الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
جزء صفحة
مشكاة المصابيح 5375 - 5376 - وَعَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ ، وَمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : " إِنَّ هَذَا الْأَمْرَ بَدَأَ نُبُوَّةً وَرَحْمَةً ، ثُمَّ يَكُونُ خِلَافَةً وَرَحْمَةً ، ثُمَّ مُلْكًا عَضُوضًا ، ثُمَّ كَائِنٌ جَبْرِيَّةً وَعُتُوًّا وَفَسَادًا فِي الْأَرْضِ ، يَسْتَحِلُّونَ الْحَرِيرَ وَالْفُرُوجَ وَالْخُمُورَ ، يُرْزَقُونَ عَلَى ذَلِكَ وَيُنْصَرُونَ ، حَتَّى يَلْقَوُا اللَّهَ " . رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي ( شُعَبِ الْإِيمَانِ ) . مرقاة المفاتيح 5375 - 5376 - ( وَعَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ ، وَمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : " إِنَّ هَذَا الْأَمْرَ " ) أَيْ : مَا بُعِثَ بِهِ مِنْ إِصْلَاحِ النَّاسِ دِينًا وَدُنْيَا وَهُوَ الْإِسْلَامُ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ مِنَ الْأَحْكَامِ ( " بَدَأَ " ) بِالْأَلْفِ أَيْ : ظَهَرَ ، وَفَى نُسْخَةٍ بِالْهَمْزَةِ أَيْ : ابْتَدَأَ أَوَّلُ أَمْرِ الدِّينِ إِلَى آخِرِ زَمَانِهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - زَمَانِ نُزُولِ الْوَحْيِ وَالرَّحْمَةِ ( نُبُوَّةً وَرَحْمَةً ) نَصْبُهَا عَلَى التَّمْيِيزِ أَوِ الْحَالِ أَيْ : ذَا نُبُوَّةٍ وَرَحْمَةٍ كَامِلَةٍ ، مِنْ نَبِيِّ الرَّحْمَةِ عَلَى الْأُمَّةِ الْمَرْحُومَةِ ( ثُمَّ يَكُونُ ) أَيْ : أَمْرُ الدِّينِ ( " خِلَافَةً " ) أَيْ : نِيَابَةً عَنْ حَضْرَةِ النُّبُوَّةِ ( وَرَحْمَةً ) أَيْ : شَفَقَةً عَلَى الْأُمَّةِ بِطَرِيقِ كَمَالِ الْوِلَايَةِ عَلَى وَجْهِ التَّبَعِيَّةِ إِلَى ثَلَاثِينَ سَنَةً ، فَانْقَضَتْ بِسِتَّةِ أَشْهُرٍ أَيَّامَ الْحَسَنِ ، فَلَيْسَ لِمُعَاوِيَةَ نَصِيبٌ فِي الْخِلَافَةِ خِلَافًا لِمَنْ خَالَفَهُ ، ( " ثُمَّ مُلْكًا عَضُوضًا " ) بِفَتْحِ الْعَيْنِ فَعُولٌ لِلْمُبَالِغَةِ ، مِنَ الْعَضِّ بِالسِّنِّ أَيْ : يُصِيبُ الرَّعِيَّةَ فِيهِ ظُلْمٌ يُعَضُّونَ فِيهِ عَضَّا ، وَرَوَى بِضَمِّ الْعَيْنِ جَمْعِ عَضٍّ بِالْكَسْرِ ، وَهُوَ الْخَبِيثُ الشِّرِّيرُ أَيْ : يَكُونُ مُلُوكًا يَظْلِمُونَ النَّاسَ ، وَيُؤْذُونَهُمْ بِغَيْرِ حَقٍّ ، وَهَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى الْغَالِبِ إِذِ النَّادِرُ لَا حُكْمَ لَهُ ، فَلَا يُشَكُّ بِأَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ كَانَ عَادِلًا حَتَّى سُمِّيَ عُمَرَ الثَّانِي ، وَقَضَايَاهُ مَشْهُورَةٌ وَمَنَاقِبُهُ مَسْطُورَةٌ ، ( " ثُمَّ كَائِنَ " ) أَيْ : ذَلِكَ الْأَمْرُ أَوْ ثُمَّ هَذَا الْأَمْرُ كَائِنٌ ( " جَبْرِيَّةً " ) بِفَتْحِ الْجِيمِ وَالْمُوَحَّدَةِ عَلَى النَّصْبِ أَيْ : قَهْرًا وَغَلَبَةً ( وَعُتُوًّا ) بِضَمَّتَيْنِ فَتَشْدِيدٍ أَيْ : تَكَبُّرًا ( " وَفَسَادًا فِي الْأَرْضِ " ) ، أَيْ فِي الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ مُنْكَرَاتِ الْعِظَامِ ، وَلَعَلَّ وَجْهَ الْعُدُولِ فِي الْكَلَامِ هُوَ الِاسْتِمْرَارُ وَالدَّوَامُ ، كَمَا هُوَ مُشَاهَدٌ فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ ، حَيْثُ اسْتَقَرَّتِ الْخِلَافَةُ فِي أَيْدِي الظَّلَمَةِ بِطَرِيقِ التَّسَلُّطِ وَالْغَلَبَةِ ، مِنْ غَيْرِ مُرَاعَاةِ شُرُوطِ الْإِمَامَةِ أَوَّلًا ، ثُمَّ فِي زِيَادَةِ الظُّلْمِ وَالتَّعَدِّي عَلَى الرَّعَايَا ، وَالتَّحَكُّمِ عَلَيْهِمْ بِأَنْوَاعِ الْبَلَايَا وَأَصْنَافِ الرَّزَايَا ثَانِيًا ، ثُمَّ فِي إِعْطَاءِ الْمَنَاصِبِ لِغَيْرِ أَرْبَابِهَا الْمُسْتَحِقِّ لَهَا ، وَعَدَمِ الِالْتِفَاتِ إِلَى الْعُلَمَاءِ الْعَامِلِينَ وَالْأَوْلِيَاءِ الصَّالِحِينَ ثَالِثًا ، ثُمَّ غَالِبُ سَلَاطِينِ زَمَانِنَا تَرَكُوا الْقِتَالَ مَعَ الْمُشْرِكِينَ ، وَتَوَجَّهُوا إِلَى مُقَاتَلَةِ الْمُسْلِمِينَ لِأَخْذِ الْبِلَادِ وَإِعْطَاءِ الْفَسَادِ ; وَلِذَا قَالَ بَعْضُ عُلَمَائِنَا : مَنْ قَالَ سُلْطَانُ زَمَانِنَا عَادَلٌ فَهُوَ كَافِرٌ ، وَمَا أَقْبَحَ مَا صَدَرَ مِنْ بَعْضِ خَوَانِينِ الْأَزْبَكِ فِي زَمَانِنَا أَنَّهُ أَمَرَ بِالْقَتْلِ الْعَامِّ فِي بَلَدٍ عَظِيمٍ مِنْ بُلْدَانِ أَهْلِ الْإِسْلَامِ الْمُشْتَمِلِ عَلَى الْمَشَايِخِ الْكِرَامِ ، وَالسَّادَاتِ الْعِظَامِ ، وَعُلَمَاءِ الْإِسْلَامِ ، وَالنِّسَاءِ ، وَالضُّعَفَاءِ ، وَالْأَطْفَالِ ، وَسَائِرِ الْمَرْضَى وَالْعُمْيَانِ ، وَالْأَهْلِ وَالْعِيَالِ أُلُوفًا مُؤَلَّفَةً ، وَصُنُوفًا مُؤْتَلِفَةً ، وَالْحَالُ أَنَّ أَهْلَ الْبَلَدِ الْمَذْكُورِ عَلَى الْمِلَّةِ الْحَنِيفِيَّةِ وَمَذْهَبِ الْحَنَفِيَّةِ مِنْ جُمْلَةِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ ، وَمُدَّعِي السَّلْطَنَةِ يَزْعُمُ أَنَّهُ عَلَى تَعْظِيمِ الْعِلْمِ وَالشَّرِيعَةِ ، وَقَدْ صَرَّحَ عُلَمَاؤُنَا بِأَنَّ الْمُسْلِمِينَ لَوْ فَتَحُوا قَلْعَةً مِنْ أَهْلِ الْكُفْرِ ، وَيُوجَدُ فِيهِمْ أُلُوفٌ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ ، لَكِنْ فِيهِمْ ذِمِّيٌّ وَاحِدٌ مَجْهُولُ الْعَيْنِ فِيمَا بَيْنَهُمْ ، لَا يَحِلُّ قَتْلُ الْعَامِّ فِي ذَلِكَ الْمَقَامِ ، فَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ ، وَمَا شَاءَ اللَّهُ كَانَ ، وَمَا لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ ، أَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَئٍ قَدِيرٌ ، وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا ، هَذَا وَقَدْ ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ ، حَتَّى فِي الْحَرَمَيْنِ الشَّرِيفَيْنِ مِمَّا لَمْ يُمْكِنْ ذِكْرُهُ ، وَمِمَّا لَمْ يُتَصَوَّرْ فِكْرُهُ ، وَاللَّهُ وَلِيُّ دِينِهِ وَنَاصِرُ نَبِيِّهِ ، وَكُلُّ عَامٍ بَلْ كُلُّ يَوْمٍ بَلْ كُلُّ سَاعَةٍ شَرٌّ مِمَّا قَبْلَهُ إِلَى أَنْ تَقُومَ السَّاعَةُ ، وَلَمْ يَكُنْ فِي الْأَرْضِ مَنْ يَقُولُ : اللَّهُ اللَّهُ وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ : ( يَسْتَحِلُّونَ الْحَرِيرَ وَالْفُرُوجَ وَالْخُمُورَ ) أَيْ بِأَنْوَاعِهَا كَمَا سَبَقَ ، ( يُرْزَقُونَ ) وَفِي نُسْخَةٍ : وَيُرْزَقُونَ ، أَيْ وَالْحَالُ أَنَّهُمْ يُرْزَقُونَ ، ( عَلَى ذَلِكَ ) أَيْ : مَا ذُكِرَ مِنَ الِاسْتِحْلَالِ وَسَائِرِ قَبَائِحِ الْأَفْعَالِ ، ( وَيُنْصَرُونَ ) أَيْ : عَلَى مَقَاصِدِهِمْ مِنَ الْأَعْمَالِ لِحِكْمَةٍ عَجَزَتْ عَنْ إِدْرَاكِهَا أَرْبَابُ الْكَمَالِ ( " حَتَّى يَلْقَوُا اللَّهَ " ) . إِشَارَةً إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى : وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ . ( رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي " شُعَبِ الْإِيمَانِ " ) . قُلْتُ : وَكَانَ الْأَوْلَى أَنْ يَذْكُرَهُ فِي كِتَابِهِ دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ .

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية