الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                      جزء صفحة
                                                                                                                                                                                                                                      الْحِكْمَةُ فِي الْأَذَانِ أَمَّا الْحِكْمَةُ فِي الْأَذَانِ فَإِنَّ أَعْظَمَهَا أَنَّ مِنْ خَصَائِصِ هَذِهِ الْأُمَّةِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي أَصْلِ مَشْرُوعِيَّتِهِ ، وَقَدِ اشْتَمَلَ عَلَى أُصُولِ عَقَائِدِ التَّوْحِيدِ تُعْلَنُ عَلَى الْمَلَأِ ، تَمْلَأُ الْأَسْمَاعَ حَتَّى صَارَ شِعَارَ الْمُسْلِمِينَ . وَنُقِلَ عَنِ الْقَاضِي عِيَاضٍ رَحِمَهُ اللَّهُ قَوْلُهُ : اعْلَمْ أَنَّ الْأَذَانَ كَلَامٌ جَامِعٌ لِعَقِيدَةِ الْإِيمَانِ مُشْتَمِلٌ عَلَى نَوْعِهِ مِنَ الْعَقْلِيَّاتِ وَالسَّمْعِيَّاتِ ، فَأَوَّلُهُ : إِثْبَاتُ الذَّاتِ وَمَا تَسْتَحِقُّهُ مِنَ الْكِمَالَاتِ وَالتَّنْزِيهِ عَنْ أَضْدَادِهَا وَذَلِكَ بِقَوْلِهِ : اللَّهُ أَكْبَرُ وَهَذِهِ اللَّفْظَةُ مَعَ اخْتِصَارِ لَفْظِهَا دَالَّةٌ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ . ثُمَّ يُصَرِّحُ بِإِثْبَاتِ الْوَحْدَانِيَّةِ وَنَفْيِ ضِدِّهَا مِنَ الشَّرِكَةِ الْمُسْتَحِيلَةِ فِي حَقِّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ، وَهَذِهِ عُمْدَةُ الْإِيمَانِ وَالتَّوْحِيدِ الْمُقَدَّمَةِ عَلَى كُلِّ وَظَائِفِ الدِّينِ ، ثُمَّ يُصَرِّحُ بِإِثْبَاتِ النُّبُوَّةِ وَالشَّهَادَةِ بِالرِّسَالَةِ لِنَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهِيَ قَاعِدَةٌ عَظِيمَةٌ بَعْدَ الشَّهَادَةِ بِالْوَحْدَانِيَّةِ ، وَمَوْضِعُهَا بَعْدَ التَّوْحِيدِ ; لِأَنَّهَا مِنْ بَابِ الْأَفْعَالِ الْجَائِزَةِ الْوُقُوعِ ، وَتِلْكَ الْمُقَدِّمَاتُ مِنْ بَابِ الْوَاجِبَاتِ وَبَعْدَ هَذِهِ الْقَوَاعِدِ كَلِمَاتُ الْعَقَائِدِ الْعَقْلِيَّاتِ ، فَدَعَا إِلَى الصَّلَاةِ وَجَعَلَهَا عَقِبَ إِثْبَاتِ النُّبُوَّةِ ، لِأَنَّ مَعْرِفَةَ وُجُوبِهَا مِنْ جِهَةِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا مِنْ جِهَةِ الْعَقْلِ . ثُمَّ دَعَا إِلَى الْفَلَاحِ وَهُوَ الْفَوْزُ وَالْبَقَاءُ فِي النَّعِيمِ الْمُقِيمِ ، وَفِيهِ إِشْعَارٌ بِأُمُورِ الْآخِرَةِ مِنَ الْبَعْثِ وَالْجَزَاءِ وَهِيَ آخِرُ تَرَاجِمِ عَقَائِدِ الْإِسْلَامِ . إِلَخْ . وَمُرَادُهُ بِالْعَقْلِيَّاتِ فِي الْعَقَائِدِ أَيْ إِثْبَاتُ وُجُودِ اللَّهِ وَأَنَّهُ وَاحِدٌ لَا شَرِيكَ لَهُ ، وَهُوَ الْمَعْرُوفُ عِنْدَهُمْ بِقَانُونِ الْإِلْزَامِ ، الَّذِي يُقَالُ فِيهِ : إِنَّ الْمَوْجُودَ إِمَّا جَائِزُ الْوُجُودِ أَوْ وَاجِبُهُ ، فَجَائِزُ الْوُجُودِ جَائِزُ الْعَدَمِ قَبْلَ وُجُودِهِ وَاسْتَوَى الْوُجُودُ وَالْبَقَاءُ فِي الْعَدَمِ قَبْلَ أَنْ يُوجَدَ ، فَتَرَجَّحَ وُجُودُهُ عَلَى بَقَائِهِ فِي الْعَدَمِ ، وَهَذَا التَّرْجِيحُ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ مُرَجِّحٍ وَهُوَ اللَّهُ تَعَالَى . وَوَاجِبُ الْوُجُودِ لَمْ يَحْتَجْ إِلَى مُوجِدٍ ، وَلَمْ يَجُزْ فِي صِفَةِ عَدَمٍ وَإِلَّا لَاحْتَاجَ مُوجِدُهُ إِلَى مُوجِدٍ ، وَمُرَجِّحُ وُجُودِهِ عَلَى مَوْجُودٍ . وَهَكَذَا فَاقْتَضَى الْإِلْزَامُ الْعَقْلِيُّ وُجُوبَ وُجُودِ مُوجِدٍ وَاجِبِ الْوُجُودِ ، وَهَذَا مِنْ حَيْثُ الْوُجُودُ فَقَطْ ، وَقَدْ أُدْخِلَ الْعَقْلُ فِي بَعْضِ الصِّفَاتِ الَّتِي يَسْتَلْزِمُهَا الْوُجُودُ ، وَالْحَقُّ أَنَّ الْعَقْلَ لَا دَخْلَ لَهُ فِي الْعَقَائِدِ مِنْ حَيْثُ الْإِثْبَاتُ أَوِ النَّفْيُ ; لِأَنَّهَا سَمْعِيَّةٌ وَلَا تُؤْخَذُ إِلَّا عَنِ الشَّارِعِ الْحَكِيمِ ، لِأَنَّ الْعَقْلَ يَقْصُرُ عَنْ ذَلِكَ ، وَمُرَادُنَا التَّنْبِيهُ عَلَى إِدْخَالِ الْعَقْلِيَّاتِ هُنَا فَقَطْ . وَقَدْ سُقْنَا كَلَامَ الْقَاضِي عِيَاضٍ هَذَا فِي حِكْمَةِ الْأَذَانِ لِوَجَاهَتِهِ ، وَلِتَعْلَمَ مِنْ خُصُوصِيَّةِ الْأَذَانِ فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ وَغَيْرِهَا بِهِ أَنَّهُ لَيْسَ بِصَلْصَلَةِ نَاقُوسٍ أَجْوَفَ ، وَلَا أَصْوَاتِ بُوقٍ أَهْوَجَ ، وَلَا دَقَّاتِ طَبْلٍ أَرْعَنَ ، كَمَا هُوَ الْحَالُ عِنْدَ الْآخَرِينَ ، بَلْ هُوَ كَلِمَاتٌ وَنِدَاءٌ يُوقِظُ الْقُلُوبَ مِنْ سُبَاتِهَا ، وَتُفِيقُ النُّفُوسُ مِنْ غَفْلَتِهَا ، وَتَكُفُّ الْأَذْهَانُ عَنْ تَشَاغُلِهَا ، وَتُهَيِّئُ الْمُسْلِمَ إِلَى هَذِهِ الْفَرِيضَةِ الْعُظْمَى ، ثَانِيَةِ أَرْكَانِ الْإِسْلَامِ وَعَمُودِهِ . فَإِذَا مَا سَمِعَ اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ مَرَّتَيْنِ ، عَظُمَ اللَّهُ فِي نَفْسِهِ ، وَاسْتَحْضَرَ جَلَالَهُ وَقَدَّسَهُ وَاسْتَصْغَرَ كُلَّ شَيْءٍ بَعْدَ اللَّهِ ، فَلَا يَشْغَلُهُ شَيْءٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ ; لِأَنَّ اللَّهَ أَكْبَرُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ ، فَلَا يَشْغَلُ نَفْسَهُ عَنْهُ أَيُّ شَيْءٍ . فَإِذَا سَمِعَ أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ، عَلِمَ أَنَّ مِنْ حَقِّهِ عَلَيْهِ طَاعَةَ اللَّهِ وَعِبَادَتَهُ . وَإِذَا سَمِعَ : أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ ، عَلِمَ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ اسْتِجَابَةُ دَاعِي اللَّهِ . وَإِذَا سَمِعَ حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ ، عَلِمَ أَنَّ فَلَاحَهُ فِي صِلَاتِهِ فِي وَقْتِهَا لَا فِيمَا يَشْغَلُهُ عَنْهَا . وَهَكَذَا فَكَانَ مَمْشَاهُ إِلَيْهَا تَخَشُّعًا ، وَخُطَاهُ إِلَى الْمَسْجِدِ تَطَوُّعًا مَعَ حُضُورِ الْقَلْبِ وَاسْتِجْمَاعِ الشُّعُورِ . وَمِنْ هُنَا أَيْضًا نُدْرِكُ السِّرَّ فِي طَلَبِ السَّامِعِ مُحَاكَاةَ الْأَذَانِ تَبَعًا لِلْمُؤَذِّنِ لِيَرْتَبِطَ مَعَهُ فِي إِعْلَانِهِ وَعَقِيدَتِهِ وَشُعُورِهِ ، كَمَا جَاءَ فِي أَثَرِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّ رَجُلًا قَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ الْمُؤَذِّنِينَ يَفْضُلُونَنَا ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " قُلْ مِثْلَ مَا يَقُولُونَ ، فَإِذَا انْتَهَيْتَ فَاسْأَلْ تُعْطَهُ " . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ . وَقَدْ قَدَّمْنَا هَذَا الْمَوْضُوعَ هُنَا ، وَإِنْ كَانَ لَيْسَ مِنْ مَنْهَجِ الْكِتَابِ ، وَلَكِنْ لِمُوجِبِ اقْتِضَاءٍ ، وَلِمُنَاسَبَةِ مَبْحَثِ الْأَذَانِ . أَمَّا الْمُوجِبُ فَهُوَ أَنِّي سَمِعْتُ مُنْذُ أَيَّامٍ أَثْنَاءَ الْكِتَابَةِ فِي مَبَاحِثِ الْأَذَانِ ، وَسَمِعْتُ مِنْ إِذَاعَةٍ لِبَلَدٍ عَرَبِيٍّ مُسْلِمٍ أَنَّ كَاتِبًا اسْتَنْكَرَ الْأَذَانَ فِي الصُّبْحِ خَاصَّةً ، وَفِي بَقِيَّةِ الْأَوْقَاتِ بِوَاسِطَةِ الْمُكَبِّرِ لِلصَّوْتِ ، وَقَالَ : إِنَّهُ يُرْهِقُ الْأَعْصَابَ وَخَاصَّةً عِنْدَ أَدَاءِ النَّاسِ لِأَعْمَالِهِمْ أَوْ عِنْدَ الْفَرَاغِ مِنْهَا وَالْعَوْدَةِ لِرَاحَتِهِمْ ، وَلَا سِيَّمَا فِي الْفَجْرِ عِنْدَ نَوْمِهِمْ ، فَكَانَ وَقْعُهُ أَلِيمًا أَنْ يَصْدُرَ ذَلِكَ وَيُنْشَرَ ، وَلَكِنْ أَجَابَ عَلَيْهِ أَحَدُ خُطَبَاءِ الْجُمَعِ فِي خُطْبَةٍ وَافِيَةٍ ، وَأَفْهَمَهُ أَنَّ الْإِرْهَاقَ وَالِاضْطِرَابَ إِنَّمَا هُوَ مِنْ عَدَمِ الِاسْتِجَابَةِ لِهَذَا النِّدَاءِ ، وَأَنَّ الرَّسُولَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَخْبَرَ أَنَّ الشَّيْطَانَ يَبُولُ فِي أُذُنِ النَّائِمِ ، وَأَنَّهُ يَعْقِدُ عَلَيْهِ ثَلَاثَ عُقَدٍ ، فَإِذَا مَا اسْتَيْقَظَ وَذَكَرَ اللَّهَ انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ ، وَإِذَا تَوَضَّأَ انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ أُخْرَى ، فَإِذَا صَلَّى انْحَلَّتِ الْعُقْدَةُ الثَّالِثَةُ ، وَأَصْبَحَ نَشِيطًا إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الرَّدِّ الْكَافِي . وَلَا شَكَّ أَنَّ مِثْلَ تِلْكَ الْكِتَابَةِ لَا تَصْدُرُ إِلَّا مِمَّنْ لَا يَعِي مَعْنَى الْأَذَانِ . هَذَا مَا اسْتَوْجَبَ عَرْضَ الْحِكْمَةِ مِنَ الْأَذَانِ ، وَإِنْ كَانَتْ مُجَانِبَةً لِمَنْهَجِ الْكِتَابِ ، وَلَكِنْ بِمُنَاسَبَةِ مَبَاحِثِ الْأَذَانِ يُغْتَفَرُ ذَلِكَ ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ .

                                                                                                                                                                                                                                      ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                                                                                                                      الخدمات العلمية