهُ أَنَّهُ مَا رَأَى أَحَدًا مُشَارِكًا لَهُ فِي خُرُوجِهِ مِنَ النَّارِ ، وَلَمْ يَدْرِ أَنَّ الْأَبْرَارَ فِي نَعِيمِ دَارِ الْقَرَارِ ، ( فَتُرْفَعُ لَهُ شَجَرَةٌ ) أَيْ : عِنْدَهَا عَيْنُ مَاءٍ ; لِمَا سَيَأْتِي ، ( فَيَقُولُ : أَيْ رَبِّ ) : وَأَيْ فِي الْأَصْلِ لِنِدَاءِ الْقَرِيبِ ، وَيَا : لِلْبَعِيدِ ، فَتَارَةً يُنْظَرُ إِلَى قُرْبِ الرَّبِّ مِنَ الْعَبْدِ ، كَمَا قَالَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى : وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ ، وَتَارَةً يُرَاعَى بُعْدُ الْعَبْدِ مِنَ الرَّبِّ كَمَا قِيلَ : يَا لِلتُّرَابِ ، وَرَبَّ الْأَرْبَابِ ، ( أَدْنِنِي ) : أَمْرٌ مِنَ الْإِدْنَاءِ أَيْ : قَرِّبْنِي ( مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ فَلِأَسْتَظِلَّ ) : بِكَسْرِ اللَّامِ الْأُولَى وَنَصْبِ الْفِعْلِ ، قَالَ الطِّيبِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ : الْفَاءُ سَبَبِيَّةٌ وَاللَّامُ مَزِيدَةٌ ، أَوْ بِالْعَكْسِ ، يَعْنِي : وَالْفَاءُ مَزِيدَةٌ وَاللَّامُ لِلْعِلَّةِ ، فَفِيهِ مُسَامَحَةٌ لَا تَخْفَى ، ثُمَّ فِي الْكَلَامِ تَجْرِيدٌ ، وَالْمَعْنَى لِأَنْتَفِعَ ، ( بِظِلِّهَا وَأَشْرَبَ مِنْ مَائِهَا ، فَيَقُولُ اللَّهُ : يَا ابْنَ آدَمَ لَعَلِّي إِنْ أَعْطَيْتُكَهَا ) أَيْ : مَسْأَلَتَكَ أَوْ أُمْنِيَّتَكَ ( سَأَلْتَنِي غَيْرَهَا ) : هُوَ جَوَابُ الشَّرْطِ ، وَهُوَ دَالٌّ عَلَى خَبَرِ لَعَلَّ ، ( فَقَوْلُ : لَا يَا رَبِّ ، وَيُعَاهِدُهُ أَنْ لَا يَسْأَلَهُ غَيْرَهَا ، وَرَبُّهُ يَعْذُرُهُ ) : بِفَتْحِ الْيَاءِ وَيُضَمُّ ، أَيْ : يَجْعَلُهُ مَعْذُورًا . وَفِي النِّهَايَةِ : وَقَدْ يَكُونُ أَعْذَرَ بِمَعْنَى جَعَلَهُ مَوْضِعَ الْعُذْرِ ، وَفِي ( الْمَشَارِقِ ) : عَذَرْتُهُ وَأَعْذَرْتُهُ أَيْ : قَبِلْتُ عُذْرَهُ ، وَفِي ( الْمِصْبَاحِ ) عَذَرْتُهُ فِيمَا صَنَعَ عُذْرًا ، مِنْ بَابِ ضَرَبَ ، رَفَعْتُ عَنْهُ اللَّوْمَ فَهُوَ مَعْذُورٌ ، وَأَعْذَرْتُهُ بِالْأَلِفِ لُغَةٌ ، وَاعْتَذَرَ أَيْ : طَلَبَ قَبُولَ مَعْذِرَتِهِ ، وَاعْتَذَرَ عَنْ فِعْلِهِ أَظْهَرَ عُذْرَهُ ، ( لِأَنَّهُ ) أَيِ : الْعَبْدُ ( يَرَى مَا لَا صَبْرَ لَهُ عَلَيْهِ ) ، كَذَا فِي الْأُصُولِ فِي الْمَرَّتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ ، وَكَذَا فِي الثَّالِثَةِ فِي بَعْضِ الْأُصُولِ ، وَفِي أَكْثَرِهَا عَلَيْهَا بِتَأْوِيلِ مَا بِنِعْمَةٍ ، وَعَلَى بِمَعْنَى عَنْ ، كَذَا فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ لِلنَّوَوِيِّ ، وَقَرَّرَهُ السُّيُوطِيُّ فِي حَاشِيَةٍ عَلَى مُسْلِمٍ ، ( فَيُدْنِيهِ مِنْهَا ) أَيْ : فَيُقَرِّبُهُ مِنَ الشَّجَرَةِ ( فَيَسْتَظِلُّ بِظِلِّهَا ، وَيَشْرَبُ مِنْ مَائِهَا ، ثُمَّ تُرْفَعُ لَهُ شَجَرَةٌ ) أَيْ : أُخْرَى ، هِيَ ( أَحْسَنُ مِنَ الْأُولَى ) ; لِأَنَّهُ أَرَادَ لَهُ التَّرَقِّيَ مِنَ الْأَدْنَى إِلَى الْأَعْلَى ، ( فَيَقُولُ : أَيْ رَبِّ ! أَدْنِنِي مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ لِأَشْرَبَ مِنْ مَائِهَا ، وَأَسْتَظِلَّ بِظِلِّهَا ) : الْوَاوُ لِمُطْلَقِ الْجَمْعِ ; لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ الِاسْتِرَاحَةَ بِظِلِّهَا قَبْلَ الشُّرْبِ مِنْ مَائِهَا ، ( لَا أَسْأَلُكَ غَيْرَهَا ) : قَالَ الطِّيبِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ : هُوَ حَالٌ تَنَازَعَ فِيهِ أَسْتَظِلُّ وَأَشْرَبُ ( فَيَقُولُ : يَا ابْنَ آدَمَ ! أَلَمْ تُعَاهِدْنِي أَنْ لَا تَسْأَلَنِي غَيْرَهَا ؟ فَيَقُولُ ) أَيِ : الرَّبُّ ( لَعَلِّي إِنْ أَدْنَيْتُكَ مِنْهَا تَسْأَلُنِي ) : بِالرَّفْعِ أَيْ : تَطْلُبُ مِنِّي ( غَيْرَهَا ؟ فَيُعَاهِدُهُ أَنْ لَا يَسْأَلَهُ غَيْرَهَا ، وَرَبُّهُ يَعْذُرُهُ ; لِأَنَّهُ يَرَى مَا لَا صَبْرَ لَهُ عَلَيْهِ ، فَيُدْنِيهِ مِنْهَا فَيَسْتَظِلُّ بِظِلِّهَا ، وَيَشْرَبُ مِنْ مَائِهَا ، ثُمَّ تُرْفَعُ لَهُ شَجَرَةٌ ) أَيْ : ثَالِثَةٌ ( عِنْدَ بَابِ الْجَنَّةِ هِيَ أَحْسَنُ مِنَ الْأُولَيَيْنِ ، فَيَقُولُ : أَيْ رَبِّ ! أَدْنِنِي مِنْ هَذِهِ فَلِأَسْتَظِلَّ بِظِلِّهَا ، وَأَشْرَبَ مِنْ مَائِهَا ، لَا أَسْأَلُكَ غَيْرَهَا ، فَيَقُولُ : يَا ابْنَ آدَمَ ! أَلَمْ تُعَاهِدْنِي أَنْ لَا تَسْأَلَنِي غَيْرَهَا ؟ قَالَ : بَلَى يَا رَبِّ هَذِهِ ) : مَنْصُوبُ الْمَحَلِّ بِفِعْلٍ يُفَسِّرُهُ مَا بَعْدَهُ ، أَيْ : هَذِهِ أَسْأَلُكَ ( لَا أَسْأَلُكَ غَيْرَهَا ) : حَالٌ أَوِ اسْتِئْنَافٌ ( وَرَبُّهُ يَعْذُرُهُ ; لِأَنَّهُ يَرَى مَا لَا صَبْرَ لَهُ عَلَيْهِ ) ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ ( عَلَيْهَا ) ، وَقَدْ سَبَقَ الْكَلَامُ عَلَيْهِمَا ، ( فَيُدْنِيهِ مِنْهَا ، فَإِذَا أَدْنَاهُ مِنْهَا سَمِعَ أَصْوَاتَ أَهْلِ الْجَنَّةِ ) أَيْ : فِي مُصَاحَبَتِهِمْ مَعَ أَزْوَاجِهِمْ ، وَمُجَاوَزَتِهِمْ مَعَ أَصْحَابِهِمْ ; فَأَرَادَ الِاسْتِئْنَاسَ بِهِمْ ، أَوْ فِي غِنَائِهِمْ ; فَأَرَادَ التَّقَرُّبَ لِيَتَلَذَّذَ بِأَنْغَامِهِمْ ، ( فَيَقُولُ : يَا رَبِّ ! أَدْخِلْنِيهَا ، فَيَقُولُ : يَا ابْنَ آدَمَ ! مَا يَصْرِينِي ) ؟ : بِفَتْحِ الْيَاءِ وَسُكُونِ الصَّادِ الْمُهْمَلَةِ . قَالَ صَاحِبُ النِّهَايَةِ : وَفِي رِوَايَةٍ مَا يَصْرِيكَ مِنْ ، أَيْ : مَا يَقْطَعُ مَسْأَلَتَكَ وَيَمْنَعُكَ مِنْ سُؤَالِي ؟ يُقَالُ : صَرَيْتُ الشَّيْءَ إِذَا قَطَعْتُهُ ، وَصَرَيْتُ الْمَاءَ جَمَعْتُهُ وَحَبَسْتُهُ انْتَهَى . وَالْمَعْنَى : قَدْ كَرَّرْتَ سُؤَالَكَ مَعَ مُعَاهَدَتِكَ أَنْ لَا تَسْأَلَ ، فَمَاذَا يَقْطَعُ سُؤَالَكَ عَنِّي وَيُرْضِيكَ ؟ قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ : صَرَى عَنْهُ شَرَّهُ أَيْ دَفَعَ ، وَصَرَيْتُهُ مَنَعْتُهُ ، وَصَرَيْتُ مَا بَيْنَهُمْ صَرْيًا أَيْ : فَصَلْتُ ، يُقَالُ : اخْتَصَمْنَا إِلَى الْحَاكِمِ فَصَرَى مَا بَيْنَنَا أَيْ : قَطَعَ مَا بَيْنَنَا وَفَصَلَ ، وَحَسُنَ أَنْ يُقَالَ : مَا يَفْصِلُ بَيْنِي وَبَيْنَكَ ، أَيْ : مَا الَّذِي يُرْضِيكَ حَتَّى تَتْرُكَ مُنَاشَدَتَكَ ؟ وَالْمَعْنَى أَنِّي أَجَبْتُكَ إِلَى مَسْأَلَتِكَ كَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى ، وَأَخَذْتُ مِيثَاقَكَ أَنْ لَا تَعُودَ وَلَا تَسْأَلَ غَيْرَهُ ، وَأَنْتَ لَا تَفِي بِذَلِكَ ، فَمَا الَّذِي يَفْصِلُ بَيْنِي وَبَيْنَكَ فِي هَذِهِ الْقَضِيَّةِ ؟ وَيَكُونُ عَلَى وَجْهِ الْمَجَازِ وَالِاتِّسَاعِ ، وَالْمُبْتَغَى مِنْهُ التَّوْفِيقُ عَلَى فَضْلِ اللَّهِ وَرَحْمَتِهِ ، وَكَرَمِهِ وَبِرِّهِ بِعِبَادِهِ ، حَتَّى إِنَّهُ يُخَاطِبُهُمْ مُخَاطَبَةَ الْمُسْتَعْطِفِ الْبَاعِثِ سَائِلَهُ عَلَى الِاسْتِزَادَةِ . قَالَ : وَفِي كِتَابِ ( الْمَصَابِيحِ ) مَا يَصْرِينِي مِنْكَ ، وَهُوَ غَلَطٌ ، وَالصَّوَابُ مَا يَصْرِينِي مِنِّي ، كَذَا رَوَاهُ الْمُتْقِنُونَ مِنْ أَهْلِ الرِّوَايَةِ . قَالَ الْمُظْهِرُ : يُمْكِنُ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى الْقَلْبِ ; فَأَصْلُهُ مَا يَصْرِيكَ مِنِّي ، وَقَلَبَ لِلْعِلْمِ بِهِ ، وَالْقَلْبُ شَائِعٌ فِي كَلَامِهِمْ ، ذَائِعٌ فِي اسْتِعْمَالِهِمْ . قَالَ الطِّيبِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ : الرِّوَايَةُ صَحِيحَةٌ وَالْمَعْنَى صَحِيحٌ عَلَى سَبِيلِ الْكِنَايَةِ . قَالَ النَّوَوِيُّ : مَا يَصْرِينِي مِنْكَ ، بِفَتْحِ الْيَاءِ وَإِسْكَانِ الصَّادِ الْمُهْمَلَةِ ، كَذَا فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ ، وَرُوِيَ فِي غَيْرِ مُسْلِمٍ مَا يَصْرِيكَ مِنِّي . قَالَ إِبْرَاهِيمُ الْحَرْبِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ : هُوَ الصَّوَابُ ، وَأَنْكَرَ الرِّوَايَةَ الَّتِي فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَغَيْرِهِ ، وَلَيْسَ كَمَا قَالَ ، بَلْ كِلَاهُمَا صَحِيحٌ ، وَأَنَّ السَّائِلَ مَتَى انْقَطَعَ عَنِ الْمَسْئُولِ ، انْقَطَعَ الْمَسْئُولُ عَنْهُ ، وَالْمَعْنَى : أَيُّ شَيْءٍ يُرْضِيكَ وَيَقْطَعُ السُّؤَالَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ ( أَيُرْضِيكَ أَنْ أُعْطِيَكَ الدُّنْيَا ) أَيْ : قَدْرَهَا ( وَمِثْلَهَا مَعَهَا قَالَ : أَيْ رَبِّ ! أَتَسْتَهْزِئُ مِنِّي ) أَيْ : أَتُحِلُّنِي مَحَلَّ الْمُسْتَهْزَأِ بِهِ ، ( وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ ) ؟ وَالْجُمْلَةُ حَالِيَّةٌ ، وَالِاسْتِهْزَاءُ بِالشَّيْءِ إِذَا أُسْنِدَ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى يُرَادُ إِنْزَالُ الْهَوَانِ عَلَيْهِ ، وَإِحْلَالُهُ إِيَّاهُ مَحَلَّ الْمُسْتَهْزَأِ بِهِ ، كَذَا ذَكَرَهُ شَارِحٌ . وَقَالَ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ لِلنَّوَوِيِّ : هَذَا وَارِدٌ مِنَ السُّؤَالِ عَلَى سَبِيلِ الْفَرَحِ وَالِاسْتِبْشَارِ . قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ : هَذَا الْكَلَامُ صَادِرٌ عَنْهُ ، وَهُوَ غَيْرُ ضَابِطٍ لِمَا نَالَ مِنَ السُّرُورِ بُلُوغَ مَا لَمْ يَخْطُرْ بِبَالِهِ ; فَلَمْ يَضْبُطْ لِسَانَهُ دَهْشَةً وَفَرَحًا ، عَلَى عَادَتِهِ فِي الدُّنْيَا مُخَاطَبَةَ الْمَخْلُوقِ ، وَنَحْوُهُ حَدِيثُ التَّوْبَةِ ، قَوْلُ الرَّجُلِ عِنْدَ وِجْدَانِ زَادِهِ مَعَ رَاحِلَتِهِ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ : أَنْتَ عَبْدِي وَأَنَا رَبُّكَ انْتَهَى . وَتَوْضِيحُهُ ، مَا ذَكَرَهُ ابْنُ الْمَلَكِ : إِنْ قِيلَ : صَدَرَ مِنْهُ هَذَا الْقَوْلُ بَعْدَ كَشْفِ الْغِطَاءِ ، وَاسْتِوَاءِ الْعَالِمِ وَالْجَاهِلِ فِي مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعَالَى فِيمَا يَجُوزُ عَلَى اللَّهِ ، وَمَا يَجُوزُ ؟ قُلْتُ : مَثَابَةُ هَذَا الْعَالِمِ مَثَابَةُ الْعَالِمِ الَّذِي يَسْتَوْلِي عَلَيْهِ الْفَرَحُ بِمَا آتَاهُ اللَّهُ ; فَيَزِلُّ لِسَانُهُ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ ، كَمَا أَخْطَأَ فِي الْقَوْلِ مَنْ ضَلَّتْ رَاحِلَتُهُ بِأَرْضِ فَلَاةٍ ، عَلَيْهَا طَعَامُهُ وَشَرَابُهُ ، فَأَيِسَ مِنْهَا ، ثُمَّ بَعْدَمَا وَجَدَهَا وَأَخَذَ بِخِطَامِهَا قَالَ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ : اللَّهُمَّ أَنْتَ عَبْدِي وَأَنَا رَبُّكَ . ( فَضَحِكَ ابْنُ مَسْعُودٍ ، فَقَالَ : أَلَا ) : بِالتَّخْفِيفِ ( تَسْأَلُونِي ) : بِالنُّونِ وَتَخْفِيفٍ ( مِمَّ أَضْحَكُ ) ؟ أَيْ : مِنْ أَيِّ شَيْءٍ أَضْحَكُ ؟ ( فَقَالُوا : مِمَّ تَضْحَكُ ؟ فَقَالَ ضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالُوا : مِمَّ تَضْحَكُ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ فَقَالَ : مِنْ ضَحِكِ رَبِّ الْعَالَمِينَ حِينَ قَالَ لَهُ : أَتَسْتَهْزِئُ مِنِّي وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ ) ؟ قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ : الضَّحِكُ مِنَ اللَّهِ وَمِنْ رَسُولِهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَإِنْ كَانَا مُتَّفِقَيْنِ فِي اللَّفْظِ ، فَإِنَّهُمَا مُتَبَايِنَانِ فِي الْمَعْنَى ; وَذَلِكَ أَنَّ الضَّحِكَ مِنَ اللَّهِ سُبْحَانَهُ يُحْمَلُ عَلَى كَمَالِ الرِّضَا عَنِ الْعَبْدِ ، وَإِرَادَةِ الْخَيْرِ مِمَّنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ يَرْحَمَهُ . وَقَالَ الْقَاضِي - رَحِمَهُ اللَّهُ : وَإِنَّمَا ضَحِكَ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اسْتِعْجَابًا وَسُرُورًا بِمَا رَأَى مِنْ كَمَالِ رَحْمَةِ اللَّهِ وَلُطْفِهِ عَلَى عَبْدِهِ الْمُذْنِبِ وَكَمَالِ الرِّضَا عَنْهُ ، وَأَمَّا ضَحِكُ ابْنِ مَسْعُودٍ ; فَكَانَ اقْتِدَاءً بِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِقَوْلِهِ : هَكَذَا ضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . قُلْتُ : الظَّاهِرُ أَنَّهُ لَاحَظَ الْمَعْنَى الْمُوجِبَ لِلضَّحِكَ ، لَا أَنَّهُ مُجَرَّدُ تَقْلِيدٍ وَحِكَايَةٍ لِفِعْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَإِنَّهُ لَيْسَ أَمْرًا اخْتِيَارِيًّا ، وَلَا يَصْدُرُ مِنْ غَيْرِ بَاعِثٍ مِنْ قَوْلٍ عَجِيبٍ ، أَوْ فِعْلٍ غَرِيبٍ . ( فَيَقُولُ : إِنِّي لَا أَسْتَهْزِئُ مِنْكَ ، وَلَكِنِّي عَلَى مَا أَشَاءُ قَادِرٌ ) : وَفِي نُسْخَةٍ قَدِيرٌ . قَالَ الطِّيبِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ : فَإِنْ قُلْتَ : مِمَّ اسْتَدْرَكَهُ ؟ قُلْتُ : عَنْ مُقَدَّرٍ ; فَإِنَّهُ تَعَالَى لَمَّا قَالَ لَهُ : أَيُرْضِيكَ أَنْ أُعْطِيَكَ الدُّنْيَا وَمِثْلَهَا مَعَهَا ، فَاسْتَبْعَدَهُ الْعَبْدُ لَمَّا رَأَى أَنَّهُ لَيْسَ أَهْلًا لِذَلِكَ ، وَقَالَ : أَتَسْتَهْزِئُ بِي ؟ قَالَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى : نَعَمْ ، كُنْتَ لَسْتَ أَهْلًا لَهُ ، لَكِنِّي أَجْعَلُكَ أَهْلًا لَهَا ، وَأُعْطِيكَ مَا اسْتَبْعَدْتَهُ ; لِأَنِّي عَلَى مَا أَشَاءُ قَدِيرٌ . ( رَوَاهُ مُسْلِمٌ ) : أَيْ : عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ .

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية