الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                          جزء صفحة
                                                          وَأَمَّا الْحُكْمُ الثَّانِي ( وَهُوَ الْإِدْغَامُ ) فَإِنَّهُ يَأْتِي عِنْدَ سِتَّةِ أَحْرُفٍ أَيْضًا وَهِيَ حُرُوفُ " يَرْمِلُونَ " مِنْهَا حَرْفَانِ بِلَا غُنَّةٍ وَهُمَا اللَّامُ وَالرَّاءُ نَحْوَ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا ، هُدًى لِلْمُتَّقِينَ ، مِنْ رَبِّهِمْ ، ثَمَرَةٍ رِزْقًا هَذَا هُوَ مَذْهَبُ الْجُمْهُورِ مِنْ أَهْلِ الْأَدَاءِ وَالْجُلَّةِ مِنْ أَئِمَّةِ التَّجْوِيدِ وَهُوَ الَّذِي عَلَيْهِ الْعَمَلُ عِنْدَ أَئِمَّةِ الْأَمْصَارِ فِي هَذِهِ الْأَعْصَارِ وَهُوَ الَّذِي لَمْ يَذْكُرِ الْمَغَارِبَةُ قَاطِبَةً وَكَثِيرٌ مِنْ غَيْرِهِمْ سِوَاهُ كَصَاحِبِ التَّيْسِيرِ ، وَالشَّاطِبِيَّةِ ، وَالْعُنْوَانِ ، وَالْكَافِي ، وَالْهَادِي ، وَالتَّبْصِرَةِ ، وَالْهِدَايَةِ ، وَتَلْخِيصِ الْعِبَارَاتِ وَالتَّجْرِيدِ ، وَالتَّذْكِرَةِ ، وَغَيْرِهِمْ . وَذَهَبَ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْأَدَاءِ إِلَى الْإِدْغَامِ مَعَ إِبْقَاءِ الْغُنَّةِ ، وَرَوَوْا ذَلِكَ عَنْ أَكْثَرِ أَئِمَّةِ الْقِرَاءَةِ كَنَافِعٍ ، وَابْنِ كَثِيرٍ ، وَأَبِي عَمْرٍو ، وَابْنِ عَامِرٍ ، وَعَاصِمٍ ، وَأَبِي جَعْفَرٍ ، وَيَعْقُوبَ ، وَغَيْرِهِمْ وَهِيَ رِوَايَةُ أَبِي الْفَرَجِ النَّهْرَوَانِيِّ عَنْ نَافِعٍ ، وَابْنِ كَثِيرٍ ، وَأَبِي عَمْرٍو ، وَابْنِ عَامِرٍ ، نَصَّ عَلَى ذَلِكَ أَبُو طَاهِرِ بْنُ سَوَّارٍ فِي الْمُسْتَنِيرِ عَنْ شَيْخِهِ أَبِي عَلِيٍّ الْعَطَّارِ عَنْهُ ، وَقَالَ فِيهِ : وَخَيَّرَ الطَّبَرِيُّ عَنْ قَالُونَ مِنْ طَرِيقِ الْحُلْوَانِيِّ قَالَ : وَذَكَرَ أَبُو الْحَسَنِ الْخَيَّاطُ عَنِ السُّوسِيِّ وَأَبِي زَيْدٍ كَذَلِكَ ثُمَّ قَالَ : وَقَرَأْتُ عَلَى أَبِي عَلِيٍّ الْعَطَّارِ عَنْ حَمَّادٍ وَالنَّقَّاشِ بِتَبْقِيَةِ الْغُنَّةِ أَيْضًا . وَرَوَاهُ أَبُو الْعِزِّ فِي إِرْشَادِهِ عَنِ النَّهْرَوَانِيِّ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ ، وَزَادَ فِي الْكِفَايَةِ عَنِ ابْنِ حَبَشٍ عَنِ السُّوسِيِّ ، وَعَنْ أَحْمَدَ بْنِ صَالِحٍ عَنْ قَالُونَ ، وَعَنْ نَظِيفٍ عَنْ قُنْبُلٍ ، وَرَوَاهُ الْحَافِظُ أَبُو الْعَلَاءِ فِي غَايَتِهِ عَنْ عِيسَى بْنِ وَرْدَانَ ، وَعَنِ السُّوسِيِّ ، وَعَنِ الْمُسَيَّبِيِّ عَنْ نَافِعٍ ، وَعَنِ النَّهْرَوَانِيِّ عَنِ الْيَزِيدِيِّ وَانْفَرَدَ بِتَبْقِيَةِ الْغُنَّةِ عَنِ الصُّورِيِّ عَنِ ابْنِ ذَكْوَانَ فِي الرَّاءِ خَاصَّةً وَأَطْلَقَ ابْنُ مِهْرَانَ الْوَجْهَيْنِ عَنْ غَيْرِ أَبِي جَعْفَرٍ ، وَحَمْزَةَ ، وَالْكِسَائِيِّ ، وَخَلَفٍ ، وَقَالَ : إِنَّ الصَّحِيحَ عَنْ أَبِي عَمْرٍو إِظْهَارُ الْغُنَّةِ ، وَرَوَاهُ صَاحِبُ الْمُبْهِجِ عَنِ الْمُطَّوِّعِيِّ عَنْ أَبِي بَكْرٍ عِنْدَ الرَّاءِ ، وَعَنِ الشَنَبُوذِيِّ عَنْ أَبِي بَكْرٍ فِيهِمَا بِوَجْهَيْنِ قَالَ وَقَرَأْتُ عَلَى شَيْخِنَا الشَّرِيفِ بِالتَّبْقِيَةِ فِيهِمَا عِنْدَهُمَا قَالَ : وَخَيَّرَ الْبَزِّيُّ بَيْنَ الْإِدْغَامِ وَالْإِظْهَارِ فِيهِمَا عِنْدَهُمَا . قَالَ : وَبِالْوَجْهَيْنِ قَرَأْتُ ، وَرَوَاهُ أَبُو الْقَاسِمِ الْهُذَلِيُّ فِي الْكَامِلِ عَنْ غَيْرِ حَمْزَةَ وَالْكِسَائِيِّ ، وَخَلَفٍ ، وَهِشَامٍ ، وَعَنْ غَيْرِ الْفَضْلِ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ ، وَعَنْ وَرْشٍ ، غَيْرِ الْأَزْرَقِ ، وَذَكَرَهُ أَبُو الْفَضْلِ الْخُزَاعِيُّ فِي الْمُنْتَهَى عَنِ ابْنِ حَبَشٍ عَنِ السُّوسِيِّ ، وَعَنِ ابْنِ مُجَاهِدٍ عَنْ قُنْبُلٍ ، وَعَنْ حَفْصٍ مِنْ غَيْرِ طَرِيقِ زَرْعَانَ ، وَعَنِ الْحُلْوَانِيِّ عَنْ هِشَامٍ ، وَعَنِ الصُّورِيِّ عَنِ ابْنِ ذَكْوَانَ ، وَذَكَرَهُ فِي جَامِعِ الْبَيَانِ عَنْ قُنْبُلٍ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ شَنَبُوذَ فِي اللَّامِ خَاصَّةً ، وَعَنِ الزَّيْنَبِيِّ عَنْ أَبِي رَبِيعَةَ عَنِ الْبَزِّيِّ ، وَقُنْبُلٍ فِي اللَّامِ وَالرَّاءِ ، وَعَنِ ابْنِ عَوْنٍ عَنِ الْحُلْوَانِيِّ عَنْ قَالُونَ ، وَعَنِ الْأَصْبَهَانِيِّ عَنْ وَرْشٍ ، وَعَنِ الشَّمُّونِيِّ عَنِ الْأَعْشَى عَنْ أَبِي بَكْرٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبَّادٍ عَنْ هِشَامٍ ، وَرَوَاهُ الْأَهْوَازِيُّ فِي وَجِيزِهِ عَنْ رَوْحٍ ( قُلْتُ ) : وَقَدْ وَرَدَتِ الْغُنَّةُ مَعَ اللَّامِ وَالرَّاءِ عَنْ كُلٍّ مِنَ الْقُرَّاءِ وَصَحَّتْ مِنْ طَرِيقِ كُتَّابِنَا نَصًّا وَأَدَاءً عَنْ أَهْلِ الْحِجَازِ وَالشَّامِ وَالْبَصْرَةِ وَحَفْصٍ . وَقَرَأْتُ بِهَا مِنْ رِوَايَةِ قَالُونَ ، وَابْنِ كَثِيرٍ ، وَهِشَامٍ ، وَعِيسَى بْنِ وَرْدَانَ ، وَرَوْحٍ ، وَغَيْرِهِمْ ( وَالْأَرْبَعَةُ أَحْرُفٍ ) الْبَاقِيَةُ مِنْ " يَرْمُلُونَ " وَهِيَ : النُّونُ وَالْمِيمُ وَالْوَاوُ وَالْيَاءُ . وَهِيَ حُرُوفُ " يَنْمُو " تُدْغَمُ فِيهَا النُّونُ السَّاكِنَةُ وَالتَّنْوِينُ بِغُنَّةٍ نَحْوَ عَنْ نَفْسٍ ، حِطَّةٌ نَغْفِرْ ، مِنْ مَالٍ ، مَثَلًا مَا ، مِنْ وَالٍ ، وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ ، مَنْ يَقُولُ ، وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ . وَاخْتُلِفَ مِنْهَا فِي الْوَاوِ وَالْيَاءِ فَأَدْغَمَ خَلَفٌ عَنْ حَمْزَةَ فِيهِمَا النُّونَ وَالتَّنْوِينِ بِلَا غُنَّةٍ وَاخْتُلِفَ عَنِ الدُّورِيِّ عَنِ الْكِسَائِيِّ فِي الْيَاءِ فَرَوَى أَبُو عُثْمَانَ الضَّرِيرُ الْإِدْغَامَ بِغَيْرِ غُنَّةٍ كَرِوَايَةِ خَلَفٍ عَنْ حَمْزَةَ . وَرَوَى عَنْهُ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ : تَبْقِيَةَ الْغُنَّةِ كَالْبَاقِينَ وَأَطْلَقَ الْوَجْهَيْنِ لَهُ صَاحِبُ الْمُبْهِجِ وَكِلَاهُمَا صَحِيحٌ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - . وَانْفَرَدَ صَاحِبُ الْمُبْهِجِ بِعَدَمِ الْغُنَّةِ عِنْدَ الْيَاءِ عَنْ قُنْبُلٍ مِنْ طَرِيقِ الشَّطَوِيِّ عَنِ ابْنِ شَنَبُوذَ ، فَخَالَفَ سَائِرَ الْمُؤَلِّفِينَ وَأَجْمَعُوا عَلَى إِظْهَارِ النُّونِ السَّاكِنَةِ عِنْدَ الْوَاوِ وَالْيَاءِ إِذَا اجْتَمَعَا فِي كَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ نَحْوَ صِنْوَانٌ ، وَ قِنْوَانٌ ، وَ الدُّنْيَا ، وَ بُنْيَانٌ لِئَلَّا يَشْتَبِهَ بِالْمُضَعَّفِ نَحْوَ صَوَّانٍ ، وَحَيَّانٍ ; وَكَذَلِكَ أَظْهَرَهَا الْعَرَبُ مَعَ الْمِيمِ فِي الْكَلِمَةِ فِي نَحْوِ قَوْلِهِمْ شَاةٌ زَنْمَاءُ ، وَغَنَمٌ زَنْمٌ ، وَلَمْ يَقَعْ مِثْلُهُ فِي الْقُرْآنِ ، وَقَدِ اخْتَلَفَ رَأْيُ أَئِمَّتِنَا فِي ذِكْرِ النُّونِ مَعَ هَذِهِ الْحُرُوفِ فَكَانَ الْحَافِظُ أَبُو عَمْرٍو الدَّانِيُّ مِمَّنْ يَذْهَبُ إِلَى عَدَمِ ذِكْرِهَا مَعَهُنَّ قَالَ فِي جَامِعِهِ ، وَالْقُرَّاءُ مِنَ الْمُصَنِّفِينَ يَقُولُونَ : تُدْغَمُ النُّونُ السَّاكِنَةُ وَالتَّنْوِينُ فِي سِتَّةِ أَحْرُفٍ فَيَزِيدُونَ النُّونَ نَحْوَ مِنْ نَارٍ ، يَوْمَئِذٍ نَاعِمَةٌ قَالَ وَزَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّ ابْنَ مُجَاهِدٍ جَمَعَ السِّتَّةَ الْأَحْرُفَ فِي كَلِمَةِ " يَرْمُلُونَ " قَالَ وَذَلِكَ غَيْرُ صَحِيحٍ عَنْهُ لِأَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ أَحْمَدَ حَدَّثَنَا عَنْهُ فِي كِتَابِهِ ( السَّبْعَةُ ) أَنَّ النُّونَ السَّاكِنَةَ وَالتَّنْوِينَ يُدْغِمَانِ فِي الرَّاءِ وَاللَّامِ وَالْمِيمِ وَالْيَاءِ وَالْوَاوِ وَلَمْ يَذْكُرِ النُّونَ إِذْ لَا مَعْنَى لِذِكْرِهَا مَعَهُنَّ ؛ لِأَنَّهَا إِذَا أَتَتْ سَاكِنَةً وَلَقِيَتْ مِثْلَهَا لَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِنْ إِدْغَامِهَا فِيهَا ضَرُورَةً ، وَكَذَلِكَ التَّنْوِينُ كَسَائِرِ الْمِثْلَيْنِ إِذَا الْتَقَيَا وَسَكَنَ الْأَوَّلُ مِنْهُمَا ثُمَّ قَالَ : وَلَوْ صَحَّ أَنَّ ابْنَ مُجَاهِدٍ جَمَعَ كَلِمَةَ يَرْمُلُونَ السِّتَّةَ الْأَحْرُفَ لَكَانَ إِنَّمَا جَمَعَ مِنْهَا النُّونَ وَمَا تُدْغَمُ فِيهِ انْتَهَى . وَلَا يَخْفَى مَا فِيهِ . وَالتَّحْقِيقُ فِي ذَلِكَ أَنْ يُقَالَ إِنْ أُرِيدَ بِإِدْغَامِ النُّونِ فِي غَيْرِ مِثْلِهَا فَإِنَّهُ لَا وَجْهَ لِذِكْرِ النُّونِ فِي حُرُوفِ الْإِدْغَامِ . وَإِنْ أُرِيدَ بِإِدْغَامِهَا مُطْلَقُ مَا يُدْغَمَانِ فِيهِ فَلَا بُدَّ مِنْ ذِكْرِ النُّونِ فِيهَا وَعَلَى ذَلِكَ مَشَى الدَّانِيُّ فِي تَيْسِيرِهِ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - . وَاخْتَلَفَ أَيْضًا رَأْيُهُمْ فِي الْغُنَّةِ الظَّاهِرَةِ حَالَةَ إِدْغَامِ النُّونِ السَّاكِنَةِ وَالتَّنْوِينِ فِي الْمِيمِ هَلْ هِيَ غُنَّةُ النُّونِ الْمُدْغَمَةِ ، أَوْ غُنَّةُ الْمِيمِ الْمَقْلُوبَةِ لِلْإِدْغَامِ ؟ فَذَهَبَ إِلَى الْأَوَّلِ أَبُو الْحَسَنِ بْنُ كِيسَانَ النَّحْوِيُّ ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ مُجَاهِدٍ الْمُقْرِيُّ ، وَغَيْرُهُمَا وَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّ تِلْكَ الْغُنَّةَ غُنَّةُ الْمِيمِ لَا غُنَّةُ النُّونِ وَالتَّنْوِينِ لِانْقِلَابِهِمَا إِلَى لَفْظِهَا وَهُوَ اخْتِيَارُ الدَّانِيِّ وَالْمُحَقِّقِينَ وَهُوَ الصَّحِيحُ لِأَنَّ الْأَوَّلَ قَدْ ذَهَبَ بِالْقَلْبِ فَلَا فَرْقَ فِي اللَّفْظِ بِالنُّطْقِ بَيْنَ مِنْ مَنْ ، وَإِنَّ مِنَ وَبَيْنَ هُمْ مِنْ ، وَ أَمْ مَنْ وَأَمَّا مَا رُوِيَ عَنْ بَعْضِهِمْ إِدْغَامُ الْغُنَّةِ وَإِذْهَابُهَا عِنْدَ الْمِيمِ فَغَيْرُ صَحِيحٍ ، إِذْ لَا يُمْكِنُ النُّطْقُ بِهِ وَلَا هُوَ فِي الْفِطْرَةِ وَلَا الطَّاقَةِ وَهُوَ خِلَافُ إِجْمَاعِ الْقُرَّاءِ ، وَالنَّحْوِيِّينَ ، وَلَعَلَّهُمْ أَرَادُوا بِذَلِكَ غُنَّةَ الْمُدْغَمِ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - .

                                                          ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                          الخدمات العلمية