الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
جزء صفحة
مشكاة المصابيح - 5377 - وَعَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - قَالَتْ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ : " إِنَّ أَوَّلَ مَا يُكْفَأُ " - قَالَ زَيْدُ بْنُ يَحْيَى الرَّاوِيُّ : يَعْنِي الْإِسْلَامَ - " كَمَا يُكْفَأُ الْإِنَاءُ " يَعْنِي الْخَمْرَ ، قِيلَ : فَكَيْفَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ! وَقَدْ بَيَّنَ اللَّهُ فِيهَا مَا بَيَّنَ ؟ قَالَ : " يُسَمُّونَهَا بِغَيْرِ اسْمِهَا فَيَسْتَحِلُّونَهَا " . رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ . مرقاة المفاتيح 5377 - ( وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ : " إِنَّ أَوَّلَ مَا يُكْفَأُ " ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ مَهْمُوزًا مِنْ كَفَأْتُ الْإِنَاءَ أَيْ : قَلَبَتُهُ وَأَمَلْتُهُ وَكَبَيْتُهُ ; لِإِفْرَاغِ مَا فِيهِ ، قِيلَ : إِنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَتَحَدَّثُ فِي الْخَمْرِ ; فَقَالَ فِي أَثْنَاءِ حَدِيثِهِ : إِنَّ أَوَّلَ إِلَى آخِرِهِ ، فَالْخَبَرُ مَحْذُوفٌ أَيِ : الْخَمْرُ ، لَكِنَّهُ غَيْرُ مُلَائِمٍ لِمَا بَعْدَهُ مِنْ نَقْلِ الْمُؤَلِّفِ ( - قَالَ زَيْدُ بْنُ يَحْيَى الرَّاوِيُّ ) أَيْ : أَحَدُ رُوَاةِ هَذَا الْحَدِيثِ ( يَعْنِي الْإِسْلَامَ - ) : فَإِنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ مُرَادَهُ تَقْدِيرُ الْخَبَرِ ، وَأَنَّ مَعْنَاهُ : أَوَّلُ مَا يَتَغَيَّرُ الْإِسْلَامُ ، وَهُوَ الِانْقِيَادُ الظَّاهِرُ الْمُتَعَلِّقُ بِارْتِكَابِ الطَّاعَاتِ وَاجْتِنَابِ الْمُحَرَمَّاتِ ، وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ : ( كَمَا يُكْفَأُ الْإِنَاءُ ) أَيْ : مَا فِيهِ ، وَلِهَذَا قَالَ الرَّاوِيُّ : ( يَعْنِي ) أَيْ : يُرِيدُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِقَوْلِهِ : الْإِنَاءُ ( الْخَمْرُ ) إِمَّا عَلَى مَجَازِ الْحَذْفِ أَيْ مَظْرُوفِ الْإِنَاءِ ، وَإِمَّا عَلَى ذِكْرِ الْمَحَلِّ وَإِرَادَةِ الْحَالِ ، كَمَا حُقِّقَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ ، لَكِنْ يُشْكِلُ بِقَوْلِهِ : ( قِيلَ : فَكَيْفَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ! ) أَيْ : يَشْرَبُونَ الْخَمْرَ ، وَيُمْكِنُ دَفْعُهُ بِأَنْ يُقَالَ الْمَعْنَى : فَكَيْفَ الْحَالُ فِي انْقِلَابِ أَحْكَامِ الْإِسْلَامِ وَتِبْيَانِ الْحَلَالِ فِي الْحَرَامِ ( وَقَدْ بَيَّنَ اللَّهُ فِيهَا ) أَيْ : فِي الْخَمْرِ مَثَلًا ( مَا بَيَّنَ ؟ ) أَيْ : مِنْ تَحْرِيمِهَا ، ( قَالَ : " يُسَمُّونَهَا بِغَيْرِ اسْمِهَا " ) أَيْ : يُسَمُّونَهَا بَاسِمِ النَّبِيذِ وَالْمُثَلَّثِ ( فَيَسْتَحِلُّونَهَا ) أَيْ : حَقِيقَةً ; فَيَصِيرُونَ كَفَرَةً ، أَوْ فَيُظْهِرُونَ أَنَّهُمْ يَشْرَبُونَ شَيْئًا حَلَالًا ; فَيَكُونُونَ فَسَقَةً مَكَرَةً ، وَلِذَا قَالَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ : يَعْنِي أَنَّهُمْ يَسْتَتِرُونَ بِمَا أُبِيحَ لَهُمْ مِنَ الْأَنْبِذَةِ ; فَيَتَوَصَّلُوا بِذَلِكَ إِلَى اسْتِحْلَالِ مَا حُرِّمَ عَلَيْهِمْ مِنْهَا ، هَذَا مَا ظَهَرَ لِي فِي هَذَا الْمَقَامِ مِنْ حَلِّ الْمَرَامِ . وَقَالَ الطِّيبِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ : خَبَرُ أَنَّ مَحْذُوفٌ وَهُوَ الْخَمْرُ ، وَالْكَافُ فِي كَمَا يُكْفَأُ : صِفَةُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ ، يَعْنَى : أَوَّلُ مَا يُكْفَأُ مِنَ الْإِسْلَامِ إِكْفَاءٌ مِثْلُ إِكْفَاءِ مَا فِي الْإِنَاءِ ، انْتَهَى . وَأَفَادَ أَنَّ التَّقْدِيرَ : مِنَ الْإِسْلَامِ ، وَأَنَّ مِنْ تَبْعِيضِيةٌ سَاقِطَةٌ مِنَ الْكَلَامِ أَيْ : مِنْ أَحْكَامِهِ . وَقَالَ الْقَاضِي : يُكْفَأُ : يُقْلَبُ وَيُمَالُ ، وَيُقَالُ كَفَأْتُ الْقِدْرَ إِذَا قَلَبْتُهَا لِيَنْصَبَّ عَنْهَا مَا فِيهَا ، وَالْمُرَادُ بِهِ الشُّرْبُ هَاهُنَا ، فَإِنَّ الشَّارِبَ يَكْفَأُ الْقَدَحَ عِنْدَ الشُّرْبِ ، وَقَوْلُ الرَّاوِي : يَعْنِي الْإِسْلَامَ يُرِيدُ بِهِ فِي الْإِسْلَامِ ، وَسَقَطَ عَنْهُ ، وَالْمَعْنَى : أَنَّ أَوَّلَ مَا يُشْرَبُ مِنَ الْمُحَرَّمَاتِ وَيُجْتَرَأُ عَلَى شُرْبِهِ فِي الْإِسْلَامِ كَمَا يُشْرَبُ الْمَاءُ وَيُجْتَرَأُ عَلَيْهِ الْخَمْرُ ، وَيُؤَوِّلُونَ فِي تَحْلِيلِهَا بِأَنْ يُسَمُّونَهَا بِغَيْرِ اسْمِهَا : كَالنَّبِيذِ وَالْمُثَلَّثِ ، انْتَهَى ; فَيُفِيدُ أَنَّ النَّبِيذَ وَالْمُثَلَّثَ حَلَالَانِ ، وَأَنَّ حَقِيقَةَ الشَّيْءِ لَا يَتَغَيَّرُ بِتَغَيُّرِ اسْمِ شَيْءٍ عَلَيْهِ ، كَمَا يُسَمَّى الزِّنْجِيُّ بِالْكَافُورِ ، فَلَا يَصِحُّ اسْتِدْلَالُ مَنْ تَوَهَّمَ حُرْمَةَ الْقَهْوَةِ الْمُحْدَثَةِ بِأَنَّهَا مِنْ أَسْمَاءِ الْخَمْرِ ، وَلَا بِأَنَّهَا تُشْرَبُ عَلَى هَيْئَةِ أَهْلِ الشُّرْبِ ; لِأَنَّا نَقُولُ : لَا خُصُوصِيَّةَ حِينَئِذٍ بِالْقَهْوَةِ ، فَإِنَّ اللَّبَنَ وَالْمَاءَ وَمَاءَ الْوَرْدِ كَذَلِكَ ، عَلَى أَنَّ الشُّرْبَ الْمُتَعَارَفَ فِي الْحَرَمَيْنِ الشَّرِيفَيْنِ وَغَيْرِهَا لَيْسَ عَلَى مِنْوَالِ شُرْبِ الْفَسَقَةِ ، فَإِنَّهُ يَتَنَاوَلُ الزَّبَادِيَّ الْمُتَعَدِّدَةَ وَشُرْبَ جَمَاعَةٍ فِي حَالَةٍ مُتَّحِدَةٍ ; وَبِهَذَا تَزُولُ الْمُشَابَهَةُ وَتَرْتَفِعُ الشُّبْهَةُ ، وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى إِبَاحَتِهَا مَا نَصَّ اللَّهُ فِي كَلَامِهِ بِقَوْلِهِ : هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَأَنَّ الْأَصْلَ فِي الْأَشْيَاءِ الْإِبَاحَةُ مَا لَمْ يَصْرِفْ عَنْهَا دَلِيلٌ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَإِجْمَاعِ الْأُمَّةِ ، أَوِ الْقِيَاسِ عَلَى وَجْهِ الصِّحَّةِ . ( رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ ) . وَرَوَى أَحْمَدُ عَنِ الضِّيَاءِ ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ مَرْفُوعًا : " لَتَسْتَحِلَّنَ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي الْخَمْرَ بِاسْمٍ يُسَمُّونَهَا إِيَّاهُ " .

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية